عاشوراء – حول شعيرة عاشوراء 1408/1/2هـ

أنتم الجمهور المؤمن تستطيعون أن تعدّلوا كثيرا
من المسارات للمآتم

والخطباء، الخطيب الذي يهرّج، والخطيب الذي لا يقدم مادة دينية نظيفة، أو قد يتطاول

وتظهر منه كلمات محاربة للدين بشكل وآخر أنتم تستطيعون تأديبه، بمواجهة إيجابية

مستنكرة، وبالمقاطعة السلبية.

أنتم الجمهور المؤمن تستطيعون أن تعدّلوا كثيرا من المسارات للمآتم والخطباء، الخطيب الذي يهرّج، والخطيب الذي لا يقدم مادة دينية نظيفة، أو قد يتطاول وتظهر منه كلمات محاربة للدين بشكل وآخر أنتم تستطيعون تأديبه، بمواجهة إيجابية مستنكرة، وبالمقاطعة السلبية.

حول شعيرة عاشوراء

أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

بسم الله الرحمن الرحيم. “ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب” صدق الله العلي العظيم.

الشعيرة معناها العلامة، فالشعائر علائم. علائم على طاعة الله تبارك وتعالى، وإنما تكون هذه العلائم علائم طاعة، وعلائم انقياد إذا كانت بأمر الله تبارك وتعالى وإذنه، فالطاعة لله تكون من تحديد الله، وليس من تحديد العبد.

من هذه الشعائر ما في قوله تعالى “إن الصفا والمروة من شعائر الله، والبدن جعلناها لكم من شعائر الله” الصفا والمروة معروفان، البُدن جمع بُدنة؛ وهي الناقة التي يشق جانبها الأيمن فيسمى ذلك إشعارا، علامة على أنها هدي يسوقه الحاج المقرن، هذه البُدن تأخذ قدسية، وتكون من شعائر الله تبارك وتعالى بربطها بشعيرة الحج وقبول الله تبارك وتعالى نسبتها إليه.

ومن تعظيم تلك الشعائر قد يكون الاختيار الحسن لها، وقد رُسِم برنامج خاص فيه آدابٌ خاصّة، وحقوق خاصة للبُدن التي تُساق هدياً. فكل ما نُسب إلى الله تبارك وتعالى وصحّت نسبته إليه نسبة تشرّف، ونسبة انقياد وطاعة كان من شعائر الله تبارك وتعالى التي تراعى وحرماته التي لا تنتهك. كلّ شعيرة يكون تعظيمها بحسبها، وتعظيم الشعائر كما تقول الآية الكريمة مصدره تقوى الله سبحانه وتعالى، وهو كاشف عنها؛ فكلما حصل تعظيم حقا لشعائر الله بما هي كذلك كان المصدر هو التقوى. ولمعوّل عليه في مسألة تعظيم الشعائر هو أن تكون هناك تقوى دافعة لهذا التعظيم، ثم أن يكون التعظيم متناسباً مع مستوى الشعيرة.فما يتراءى أنه تعظيم للشعائر ولاخلفية له من التقوى لا يكون فيه تعظيم لله، ولا قيمة له عنده.

(عاشوراء) هل هو شعيرة من شعائر الله؟ وما مدى قدسية هذه الشعيرة؟ ولماذا هي شعيرة؟

هناك بدعة وسُنّة، ما هي البدعة؟ وما هي السنة؟ عندنا من سنّ سنّة خير، ومن سنّ سنة شر.

