مواضيع الخطبة:

لحلقة الأخيرة من الدعاء (7) – ذكرى
وفاة الرسول (ص) – الأعياد الأرضية (عيد العمال) –
مشكلة البطالة في البحرين

حقاً إن على الأمة أن تراجع ما
وصل إليها من علم بيت نبيها صلى الله عليه وآله وسلم بعناية فائقة حتى تقترب من فهم
أدق لواقع الكتاب بالقدر الممكن منتظرة موافاة سليل الرسالة قائم آل محمد (ص) وعنده
النبأ اليقين.

الخطبة الأولى

الحمد لله الولي الحميد، مجيب الدعوات، كاشف الكربات، دافع البليات، رافع الدرجات، غوث المستغيثين، وجار المستجيرين، ومنتهى طلب الطالبين، وغاية أمل الآملين، ورب المربوبين، ومرفد العالمين.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيراً.
عباد الله أوصيكم ونفسي الأمارة بالسوء بتقوى الله، ومن اتقى فإنما يتقي لنفسه، ومن طغى فإنما يسيء لها، وكل نفس بما كسبت رهينة، وغدا ترى النفس أن ليس لها من غير الله ولي ولا منقذ ولا مجير، وأن الرب واحد لا أرباب، وأن ليس من إله حقٍّ إلا الله الواحد القهار، وعبادته وحدها المنجية، وعبادة غيره ليس فيها إلا خسار.

اللهم صل على محمد وآل محمد، ونوّر قلوبنا بمعرفتك، وأسكنها ذكرك، وزينها بتقواك، واصرفها إليك عمَّن سواك يا رحيم يا كريم.

أما بعد فهذه الحلقة الأخيرة في الحديث الذي تواصل في الدعاء وليس آخر ما يقال بشأنه وهو كثير، ودقائقه متعددة بالنظر، وجهاته متزايدة بالتأمُّل، والنصوص الواردة فيه على وفرة بالغة، وما تغنى به من العطاء يتطلب بحثاً متأنّيا، وتأمُّلات فكرية وقلبية يقظة طويلة وكثيرة.

وعلينا أن نعيد الاستذكار ونحن في نهايات الحديث عن الدعاء بأنه وقفة يشارك فيها العقل والروح والنفس والقلب للعبد الفقير الذليل اللئيم أمام الرب الغني العزيز الكريم، يتجاوز بها ذاته وكل الآخرين بخوفه وقلقه، بحزنه وهمّه، بفقره وحاجته، بضعفه ووهنه، بتردده وتلكؤه، بكل عيوبه ونواقصه، بآماله وطموحاته، بأشواقه وتطلُّعاته، بذُّلّه وتخضُّعه، بملقه واستكانته لا يحط بنظره عند أي قمة من القمم الشامخة من المحدود، فضلا عن سَفلٍ من ضال ومنحرف ومستكبر، ولا يركن إلا إلى المطلق الذي تشرئب إليه أنظار العالين، وتتجه إليه همم العارفين، وتسترفد عطاءه زمر الملائكة والأولياء والنبيين والمرسلين. يعرض نفسه على ربه العليم الكريم فراراً إليه، ولجأ إلى رحمته، وطمعا في كرمه، واطمئنانا لجميل وعده، واستزادة من عطائه، عالما بأنه لا يفصح بذلك عن مكنون لا يعلمه الله، وإنما هو الاعتراف لمن لا يستر منه ساتر، ولا تواري منه ظلمة، ولا في علمه غيب، وإظهار للضراعة للمغفرة، وستر العيب وغفران الذنب، وكشف الكرب، وسد الخَلَّة، ورفع العوز، وقضاء الحاجة، وبلوغ الغاية، وطلب الحماية، والتوفُّر على الكفاية.

