عاشوراء – نحن وعاشوراء … تعاطي الطرفين 23 ذو الحجة 1425هـ

نحن وعاشوراء … تعاطي الطرفين

كلمة ارتجالية
ألقاها الشيخ عيسى أحمد قاسم في مأتم بن سلوم بتاريخ 23 ذو الحجة 1425 هـ
الموافق3 فبراير 2005 م

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

معنى التعاطي

أن أتعاطى معك معناه : أن تعطيني، أن أعطيَك، أن تأخذ مني أن أأخذ منك. هذا التعاطي له منطلق، وراءه سر، منطلقه أنك تجد ما لا يجد الطرف الآخر، وأن يجد الطرف الآخر ما لا تجده، أن تغنى بشيءٍ يحتاجه، وأن يغنى بشيءٍ تحتاجه. لماذا يأخذ منك؟ لأنه يحتاجك، لماذا تأخذ منه ؟ لأنك تحتاجه، كيف تعطيه ؟ لأنك تجد ما لا يجده، كيف يعطيك ؟ لأنه يجد ما لا تجده.

هل عاشوراء بحاجة لنا؟

حينما نفترض أن هناك تعاطياً بيننا وبين عاشوراء، فمعنى ذلك أن عندنا شيء ليس عند عاشوراء، وأن عند عاشوراء شيئا ليس عندنا. فرضُنا التعاطي بيننا وبين عاشوراء، أن عاشوراء بحاجة لنا، وأننا بحاجةٍ لعاشوراء فهل الأمر كذلك ؟ هذا ما يمكن أن يلقى عليه الضوء قادما.

التجارب تغرينا في التعامل مع عاشوراء:-

كانت لنا تجارب على طول سنين في عملية التعامل والتفاعل والتعاطي مع عاشوراء، فهل تغرينا تلك التجارب في أن نستمر في هذا التفاعل .. في هذا التعاطي؟ هل وجدنا من عاشوراء خيراً يدفعنا إلى أن نلتحم به .. نحتضنه .. نذوب فيه .. نعطيه الكثير..؟ إن وجداننا يستبطن صدق هذا الفرض فرض أننا نستفيد أننا نأخذ من عاشوراء .. أننا نتغذى على عاشوراء .. أننا نكبُر بعاشوراء .. أننا نزدهر واقعاً بعاشوراء ..وجداننا يستبطن صدق هذا الفرض وإلا لما عاودنا التجربة سنةً بعد سنة، واشتد حماسنا كلما يأتي موسمٌ جديدٌ من مواسم عاشوراء لنتعبأ ونتهيأ له.

التعاطي على مستويات

صحيح كل الصحة أن التعاطي يختلف مستواه وأنا لا أستطيع أن أتعاطى مع كل المستويات. لي مستوىً محدود يفرض عليَّ أن أتعاطى مع مستوىً معين للطرف الآخر. حتى أتعاطى مع الكبار لا بد عليَّ ولا بدَّ لي أن أتقدم بمستواي حتى يقبلني الكبارُ في الدخول معهم في عمليه التعاطي. الطفل يمكن أن يأخذ، و ولكن الطفل غير مؤهل في أن يدخل في عملية تعاطٍ مستمرةٍ وجادةٍ مع فقهاء الأمة، مع فلاسفتها، مع علمائها الكبار. من أجل أن يقبل علماء الأمة وفقهاؤها وفلاسفتها الدخول في تعاطٍ مع طرف لا بد أن يكون لذلك الطرف مستوىً يؤهله للدخول في عملية التعاطي معه، أليس كذلك ؟

علينا دائماً أن نكبُر لكي نتعاطى مع عاشوراء

فضلا عن الكبار، ما نحن من الحسين (ع) ؟ ما نحن من زينب (ع) ؟ ما نحن من أصحاب الحسين (ع) الصغار ؟ علينا دائما أن نكبُر بمعنى نعظـُم، نتقدم مستوىً، من أجل أن نجيد عملية التعاطي مع عاشوراء، مع كربلاء، وكلما تقدم بنا المستوى وكنا أكثر نضجاً، كلما استطعنا أن نعطي كربلاء وأن نأخذ منها.