البدعة ممارسة تجري على يد شخص أو على يد جماعة تحمل منافاة لدين الله، لقواعد الشريعة وتعاليمها وآدابها، فهي سلوك خارج على طاعة الله سبحانه وتعالى، مضادٌّ لدينه، غير قابل للدخول تحت قاعدة من قواعد الشريعة، وتنشأ البدعة على يد شخص أو أكثر من شخص مرةً بسذاجة أو غفلة، ومرة بقصد سيء، أما ما كان داخلا تحت قاعدة من قواعد الشريعة، وفيه التقاء مع الأدب الشرعي، أو أنّه ممارسة مباحة في الأصل، ولكنها بحسب الظروف الموضوعية تقوم بدور كبير فيه ترسيخ وتثبيت وتركيز لقيم الدين، وقواعد الشريعة، وفيه خدمة للأخلاقية الإسلامية، ولأمر من أمور الدين المهمة، وجاءت هذه الممارسة المباحة بالأصل والتي تمتلك هذا البعد الكبير في التأثيرلا بقصد أنها عبادة واردة بعنوانها الخاص من قبل الشريعة فهل تعدٌُّ بدعة؟ طبيعي ليست بدعة، إنما هذه من السنة التي من سنَّها فقد سنّ سُنَّة خير. وعاشوراء تمثل أسلوبا مباحا في الأصل، ولكنه يُعطي دعما هائلا بما لا يُتصور للوجود الديني المطارد، للمفهوم الإسلامي الذي يقوم العملُ الدؤوب المضاد على إذابته، وفصل الأجيال عنه، طبعا محرم الحرام له هذا المردود الكبير، مردود تثبيت وتركيز العقيدة والحقّ المهضوم، ربط وعي الناس، ومشاعر الناس بالرموز الطاهرة الخيرة، والقدوات الأسمى من أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وبهذا يكون محرم الحرام شعيرة من شعائر الله تبارك وتعالى، وعلامة من علامات الطاعة، لكن قبل ذلك يوجد السند اللفظي، والدليل اللفظي الدال على شعيرة عاشوراء، وهي الروايات المستفيضة عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل بيته عن البكاء على الحسين، وإحياء أمرهم صلوات الله وسلامه عليهم.

“كل عين باكية إلا عين بكت على مصاب الحسين عليه السلام فإنها ضاحكة مستبشرة بنعيم الجنة” عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم.

مضموناً: تجلسون وتتحدثون يا فضيل؟ بلى فداك نفسي، فداك أبي، جوابه للإمام الصادق عليه السلام، يأتي جواب الإمام عليه السلام بما مضمونه: أنها مجالس أحبها، أحيوا أمرنا يا فضيل.

وقد جرت سيرة الأئمة الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وسيرتهم حجة بقوة حجية سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. إذا كان الصحابي العادي يتخذ قوله حجة ودليلا على حكم الله، وهذا لا يعرف وجهه الدقيق، فإن أئمة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ليسوا أقل شأنا عند المسلمين عموما من أكثر الصحابة قدرا، فعلى الأقل من هذه الجهة تكون سيرتهم حجة على سائر المسلمين، وأما من وجهة نظرنا فإن سيرتهم حجة من ناحية معصوميتهم، وأن قولهم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسيرتهم سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قامت سيرة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين على الاحتفاء والاهتمام والتركيز منذ اليوم الأول من استشهاد أبي الأحرار، أبي عبدالله صلوات الله وسلامه عليه على الاحتفاء والاحتفال بذكرى عاشوراء، ولقد كان الأئمة عليهم السلام ينصبون العزاء ما كانت تتيح لهم الظروف، ويعتبرون يوم عاشوراء وتخاذه يوم حزن وكآبة وبكاء، حتى كان الإمام من الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين يأتي بالشاعر من شعراء أهل البيت، والراثي يسمعه فجيعته، ويبكي ويبكي أهله. هذا سند كاف لكون محرم الحرام شعيرة من شعائر الله، وهي شعيرة عُطِّلت في بعض البلدان الإسلامية للبعد عن أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، إلا أن التقدير أن هذه الشعيرة ستعود بأقوى ما يكون في تلك البلاد، وبأشد ما يمكن أن يتصور، وسيظهر الولاء من جديد قويّاً وفعّالاً في تلك البلاد بإذن الله، وعن قريب إن شاء الله، وذلك حين ينفتح المسلمون على قضايا دينهم بجدَّية بعيداً عن كل التعصُّبات.

فنحن مسؤولون ولا شك عن تعظيم شعيرة عاشوراء، انطلاقا من الدليل اللفظي المقطوع به، ومن آثارها الضخمة، ومردودها الإيجابي على مسيرة الأمة وواقعها، وإذا كانت البُدنة تستحق تعظيما بأمر الله سبحانه وتعالى، وإذا كانت الصفا والمروة يستحقان تعظيما بأمر الله، والله هو العليم، فما بالك برأس شعائرالدين؟! ورأس شعائرالدين أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، بيت النبوة والرسالة.