قل إن الدعاء حالة تحرر كامل من كل عبودية، وكل خضوع إلا من العبودية لله الملك الحق المبين، والتي تحكم وجود المرء وحياته، في ابتدائه واستمراره، وكل ذرة من كيانه ومكانه، وكل لحظة من لحظات زمانه، وآن من آناته، وهذه عبودية لا تحرر منها على الإطلاق، وما التحرر منها إلا وهم كاذب، وأمل خائب. ولم تتنكر نفس ضالة لعبوديتها لله بارئ النسم، إلا تعددت أوثانها، ولم تكد تتناهى الآلهة الزائفة في شعورها، وإنه ليكثر بها التطواف بين أعداد الآلهة الموهومة المتزايدة فلا تجد ما يغنيها عن الله، وما يروي ضمأها حتى توافيها الوفاة فتجد أن الله هو الحق الذي ضيّعت طريقها إليه، وأن حياتها كانت بحثا وراء السراب.

ولب الدعاء كما تقدم لجأ القلب، فمن تدعوه حقا هو من به اعتصام قلبك، وفيه أملك، وبه تعلق رجائك، “فعن الرسول صلى الله عليه وآله قال الله عز وجل: ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أسباب السماوات وأسباب الأرض من دونه فإن سألني لم أعطه، وإن دعاني لم أجبه”(1) وهذا هو سؤال لسان، ودعاء لفظ، أما الدعاء الحق من هذا العبد الجاني على نفسه فكان لمن اعتصم به قلبه.
ونأتي الآن لما نختم به الحديث عن الدعاء، ويكون التركيز في هذه الخاتمة على ما له ارتباط منه ببناء العلاقات الاجتماعية المتينة، وتصحيح الوضع الاجتماعي.
“عن الرسول صلى الله عليه وآله: لتأمُرونَّ بالمعروف ولتنُهن عن المنكر أو ليسلطن الله شراركم على خياركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم”(2).

فكما أن دعوة الفرد يحجبها ذنبه، فكذلك دعوة المجتمع والأمة يحجبها الذنب يأتي منهما، ويكون من الذنوب التي تحجب الدعاء.
وعن الصادق عليه السلام:”من عذّر ظالماً بظلمه سلط الله عليه من يظلمه وإن دعا لم يستجب له ولم يؤجره الله على ظلامته”(3).
المجتمع كلّه يجب أن يكون يدا واحدة على الظالم، ينكر عليه ظلمه، ويدفعه عن البقاء عليه، ويردع بتأديبه غيره عن أن يجري مجراه، ومن قصر عن ذلك أذنب، ومن عذر الظالم فيما ظلم كان له من يظلمه بتسليط من الله عليه، ولا يرد ظلمه أن يدعو، ولم يكن له أجر في الظلم الذي إنما حل عليه جزاء لوقوفه مع الظالم الأول الذي رضي بفعله وعذّره.

وعن الصادق عليه السلام:”ثلاث دعوات لا يحجبن عن الله تعالى: دعاء الوالد لولده إذا برّه، – فبرّوا والديكم- ودعوته عليه إذا عقّه، ودعاء المظلوم على ظالمه، ودعاؤه لمن انتصر له منه”. – ينتصر لك شخص من ظالمك فتدعو لهذا الشخص فدعاؤك هذا مستجاب- “ورجل مؤمن دعا لأخ له مؤمن واساه فينا” – أي أهل البيت عليهم السلام-.

الأخ المؤمن يقف مع أخيه في محنته، مواساة له من أجل الأخوة الإيمانية، فيدعو المحسَن إليه فيكون دعاؤه مستجابا، وانظروا إلى الفقرة الأخيرة “ودعاؤه عليه إذا لم يواسه مع القدرة عليه واضطرار أخيه إليه” رجل مؤمن يدعو على أخيه المؤمن ودعاؤه مستجاب؛ فكيف؟
إذا كان أخوك المؤمن في محنة…، وكنت قادرا على مواساته وامتنعت، وأخوك على حال من الاضطرار لمواساتك تكن بمنزلة من ظلمه، فإذا دعا عليك استُجيبت دعوته.
والحديث واضح في صياغة العلاقات الاجتماعية الصالحة، ومواجهة العلاقات السلبية منها.
وعنه عليه السلام:”أربعة لا تردّ لهم دعوة: إمام عادل، ووالد لولده، والرّجل يدعو لأخيه بظهر الغيب…”(4). يريد الإسلام أن يملأ قلبك بالإخلاص لأخيك والاهتمام به على غير مرأى من الناس ولا مرأى منه ليتعمق الإخلاص ويتأكد الاهتمام ويكون العمل الصالح لوجه الله.