الوابل وفير ولكن من يستفيد منه ؟

لكربلاء عطاء مفتوح لحد واسع، يغمر كل مستوانا ويتجاوز مستوانا وزماننا، ولكن علينا نحن أن نتعلم أكثر، وأن نتقدم أكثر من أجل أن تكون عملية التعاطي عندنا مع عاشوراء أكثر عطاءً وأكثر إثراءً لوجودنا. لا يكفي أن يوجد مطر غزير لأثرى بقسط وافر منه إذا كان الإناءُ الذي أملكهُ إناءً ضيقاً. من أجل أن أستفيد من غزارة المطر لا بد أن أمتلك إناءً واسعا ليستقبل مخزوناً أكبر من عطائه، هاطل كربلاء ووابل خيرها وفير غزير، ولكن الاستفادة من هذا العطاء تعتمد على قدرة المستقبل، قدرة التطرف الآخر وهو يدخل في عملية تعاطٍ مع كربلاء.

إستفادة جديدة مع كل عاشوراء جديدة

جميلٌ في كربلاء أنها تعطي الطفل وتعطي الكبير وتعطي الأمي وتعطي المتقدم علميا، تعطي في البعد الفكري .. في البعد الروحي .. في كل الأبعاد. جميلٌ في كربلاء أنها مدرسة حية ومعطاءة في كل جنبات الحياة، وعلينا نحن أن نبني أنفسنا وأن ندخل تجربة كل سنة مع عاشوراء بإرادة التعلم وإرادة الاستفادة وإرادة التتلمذ من أجل نخرج بجديد من كل عاشوراء، ومن أجل أن يكون لنا بذلك إعداد أكبر لعاشوراء تليها.

تكامل الفكر والإرادة .. كربلاء نموذجاً

دعونا نسأل أنفسنا : هل نحن بحاجة لعاشوراء ؟ وهل تملك عاشوراء أن تقضي حاجتنا ؟ لما نحن محتاجون ؟ محتاجون للكثير .. محتاجون إلى فكرٍ دقيقٍ لا يغيب وقت العاصفة، يكون له حضوره وقت الانفعال، ومحتاجون إلى إرادة لا تنام وقت هدوء الريح. نحن إما أن تحكمنا درجة غليان وفوران عاطفي، نندفع معها بلا حسابات فكرية دقيقة، أو نظل نفكر ونتأمل ونتردد ثم نصل إلى قرار ولكن تنقصه الإرادة. نريد أن نتخلص من فكرٍ بلا إرادة، ومن إرادة بلا فكر وأن نتخلص من الاستعاضة بالفكر عن الإرادة، ومن الاستعاضة بالإرادة عن الفكر، وأن نجمع بين الفكر والإرادة. الإرادة المندفعة بلا فكر هوى، وعاطفة وانفعال، وهو أمر مدمر، والفكر بلا إرادة قادرة وحية وفاعلة موتٌ وجمودٌ.

كربلاء تعطينا الفكر وتعطينا الإرادة. ثورة الإمام الحسين عليه السلام كانت عن نظر ..عن فكر.. عن دراسة واعية ووافيه للواقع الخارجي، ولما صارت إليه الأمة، ولما عليه قوة يزيد من ناحيةٍ مادية، ولما عليه رصيد الإمام الحسين (ع) من الناحية نفسها، ولم يكن الحسين (ع) انفعاليا، وحب الحسين (ع) الشديد للإسلام لم يدفعه على غير خط الفكر، ولم يستبد بشعوره بحيث يُغيِّب قدرة تفكيره، وإنما فكر وتدبر ودرس الواقع وتأمل ووازن فوجد إما النصر المادي على فرض، وأما الشهادة الضرورية التي لا يسمح الوقت بتأخيرها فتحرك (ع)، وحين رأى وقرر لم تخنه الإرادة. الفكر التام والإرادة التامة هما مفتاح النجاح في الحركة، بلا أن يتقدم الفكر على مستوى الإرادة، وبلا أن تتخلف الإرادة عن مستوى الفكر. نحن نحتاج إلى هذا ، وكربلاء غنية وقادرة على سد هذه الحاجة ولكن أن نسد حاجاتنا من كربلاء أمرٌ يحتاج إلى وعي… إلى انفتاح فكري على كربلاء… إلى انفتاح روحي، وإلى انفتاح من النفس في كل بعد من أبعادها الإنسانية عليها،