إننا مسؤولون أن نعطي كلّ ما في مقدورنا من نشاط تقديري، وتعظيمي، وأن نبذل كل غال ورخيص في سبيل إحياء هذه الشعيرة المقدّسة، وإبراز مظلومية الخط الإسلامي الصادق، خط الحسين عليه السلام الذي كان ولا زال حياً.

كيف نعظِّم هذه الشعيرة؟

قبل أن نسأل كيف نعظِّم هذه الشعيرة علينا أن نفهم معنى هذه الشعيرة.

ثار الإمام الحسين عليه السلام ثورته المباركة ليركّز مفهوماً معينا في أهم مسألة من مسائل الحياة الاجتماعية الإسلامية، وهو أن الأمة مسؤولة أن لا تقرّ ظالماً على ظلامته، وأنه كلما انحرفت المسيرة الإسلامية على يد صغير أو كبير كانت المسؤولية ثابتة على كاهل الأمة في رد المسيرة إلى خطها، وقطع اليد الظالمة التي تعدل بدين الله عن خطه القويم، وإذا كان روح الثورة الحسينية المباركة هو هذا المضمون، مضمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إطاره الكبير، وفي معناه المؤثر الفاعل، وفي إيجابيته الضخمة، ومسؤولياته الكبيرة، فإن إحياء شعيرة عاشوراء يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعني أن تنصبّ كل الشعارات المقولة والمكتوبة في هذه المناسبة المباركة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى خدمة الإسلام وتركيز خطّه الصحيح، فهل يقَّدم احياء على هذا الاحياء وهو الإحياء الأكثر وعياً، والأكثر تأثيرا، والذي يعني تعظيماً لشعيرة محرّم أعني الإحياء بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟!

الطبيعي الاهتمام بأهل البيت عليهم السلام رموزاً للدين، الاهتمام بمناسباتهم، بمشاهدهم، بكل آثارهم، وكل آثارهم علائم تقوى، وعلائم طاعة، ومنارات هدى، وكل هذا يعني الاهتمام بالدين، وبطاعة الله، وتقوى الله سبحانه وتعالى. وإنك لو جرّدت الفكرة الأقوى من بين الأفكار، والأكثر أصالة من بين الأفكار، لوجردتها عن المكان، وجردتها عن الزمان وعن الأشخاص ستفقد وجودها العملي بالكامل، إذا فصلنا الفكرة الإسلامية عن مناسباتها المكانية فقضينا على كل مناسبة مكانية للإسلام وأعلام الإسلام، وإذا فصلنا هذه الفكرة عن كل مناسباتها الزمانية فطمسنا هذه المناسبات وفصلناها عن الإسلام وأعلام الإسلام، وإذا أقبرنا ذكر كل ولي من أولياء الله تبارك وتعالى، وقضينا على ذكر كل حبيب من أحباء الله سبحانه وتعالى، ماذا يبقى من الإسلام؟ إسلام بلا رموز مكانية، إسلام بلا رموز زمانية، إسلام بلا رموز بشرية، يبقى فكرة مجردة معلقة لا شاهد لها من مكان، ولا من زمان، ولا من إنسان وهذا طريق للقضاء على الإسلام بالكامل.