وعن الباقر عليه السلام:”أسرع الدعاء نجحا للإجابة دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب يبدأ بالدعاء لأخيه فيقول له ملك موكل به: آمين ولك مثلاه”(5). أنت دعوت لأخيك بخير. هذا الدعاء مستجاب ويضاعف لك، فالخير يكون في حقك مضاعفاً.
وعن الصادق عليه السلام:”دعاء المؤمن للمؤمن يدفع عنه البلاء ويدرُّ عليه الرزق”(6) ربما كان المعني هنا الداعي نفسه، فدعاؤك لأخيك المؤمن تقدم أنه مستجاب ومن آثار دعائك له أنه يدفع عنك البلاء ويدر عليك الرزق، وهذه آثار موضوعية. وإذا كان المعني هو المدعو إليه فقد تقدّم أن لك مثليه.

وعبادة الله عزّ وجل في المجال الاجتماعي لها مساحة واسعة جدّا في الإسلام، كسد جوعة الجائع، وإغاثة الملهوف، وإصلاح ذات البين، وتعليم الجاهل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وفيما خطط له الإسلام من هذه العبادة الكفاية لإقامة مجتمع قوي سعيد متقدم متماسك.
وأودُّ أن أختم الحديث من الدعاء بهذه الرواية الذي يتجلى فيها التأكيد على نقاء القلب وصفاء الروح، والطهر من الذنب للداعي إذا أراد لدعائه الإجابة ولرجائه عند الله القبول، فإن الدعاء وهو خطاب القلب قبل أن يكون خطاب اللسان؛ الكلمة النقية الراقية من اللسان معها شعور سقيم، وقلب ملوّث لا تعني فيه شيئا ولا قيمة لها.

فعن الرسول صلى الله عليه وآله:”دعاء أطفال أمتي مستجاب ما لم يقارفوا الذّنوب”(7) فالطفل الذي لا يكتب ذنبه؛ ما يتركه هذا الذنب من شائبة في قلبه يحجب دعاءه، ولنأخذ من هذا درسا في التنافر بين قبول الدعاء والإقامة على الذنب.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واجعلنا وإخواننا المؤمنين والمؤمنات من أهل ذكرك وشكرك، ومن أهل مناجاتك ودعائك في الأسحار، وفي آناء الليل وأطراف النهار، ولا تجعلنا لغيرك قاصدين، ولا تردنا عن بابك خائبين، واغفر لنا جميعاً ولمن كان له حق خاص علينا من أهل ملتك، ولوالدينا وأرحامنا وجيراننا وأصدقائنا يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين.

بسم الله الرحمن الرحيم
(قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ. وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)

الخطبة الثانية

الحمد لله الأول الآخر، الظاهر الباطن، المبدئ المعيد، المحيي المميت، الواحد الأحد، الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤاً أحد. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا مقدِّم ولا مؤخِّر لشيء من دون إذنه، ولا نفوذ لإرادة على خلاف إرادته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدِّين كلّه ولو كره المشركون.

أوصيكم عباد الله ونفسي الخاطئة بتقوى الله الذي بيده محيانا ومماتُنا، وإليه المرجع بعد الممات، وعنده حساب ما كسبت كلُّ نفس، والجزاء الحقُّ يوم يقوم الحساب. ومن روَّض النفسَ على التقوى ملكها وكان في ذلك سموُّها ونجاتها، ومن أسلس لها قيادَها ملكته وكان في ذلك انحدارُها وهلاكُها. وكفى بالتقوى شأناً ما جاء في الكتاب الكريم:}… إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ{(8).