الإنسانية التي لا تنفعل مع القرآن وكربلاء تبقى آسنة

كربلاء نسخةٌ بمستوى من المستويات من القرآن الكريم، وليس أغنى من القرآن، ولكن القرآن القادر على العطاء عطاؤه مشروط بتتلمذ واعٍ، بتتلمذ تصحبه الإرادة الجدية والعزم الأكيد والنظر المتأمل. القرآن جاء ليحيي الإنسانية بكاملها ولكن الإنسانية التي لا تحاول أن تنفعل به تبقى آسنة وتبقى متخلفة. القرآن موجود في الأرض ولم تحيى به أرض الإنسان به إلى حد الكفاية وذلك لقصور في تعامل الإنسان مع القرآن، وكربلاء موجودة فينا وهي قادرة على أن تحدث فينا النقلة التي نهواها، والتي نتطلع إليها ولكنَّ هذا الأمر مشروط بإرادتنا.. مشروط بدرجة وعينا .. مشروط بجدية إرادتنا.

كربلاء الثورية وكربلاء الانضباط

إذا كنا محتاجين إلى ثوريةٍ وثوريةٍ منضبطةٍ وليست ثوريةً مجنونة، فهي في كربلاء، في كربلاء الثورية وفي كربلاء الإنضباط؛ انضباط الكلمة وانضباط الموقف وانضباط العلاقة وانضباط التوقيت وانضباط التخطيط والانضباط في كل جنبة من الجنبات، محتاجون في حركتنا إلى وضوح هدف إلى إيمان بالقضية، ونجد هذا وذاك في كربلاء.

الحسين (ع) كان يستهدف النصر المادي والمعنوي

تقول الكلمة عن أبي الشهداء صلوات الله وسلامه عليه : (من لحق بي منكم استشهد ومن تخلف لم يبلغ مبلغ الفتح) الهدف واضح، هدفٌ أول هو النصر مع توفر أسبابه التي كان قد بذل الإمام الحسين (ع) في سبيل تجميعها كل ما يستطيع، أولُ ما كان يستهدفه الإمام الحسين (ع) ليس هو الشهادة، إنما كان أولُ ما يستهدفه هو النصر الساحق المادي والمعنوي، لأن في نصره (ع) النصر، النصر العاجل والآجل للإسلام، وفي شهادته نصر آجل للإسلام. كان المطلوب الأول لأبي عبد الله (ع) هو أن يحقق نصراً ساحقاً على جبهة يزيد، وأن يتولى إدارة شئون الأمة، لأن إدارته لشئون الأمة رحمة من الله وحياة للإسلام والمسلمين، وإنقاذ لوضع هذه الأمة ووضع دينها إنقاذا عاجلا، أما إذا لم يمكن تحقيق النصر على المستوى المادي والمعنوي فلا أقل من أن يحقق النصر على المستوى المعنوي، أو على المدى البعيد. النصر المادي للإمام الحسين (ع) يعني نصراً معنويا أيضاً، وفي ذلك تحقيق للنصر على المستوى القريب، والبعيد للإسلام، وإنقاذٌ للمسلمين، وبناءٌ للكيان الإسلامي القوي العظيم. وفيه عزته وكرامته، وفي الشهادة إنقاذ للأمة بمستوى من المستويات على المدى البعيد. وكانت مسئولية عدم تحقق النصر المادي مسئولية الأمة، ولم توجد ثلمة ولا خلل في خطط الإمام الحسين (ع) في طريقه لطلب النصر المادي على يزيد.