على أنّ هذا الفكر فكر غريب على الإسلام تماماً، فكر فصل الفكرة الإسلامية عن مناسباتها المكانية والزمانية ورموزها البشرية الإنسانية وقدواتها التي صاغتها الرسالة، هذا فكر أجنبي عن الإسلام، غريب عليه لا ينبغي الالتفات إليه، وإن المسلمين في كل مذاهبهم ليجُمعون على تقديس أمكنة معينة، وأزمنة معينة وتقديس رموز بشرية معينة قربة إلى الله. إذا كان الصفا والمروة تستحق تقديساً، إذا كانت الكعبة المطهرة تستحق تقديساً، إذا كانت البُدن تكتسب معنوية، وتكتسب شرفا ومكانة سامية، لدخولها حلقة من حلقات الحج، فإن الإمام الحسين عليه السلام حقيق وأي حقيق للتقديس والإجلال والتعظيم. ومن هو الإمام الحسين عليه السلام؟ “حسين مني وأنا من حسين” القضاء على ذكر الحسين عليه السلام، قضاء على ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله ، رفض شخصية الإمام الحسين عليه السلام رفض لشخصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبالعكس إن الانشداد للإمام الحسين عليه السلام انشدادٌ لرسول الله صلّى الله عليه وآله، تعلّقٌ بعروة الله، توجه إلى الله سبحانه وتعالى. لو جمدنا على تقديس المكان للمكان لكنا مشركين، إذا قدست الكعبة لأنها الحجر والمذر فقد أشركت، إذا قدست الصفا والمروة لأنهما جبلان وحسب فقد كفرت، إذا قدست البُدن لأنها نوق فقد كفرت، لكنك تقدسها وتكون مثوباً حيث نسبتها إلى الله سبحانه وتعالى بما هي مضافة إلى الله إضافة مقبولة عنده، وهل إضافة البدن إلى الله أكثر قبولا عند الله من إضافة الإمام الحسين، وثورة الإمام الحسين عليه السلام التي أحيت الدين عند الله؟!

كيف نعظِّم هذه الشعيرة؟

قل لي بأننا نعظمها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليكون هذا التعظيم محيياً لروحها، وفيه بعث لروح الثورة ومعنى الثورة الحسينية المباركة.

على طريق إحيائنا ليوم عاشوراء لاشك إنه توجد سلبيات، وهي سلبيات مضيرة، إلا أننا لا نيأس من القضاء عليها والتخلص منها، ولو جئنا لصلاتنا لوجدناها تحمل سلبيات من عندنا لا من عندها، أو جئنا لصومنا لوجدناه يحمل سلبيات من عندنا لا من عنده، كذلك مواكبنا ومآتمنا تحمل سلبياتنا، وهي سلبيات منسوبة لنا وليست منسوبة للمأتم بما هو مأتم، ولا للموكب بما هو موكب.

عنصر مشاركة المرأة وخاصة في العاصمة، عنصر بأسلوبه الخاص المعاش يمثل سلبية ضخمة في وجود المواكب. السفور والتبرج، والخلاعة تجد موسمها المناسب في أيام عاشوراء خاصة في العاصمة. وهذا عمل تباركه الدوائر الاستعمارية، ويباركه المغرضون ويصلون من خلاله إلى مآربهم في امتصاص المعنى الكبير، وتجفيف المضمون الضخم لمناسبة عاشوراء. ما نملكه من الوسائل علينا أن نستخدمه في تطهير المواكب من المظاهر النشاز التى لا تلتقي وسمو المناسبة،وانتماءها الإيماني، وأخلاقيتها الرفيعة، وجدَّيتها البالغة. ويجب أن نجتنب الأصوات المائعة في المرددات العزائية. مطلوب أن تأخذ ترديداتنا صوتاً مناسباً بدل الصوت المائع. فإنه يشاهد في بعض هذه الترديدات الميوعة والليونة والصحيح أن تحمل رجولتنا، وعينا، ومعاناتنا، وهمنا، وتأتي بصوت يدل على الجدية، ويدل على الرجولة.

أنتم الجمهور المؤمن تستطيعون أن تعدّلوا كثيرا من المسارات للمآتم والخطباء، الخطيب الذي يهرّج، والخطيب الذي لا يقدم مادة دينية نظيفة، أو قد يتطاول وتظهر منه كلمات محاربة للدين بشكل وآخر أنتم تستطيعون تأديبه، بمواجهة إيجابية مستنكرة، وبالمقاطعة السلبية. التى تحوّل المأتم إلى ما يشبه المقبرة الموحشة لعدم المستمعين. وكل خطيب يتهاون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يخدم الإسلام بما يستطيع لا يكن مرغوباً عندكم ومحلا للاهتمام من جانبكم.

أصحاب المآتم والمواكب الذين يُلمس منهم الانحراف الصريح، والمضادة لدين الله سبحانه وتعالى يجب أن يعاملوا نفس المعاملة، فيُلغوا من قاموس المجتمع، وبهذا نستطيع أن نحافظ على توازن المسيرة، وعلى انضباط هذه المسيرة المباركة، ونجنبها كثيراً من الأخطاء والسلبيات.

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد وآله الطاهرين.

2/1/1408هـ