اللهم اجعلنا وإخواننا المؤمنين والمؤمنات من أشدِّ المؤمنين إيماناً، ومن أكثر المتقين تقوى، والصالحين صلاحاً، والصادقين صدقاً.
اللهم صلِّ وسلِّم على البشير النذير، والسراج المنير، رحمتِك للعالمين محمد وآله الطَّاهرين. اللهم صل وسلم على عليٍّ أمير المؤمنين، وإمام المتقين. اللهم صل وسلم على الهادية المهدية، فاطمة الزكية النقيَّة. اللهم صل وسلم على البدرين النيرين، والإمامين الرشيدين الحسن بن علي بن أبي طالب وأخيه الحسين.

اللهم صلِّ وسلِّم على التسعة المعصومين، والأئمة الهداة الميامين علي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري الخلفاء الراشدين، والأولياء الصالحين.

اللهم صلِّ وسلِّم على إمام العصر، الموعود بالنصر المرتضى والمؤتمن، الحجة المنتظر بن الحسن.
اللهم عجِّل فرجه، وسهِّل مخرجه، وانصره نصراً عزيزاً، وافتح له فتحاً مبيناً، واملأ به الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
اللهم الموالي له، المعادي لعدوه، المعدّ لنصرته، الممهِّد لدولته، والفقهاء المخلصين، والعلماء الصالحين، والمجاهدين الصادقين، والعاملين في سبيلك أيدهم وسددهم، وثبت على طريق الهدى خطاهم، وكن لهم ناصراً ومعيناً يا كريم يا رحيم.

أما بعد أيها المؤمنون والمؤمنات..
فأول ما يستوقفنا في هذا الحديث ذكرى وفاة الرسول الكريم الخاتم صلَّى الله عليه وآله.
ولقد كان يوم وفاته وهو يوم توقُّف الوحي، وغياب أكبر تمثيل حيٍّ للإسلام على الأرض، يوم رزية عظمى على الإسلام والمسلمين، ويومَ يُتْمٍ عام للأمة قاطبة، ويوم فتنة كبرى كادت أن تعصف بالوجود الإسلامي كله.

ولقد كان سببُ النجاة للناس، والحبلُ المتين المتنزل من السماء إلى الأرض هدىً ورحمة للعباد من رب العالمين متمثلا في هداه صلى الله عليه وآله وهدى الكتاب، وإمامته وإمامة الكتاب، وما إمامتُه إلا من إمامة كتاب ربِّه، وما كان يغيبُ حرفٌ من الكتاب عن علمه، وما كان صلَّى الله عليه وآله في علمه وعمله، مفارقاً لحرف واحد من الكتاب كلّه. وما كان الله العزيز الحكيم، الرؤوف الرحيم ليضيع عباده، ويحرِمَهم هداه، ويقطعَ عنهم حبل النجاة، وسببَ النجاح – الكتاب المعصوم، والإمام المعصوم – وينقُض الحكمة من بعث الرسل، وإنزال الكتب برفع العِلم مما يوصل إليه، وقطع السلسلة للأئمة الذين يهدون بأمره،(9) ولا يغادرون في قول ولا عمل ما جاءت به الكتب والرسل من علمه، ولا يتخلّفون في شيء عن حكمه، ومن هنا جاء حديث الثِّقلين كتاب الله وعترة رسوله صلَّى الله عليه وآله وكونهما الحبل الممدود من السماء إلى الأرض، والباقي في الأمة بعده.

وعندما اختلفت الأمة عن العترة وخرجت عليها بقي الكتاب الكريم واحداً رسماً، وصار على ألسن الكثيرين ممن قالوا فيه ولا يزالون متعدداً فهماً، ويضرب بعضه بعضاً مُراداً ومعنى، وأُسست في ضوء هذا التضارب في الفهم مدارس كلامية مختلفة، ومشارب فقهية متعارضة، ومذاهب سياسية متباينة حتى صار الإسلام في أيدي النَّاس يتزايد عدداً يوماً بعد يوم، ويفترق على نفسه، ويُسقط بعضُه بعضاً إلى أن صرنا نتلقى التنظيرات عن الإسلام عقيدة وشريعة ورؤى ومفاهيم في مختلف المجالات حتى ممن لا تكاد تكون له صلة بالقرآن لغة عربية فصحى، ونمطاً إعجازياً في التعبير، ولا روحية وأخلاقية ومساراً وهدفاً ورؤية كلية وتفصيلية من تلامذة المدارس المادية في أمريكا وأوربا وغيرهما.