أقول: كان الهدف واضحاً له صلوات الله وسلامه عليه ولم يكن مرتبكاً ولا قلقاً، ولم يكن الهدف غائماً ولا ضبابية تحول بين الإمام الحسين (ع) وبين رؤيته، فكان المرئيُّ له (ع) أن يطلب النصر العاجل والآجل، وكان يقدر أن الأسباب ليست كافية لكن هذا لا يعفيه عن أن يطلب الأسباب بالصورة الجدية الكافية.

لا يمكن تأخير الحركة

وكان يرى أن تأخير الحركة غير ممكن بحيث أن زمن السوء كان سباقاً جداً، بحيث لو تأخرت الحركة لما أمكن لها حين تأتي بعد حين أن تحقق ما تحققه وقتها، وأنه كان يمكن للدولة الأموية لو أعطيت الزمن الكافي أن تمحق الإسلام، وأن تنخلق أمةٌ بفكر جديد وتوجهٍ جديد وشعورٍ جديد غريب على الإسلام بالكامل. ومن وضوح الهدف ووضوح النتيجة أن كان يقول (ع) كما في الكلمة المنقولة عنه ( من لحق بي استشهد ومن تخلف لم يبلغ مبلغ الفتح) فكان يرى في الشهادة فتحاً مبيناً، وكان يرى في النتائج الإيجابية الكبيرة المترتبة على شهادته وعلى شهادة أصحابه الميامين نصراً كبيراً.

رضا الله رضانا … دروس في حب الله

نحن محتاجون إلى انشداد إلى الله، إلى تعلق بالله إلى أن نقصد بأعمالنا الكبيرة وأعمالنا الصغيرة وجه الله، من أين نتعلم هذا ؟ نستطيع أن نتعلم ذلك من كربلاء. هذه الكلمة العظيمة عن الإمام (ع): (رضا الله رضانا أهل البيت) تعطى أنّ ليس لهم رضا غير رضا الله سبحانه وتعالى، رضانا أهل البيت، أعطِ الإمام (ع) ما تعطيه من دنيا الناس لا يرضى عنك حين لا تكون المصليَ الصائمَ المجاهدَ، كن الأجنبي من الإمام (ع) ولكن الذي لا تقدم فلساً واحداً للإسلام لأنك لا تجد، وكن المصلي الصائم المجاهد، فأنت حبيب الإمام (ع) لأنك حبيب الله.

“رضا الله رضانا أهل البيت” إذا كان رضا الله في قتلنا فهذا يولد لنا رضاًَ في القتل، إذا كان رضا الله في أن نُهحَّر يولد لنا رضا بالهجرة رضىً داخلياً وأنساً نفسياً، إذا كان رضا الله في أن تخرج الخفرات المخدرات العلويات على نوقٍ هوازل على مرأىً من الأعداء فهذا المنظر المؤلم البشع الذي يهزغيرة الإنسان العادي فضلاً عن غيرة الإمام (ع) حين يكون في خدمة الدين ويكون فيه رضا الله عز وجل فهو محل لرضانا. هذا التعلق بالله.. الحب لله.. خلوص العمل لله، أمر تحتاجه حركة المؤمنين وحركة المسلمين، وكربلاء فهذه الكلمة الصادقة وأمثالها وبكل موقف من مواقف الإمام (ع) ومواقف أصحابه رجاله ونسائه تعطينا روح الرضا.. ترفع من مستوانا الروحي وتشدنا إلى الله وتلهمنا كيف نحب الله.