حقاً إن على الأمة أن تراجع ما وصل إليها من علم بيت نبيها صلى الله عليه وآله وسلم بعناية فائقة حتى تقترب من فهم أدق لواقع الكتاب بالقدر الممكن منتظرة موافاة سليل الرسالة قائم آل محمد (ص) وعنده النبأ اليقين.

ولابد من التأكيد بمناسبة تعرُّض أحدهم في جريدة أخبار الخليج بفهم أرضيٍّ سقيم لشخصية الإمام الحسين عليه السلام، والانحدار بقدسية ثورته المباركة وأهدافها الإلهية الكريمة، والنزول به عن مقامه الكريم عند الله ورسوله والمؤمنين إلى درجة اللاهثين وراء الدنيا المنافسين على زخرفها، الذين يبحثون عن العظمة الموهومة في الكرسي الزائف، والجاه الرخيص، والمال الفاني؛ لابد من التأكيد أن هذا ليس الحسين الذي جاء عن رسول الله (ص) فيه:(حسين مني وأنا من حسين). وليس هو الذي كان داخلاً بحق في قوله تعالى:} إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا {؟ وفي آية المباهلة؟ وآية المودة، وفي حديث الثقلين، وسفينة نوح ونصوص متواترة تنتهي بالمسلم إلى إمامته الإلهية ووجوب طاعته والإقتداء بسيرته الشريفة.

ولينتقل الحديث إلى مشكلة البطالة في البلد، ويسبقه الحديث عما يسمَّى بعيد العمَّال.

أولاً: الأعياد الأرضية:-

1- هناك أعياد إلهية شرعية لها قدسيتها ومنهجها العبادي ومنطلقها ومناسباتها الكبرى التي استحقت بها في علم الله أن تكون أعيادا، وهناك مقترحات أرضية وضعية بتسمية بعض أيام السنة أعيادا يحتفل فيها بدافع تكريم فئة أو تلافي مشكلة من المشاكل.
هناك عيد الأم، عيد الشجرة، عيد الأب، وأعياد أخرى، ومنها عيد العمل والعمّال، وهو يوم اتخذ لتكريم العمل والعمال على خلفية الصراع الطبقي غير العادل.

وفارق كبير بين الأعياد الإلهية والأعياد الأرضية التي لا نتعبد بها ولا نعطيها قدسية أبداً.

2- فالأعياد الإلهية الشرعية أساسها النجاح في تحقيق الإنسان لدوره الخلافي، ووقوف الأمة بوجودها الاجتماعي الكبير موقف العبادة والطاعة لله عز وجل والاستجابة لتشريعه كما في عيد الأضحى وعيد الفطر، فإنهما يعقبان عبادتين مهمتين من حق الأمة أن تحتفل بالنجاح فيهما؛ نجاحا على المستوى الاجتماعي والكيان العملاق الواحد لها في عبادة الله عز وجل. والأعياد الوضعية الأرضية أساس الكثير منها الفشل في القيام بالواجب، فعيد الأم لأنه لابرّ بالأم وهو لمعالجة هذا الخلل الكبير معالجة باردة،، أما الإسلام الذي يربط أبناءه ببرّ الوالدين ليلا ونهارا، صباحا ومساءا، لا يحتاج لأن يثير القضية في يوم معيّن من أيام السنة ليذكّر بأهمية الأم، وليعطي تكريما في يوم واحد وربما بطريقة جاهلية لها. الأم محل التكريم، ومحل العناية في المنهج الإسلامي، وفي المجتمع الإسلامي الذي ربَّاه على المنهج في كل لحظة وفي كل آن. لفشل المنهج المادي في التعامل الصحيح مع الأم وهروبه بالإنسان عن القيم، وعن البر والإحسان ومعرفة الجميل لذلك يضطر حتى لا تسقط الحياة نهائيا أن يوجد عيدا باسم عيد الأم وهكذا في بقية الأعياد.

ولما تتعملق الرأسمالية ويكون الإله الدينار والدرهم والدولار هنا يحتاج العمال إلى وقفة على مسار الصراع في يوم من الأيام ليلفتوا الطغاة ويلفتوا الرأي العام العالمي إلى إنسانيتهم وإلى حاجتهم. أما العامل الذي ينصفه المنهج الإلهي، الذي يلاحق الطغاة ويلاحق الرأسماليين في ظلمهم للعامل وغير العامل من المحرومين وليلا نهارا فإنّه لا يحتاج إلى يوم عالمي للعمل والعمال(10).

فملخّص الأمر هو أنه لو راجعتم لوجدتم أن الأعياد الإسلامية أرضيتها النجاح في القيام بالواجب، ونجاح المنهج وأبنائه. وأما الأعياد الأرضية فإنما تقوم في الغالب على فشل المنهج وأبنائه.

وأنتم تعرفون أن عيد العمال إنما خلفيته الصراع الطبقي الاقتصادي، ونهب لقمة العامل، وأخيه الفلاح من قبل الطبقة المسماة بالأرستقراطية، أي الطبقة المستكبرة على المستوى الاقتصادي.

وتعرفون استغلال الشيوعية للطبقة العمالية، وركوب هذه الطبقة للتنفّذ والأغراض الدنيئة، ولرأسمالية الشيوعية المنحصرة في قادتها.. أمّا العمال المنادى باسمهم فيبقون مسحوقين، والعامل في ظل النظام الرأسمالي الظالم كان أحسن حالا منه في النظام الشيوعي الذي ينادي باسم الطبقة العمالية.

وتؤكد أخيراً أن المنهج الإسلامي بعدله ودقته وأخلاقيته والترابط الإنساني القائم على ضوئه لا يحتاج إلى هذه الأعياد المخترعة لو ارتبطنا بالإسلام وطبقنا منهجه بأمانة.

ثانياً: المشكلة العمالية في البحرين:

وحديثنا عن المشكلة إنما هو من المنطلق الإسلامي وباعتباره واجباً إسلاميَّاً لتركيز العدل والإنصاف، ومحاربة الظلم والفساد، وليس تمشياً مع مناسبة عيد العمال بخلفيتها البعيدة عن الإسلام.

وحين نقرأ من الصحافة المحلية ومن قرائن الحال ومما يشهد به الواقع ما يأتي:

* أنّ العمال الأجانب يبلغون مائة وتسعين ألفاً. والمعني هم العمال بالمعنى الأعم، لا خصوص من يحمل المطرقة.

* والعمال المواطنين يبلغون مائة وعشرين ألفاً.

* والعاطلين تقديرهم الرسمي من عشرين إلى خمسة وعشرين ألفاً. وفي تقدير آخر يتردد العدد بين 27 – 30 ألفاً.

* الإعلان عن الوظائف خارج البحرين لا داخلها. إذا أريد عن وظائف راقية لا يعلن عنها في صحف البحرين وداخل البحرين إنما يعلن عنها خارج البحرين وكأن البحرانيين لا يعنيهم الأمر وليس فيهم رجل واحد يستحق هذه الوظائف.

* التجنيس السياسي ومن سنوات يتراوح بين الحالة النشطة والمتوسطة وأن المجنسين يتمتعون بامتيازات خاصة.

* العمال المسرحين في سوق العمل الأهلي من الأجانب تغص بهم البلد ليتكدس بهم الثراء في الجيوب المترفة.

* وجود تصنيف مذهبي وسياسي كأساس للتوظيف أصلاً وقيمة نوعيّة.

* تدنّي الحد الأدنى لبعض الأجور إلى درجة عدم توفير اللقمة والكسوة.

حين نقرأ هذا كلّه نجزم بقيام مشكلة حادة هي مشكلة العمّال والبطالة بشقّيها.(11) والمسؤول هنا في الأكثر الإرادة السياسية لمصادر القانون والقرار والتنفيذ من حكومة وأكثر من وزارة، ويدخل المجلس الوطني الآن في دائرة المسؤولية.