شعارات كربلاء الملهمة

نحتاج إلى شعارات مدروسة غير عشوائية، وغير مستعارة من خارج الفهم الإسلامي، ومن خارج الرؤية الإسلامية. وشعارات كربلاء شعارات معبرة..شعارات ملهمة.. لافتات تؤكد على الهدف، تشع بروح المنطلق، تحدد المسار، تغنى بالدروس التي كانت من أجلها كربلاء. وكربلاء من أجل التصحيح، كربلاء من أجل أن تكون المسيرة إيمانية، كربلاء من أجل إرادةٍ إيمانيةٍ قوية، كربلاء من أجل الصعود إلى الله عز وجل، كربلاء من أجل مواجهة الباطل، كربلاء من أجل تركيز الحق،يقول الشعار: (والله إن قطعتم يميني إني أحامي أبداً عن ديني وعن إمام صادق اليقين)، هذا الشعار وأمثاله شعار حي.

ماذا سنكتب من لافتات في عاشوراء، أي شعارات سنكتب ؟ الديمقراطية أسلوب نرضاه في الصراع الحاضر، وأسلوب نرضاه في التوصل إلى الحقوق، ونحن نجتنب العنف كلَّ الإجتناب ونؤكد على ذلك، ولكن هل الديمقراطية هي الإسلام والإسلام هو الديمقراطية ؟ يجب عدم الخلط، وأن الإسلام لا تقاس به ديمقراطية ولا غير ديمقراطية الإسلام أكبر من ذلك، الإسلام فيه شورى، والإسلام يقدر الشعوب، الإسلام لا يسلبك إرادتك ولكن الإسلام ليس هو الديمقراطية والديمقراطية ليست هي الإسلام. علينا أن نكون دقيقين في كتابة شعاراتنا وما نختاره من لافتات، في محرم وعلى مدار السنة.

كربلاء ودرس التنظيم ..الإنضباط .. وطاعة القيادة

في كربلاء تنظيم ونحن نحتاج إلى تنظيم، في كربلاء انضباط ونحن نحتاج إلى انضباط، في كربلاء طاعة، لا يخرج أحدهم للمقاتلة والمبارزة إلى بعد أن يستأذن الإمام (ع) والكيانات الإجتماعية لا يمكن أن تقوى أن تنهض أن تستمر أن تتقدم من غير انضباط ومن غير طاعة للقيادة وليست كل قيادة، قيادة المعصوم (ع) وما يكون شعاعاً لتلك القيادة. فكرياً تقول الكلمة عن الحسين (ع): (ومقالة جُلِّكم- وهو يخاطب أهل الكوفة- أنه ليس علينا إمام فأقبل لعلَّ الله أن يجمعنا بك على الحق والهدى) ليس المطلوبُ أيَّ إمام، ليس المطلوبُ أيَّ قيادة، حتى القيادة التي تحقق لنا مكاسب مادية آنية وهي تريد لنا أن نسلك طريقاً آخر غير خط الحق ليست قيادتنا،( لعل الله أن يجمعنا بك على الحق) فنحن دائماً نتطلع إلى القيادة ونبحث عن القيادة ونلتف بالقيادة ولكن أي قيادة ؟ التي نتوقع فيها أن تجمعنا على درجة من الهدى والحق، إن لم تجمعنا على الهدى والحق على الإطلاق، فلا أقل أن تجمعنا على الهدى والحق بأكبر ما يمكن، ففي عصر الغيبة القيادة التي تجمع الناس على الحق والهدى بأكبر ما يمكن هي قيادة الفقهاء العدول الورعين وليست قيادة الجاهل ولا قيادة الفاسق، وفي زمن حضور المعصوم (ع) هناك قيادة تجمع على الهدى والحق على الإطلاق بشكل مطلق فتتعين.