2- على المؤسسات السياسية الأهلية أن تولي اهتماماً خاصّاً للتركيز على الأسباب المتعمدة لإبقاء المشكلة وإعاقة الحل، وتقدم رؤية واضحة بذلك للمواطنين، وأن تواصل وكل المنصفين من المواطنين من العمال وغيرهم المطالبة الجادة بتقديم الحلول الناجعة للمشكلة. والمسجد من منطلق مسؤوليته الشرعية يركز على المطالبة بالتسريع بالحل لهذه المشكلة المزمنة المؤرقة وهي إحدى المشاكل التي يمتحن بها إخلاص المؤسستين التنفيذية والتشريعية كما يسمونها – أقول كما يسمونها لأن المشرع الحق هو الله تبارك وتعالى وحده-.

3- وعلى طريق المطالبة المشددة بحل المشكلة يركز على التالي:-

1- فتح فرص عمل كافية عن طريق استحداث المشاريع الاقتصادية الشريفة النشطة.
2- الاستغناء عن العمال الأجانب إلا بالمقدار الذي تتطلبه ضرورات سوق العمل.
3- سد باب التسيب من العمال الأجانب من أصحاب التأشيرة المفتوحة.
4- تكافؤ الفرص أمام المواطنين بلا حسابات طائفية، وتفريق سياسي واهم.
5- رفع الحد الأدنى للأجور بما يحقق مستوى الكفاية لا الكفاف. – وفرق بين مستوى الكفاف ومستوى الكفاية، مستوى الكفاية المستوى المعتدل المقبول في الوسط الاجتماعي للحالة المعيشية. أما مستوى الكفاف فهو الذي يسد حاجة اللقمة والكسوة والمأوى فقط. الكفاف تقريبا: هو حد أدنى من العيشة يحمي من الموت والمرض العاجل.

6- الضمان الاجتماعي للعاطلين عن العمل بعذر، بصورة شرعية – أي الضمان الاجتماعي يجب أن يأخذ صورة شرعية لا أن ينهب الناس للناس- وبالقدر والكيفية التي تحفظ كرامة المواطن، مع تقديم فرص العمل على الضمان الاجتماعي كلما أمكن.
7- رفع مستوى الكفاءة في العلم والخبرة للمواطن بحيث لا تتعلل سوق العمل تبريراً لاستيراد الكفاءات الخارجية بشح الكفاءات المحلية.
8- مواجهة المعوِّقين للإصلاح العادل للتغلب على المشكلة بحزم.

وإننا لنحمل الإرادة السياسية التنفيذية المسؤولية العظمى في التعاطي الجدّي مع المشكلة.

اللهم صلّ وسلم على حبيبك المصطفى، وآله أهل الوفاء، واغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا وأرحامنا وجيراننا ومن كان له حق خاص علينا منهم، وارزقنا وكل أهل الإيمان خير الدنيا والآخرة، وجنبنا شر الدنيا والآخرة يا كريم يا رحيم.

“إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)” النحل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – ميزان الحكمة ج3 ص 274
2 – ميزان الحكمة ج3 ص 275
3 – 3 – ميزان الحكمة ج3 ص 275
4 – ميزان الحكمة ج3 ص 273
5 – ميزان الحكمة ج3 ص 281
6 – ميزان الحكمة ج3 ص281
7 – ميزان الحكمة ج3 ص 273
8 – المائدة/27
9 – إذا انقطعت سلسلة الأئمة الذين يهدون بأمره، جاءت أئمة إما أنهم لا يهدون بأمره أبداً، أو لا يهدون بأمره بنحو شامل.
10 – ليزيد في حالة الصراع استغلالاً للعمال، أو ليخدِّر أعصابهم من خلال الشعارات والإعلام الكاذب.
11 – فالمعاش فعلاً ليست مشكلة بطالة وحدها وإنما تنضاف إليها مشكلة موظفين وخبراء عمل لا ينصفون، ويهمَّشون.