مقاييس الإمام (ع) للقيادة

ويقول في الكلمة الأخرى (ع) : ( فلعمري مالإمام إلا الحاكم بالكتاب) هذه مقاييس الإمام ومقاييس القيادة، فمرة أحصل على من يعمل بالكتاب بشكل دقيق كامل، وهذا في زمن حضور الإمام المعصوم (ع) ومرة يكون من يعمل بالكتاب بقدر علمه وهو أعلم من يعلم في الحاضرين بالكتاب فيكون هو إمامي ( فلعمري مالإمام إلا الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحق، الحابس نفسه على ذلك لله تبارك وتعالى) تحدثت بعض الشيء وبصورة موجزة عن فعل وعطاء طرف كربلاء… وطرف عاشوراء.

ماذا نعطي كربلاء ؟

ولكن ماذا نملك نحن أن نعطي كربلاء حتى نطلق على العملية بأنها عملية تعاطي؟ واضح أن الأمة تعيش حالة من الخلل الكبير في الواقع وتعيش حالة قدرات معطلة وهي تحتاج إلى كربلاء ولكن ما حاجة كربلاء إليها ؟ الثورات الكبرى التي تنعطف بالتاريخ كانعطافة كربلاء لا تمثل محطات تموينية لجيلٍ أو جيلين، ولا تتكرر هذه الثورات حتى على رأس كل قرن. مضت قرون من كربلاء إلى الآن وكانت ثورات بعد كربلاء، لكن ثورة بتأثير كربلاء، وبحجم كربلاء، وبالرموز الكربلائية وعلى رأسها الإمام المعصوم (ع) لم تحدث.

ولكن لو كانت كربلاء بلا إعلام وكانت كربلاء بلا مجالس إحياء، وبلا مواكب، وبلا علماء وفقهاء نزلوا إلى لساحة وأعطوا اهتماما بالقضية، وشاركوا في إيصال صوتها للملاين، هل كانت كربلاء ستعطي كل هذا العطاء ؟ طبعاً لا ، كربلاء محتاجة لنا في أن نستقبل منها، في أن نحمل رايتها، في أن ننطق برسالتها، في أن ننفعل بدروسها هذه حاجة كربلاء، وحاجة كربلاء لنا هي بالضبط حاجتنا إليها، أهل كربلاء في ثوابهم ليسوا محتاجين لنا، أهل كربلاء في أدائهم لرسالتهم ليسوا محتاجين لنا، نحن محتاجون إلى الإمام الحسين محتاجون إلى الطفل الرضيع محتاجون إلى علي الأكبر إلى زينب و الفاطميات الأخريات هذه الحاجة تفرض علينا أن نحمل راية كربلاء وأن ننطق بلسان كربلاء وأن نعيش رسالة كربلاء وأن نعيش لها وفي هذا تفعيل لكربلاء واستمرار لعطائها.

كربلاء الثورة الأم وثورة الإمام الخميني الثورة الشعاع

حدثت ثورات بعد كربلاء وآخر ثورة هي ثورة الإمام الخميني أعلى الله مقامه وهي كثيرة العطاء، وفيرة الخير، غنية بالبركات ولكنها فيما عبرت عنه في بحث “ثورةٌ أمٌ وثورةٌ شعاع” ثورة الإمام الخميني ثورة شعاع، وثورة الإمام الحسين هي الثورة الأم. هذه الثورة بقدرتها الهائلة على العطاء والتي برهنت على ذلك من خلال استقاء وتغذي أربعة عشر قرناً تقريباً، وراء هذا الحس الإسلامي الواضح عندكم كشريحة من شرائح الأمة واسعة، والحب الإلهي، والروح الفدائية، الاستعداد للعطاء الذي تعيشونه، كانت كربلاء وراء ثورة الإمام الخميني ووراء الثورات القريبة التي تلتها ووراء انتصار جنوب لبنان وحزب الله ووراء هذا الشعور الكريم اللاهب والذوبان في الإسلام والحضور الفدائي في انتخابات العراق، وراء روح العزة والكرامة التي بدت تسري في الأمة. كربلاء تشارك القرآن الكريم والسنة المطهرة في إحياء الأمة لكل هذا المدى الزمني الطويل.