كلمة آية الله قاسم في مدينة حمد 4 محرم 1430هـ

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين والطاهرين واللعن على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

الحديث في الشهادة والتضحية بما قام عليه الإسلام، هو نزيف غزير من دماء المسلمين الأوائل، وسيف علي عليه السلام، يعني أعطى المسلمون دم غزيراً الإسلام مما تغدت به، هو الدم الطاهر للمسلمين .

والشهادة في سبيل الله تبقى ضرورية طول الزمن للإقامة العدل وتثبيت الحق، والقضاء على عبادة الطاغوت, وتركيز على عبادة الله سبحانه وتعالى، ذلك لان الشر دائما في مقاومة مع الخير. والشيطان يجابه الله تبارك وتعالى، ولشيطان جنود فلا غنى عن الشهادة.هذا واضح جدا. فسيرة الإسلام ونصوص الإسلامية الجلية تؤكد تعليم الشهادة، وتريد بالأمة أن تتربي على تعليم الشهادة.

فالشهادة والتضحية أمر مطلوب من كونه مطلوب في الإسلام‘ هذا جلي كل الجلاء. التضحية بذل النفس، صدق عنوان الشهادة معه أو لم يصدق، طبعا ليس كل باذل نفس يصدق معه الشهادة. السارق قد يبذل نفسه في سبيل الوصول إلى السرقة، وصاحب الفاحشة قد تزهق روحه في محاولة لارتكاب الفاحشة. فليس كل باذل للنفس نسميه شهادة.

تضحية النفس له منطلقات، مرة تكون عن حالة جوع قاتل هذا لا يجد ما يأكل، ما يقوم حياته، الآخرون عندهم، ضحي بنفسه من أجل سد حاجته. وطبعا في حالات الظلم ، وفي حالات انعدام عندي ثروة، وعدم إعمال الموازين الإسلامية في توزيع الثروة، المجتمع المسلم لا يلام، بل يجب عليه أحيانا أن يصحح هذا الوضع، له ضوابطه وتقديرات موضوعية إلخ .. لكن قد يكون بذل النفس من منطلق حالة الحاجة.

طبعا حالات من هذا الإجرام قد تكون مباح، قد تكون مستحبه، قد تكون واجبة، طبعا لا نرتفع بها إلى مستوى تضحية الإمام الحسين عليه السلام مثلا، قد يكون الإنسان مطارد، خائف على حياته، فيفرض عليه أن يدفع عدو، فيسقط قتيلا في مجاهدته لهذا العدو أو هذا الإنسان. يعتبر تصرفه عقلاني جدا إذا كان مظلوم.

قد يكون بذل النفس، التضحية بالنفس منطلقه سلب حق شخصي، يمكن أن يكون عن حالة تذمر وانفعال من وضع اجتماعي عام. يمكن أن يكون بالشعور بالحرج من الآخرين، مثلا أمام الرأي العام، هذا إنسان له موقعه، له إمكاناته، يشار إليه بالبنان. في هذا الوضع الاجتماعي المعين، إذا لم يتحرك، إذا لم يضحي بنفسه، صار في حالة حرج شخص. هذا ليس من منطلقات التي تكون صحيح غير صحيح.

طبعا إذا كان منطلقه فقط الاستجابة الرأي العام، تغذيت شعور الرأي العام، وترضية الشعور العام‘فطبيعي هو مضحي من أجل الرأي العام، وليس من أجل الله تبارك وتعالى.

يمكن إن المجتمع في حالة تضرر اجتماعي واضح، تؤلم هذه النفس، هذه النفس، الضوابط الاجتماعية لا تسمح له، لكن حالة الانفعال، حالة التأجج، حالة الأسى التي تحكمه، تدفعه إلى التضحية. هذا وجه، أنا لا أريد أن أقيم الوجوه بدقه لكن أذكر عدد من الوجوه، وأين تقع الشهادة في أعلى مراتبها.

لنجد شهادة الحسين عليه السلام، شهادة الحسين من أي نوع؟ وكيف صارت من أكبر الشهادات في الإسلام؟ من أكبر حوادث الشهادة في الإسلام.

يمكن إن يكون هناك إيمان لطرح اجتماعي، أو سياسي. وقدرة هذا الطرح على إنقاذ المجتمع من حالة معينة، من ظرف آلي ضاغط ، بغض النظر عن أن هذا الطرح يوافق من الناحية الشرعية أو لا يوافق من الناحية الشرعية، يمكن يكون طرح شعار القومية في ظرف من الظروف يدفع عدد هائل من الناس فيصحح وضع آلي، يمكن طرح الشعار الشيوعي مهيئ الساحة جدا إلى أن تلتف حوله، فيمكن أن تتغلب على حالة اقتصادي معينه، على سياسية معينة،على هذا الطريق. هذا منطلق من المنطلقات.

خيار الحسين عليه السلام، أو تضحية الإمام الحسين عليه السلام، أي منطلق، الحسين عليه السلام كل هذه المنطلقات ليست منطلق له. منطلقة صلوات الله وسلامه عليه الإيمان الكامل برسالة السماء، وتحركه من منطلق الاستجابة التامة لله عز وجل، الواجب الشرعي ، لو كان الإمام الحسين عليه السلام مغلوبا لحالة انفعالية، طبعا لا يكون الشهيد الخالد، ولا يكون شهيد الإسلام وسيد الشهداء في الإسلام ، وإذا كانت الحالة حالة انفعال فقط، فهناك توقف في إطلاق عنوان الشهادة عليه، إذا لم تكن الحركة معروضة على الضوابط الإسلامية، على رضا الله سبحانه وتعالى، على ما يمليه القرآن الكريم، السنة المطهرة،هذا تصرف شخصي كما ينتحر الإنسان بنفسه -كأن يضرب نفسه بسكين- ينتحر بحالة من هذه الحالات.

فحركة الإمام الحسين عليه السلام ليست انفعالية، وإنما من وحي العقل الديني، والرؤية الدينية الصافية، وحركته عليه السلام معروضة على الضوابط الشريعة بفهمه المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، وإعطاء هذا العرض النتيجة بأن يضحي بنفسه، أن يأخذ معه عياله، أن يبذل كل بذل.

هذا من الأكيد أن الحسين عليه السلام أنه معصوم وهذا هو الحق عليه السلام، فلابد حتى من غير دراسة، فضلا عن الدراسة الداخلية لحركته وكلماته لابد أن يكون منطلق الإمام الحسين عليه السلام هو أنه منطلق إلهي خالص صاف؛ ولذلك عتب عليه من عتب، لم يلتفت إلى عتابهم، يعرف أنه سيموت، سيقتل، صلوات الله وسلامه عليه، سيستشهد، إلا أن رؤيته الدينية كانت تحتم عليه أن ينطلق بالشهادة بقدم ثابت، وبإرادة محضة.

الحسين عليه السلام نعرف من هذا أنه لم يكن خياره إما البيعة وإما الثورة! الثورة التي تكلف دمه، وتحمله تضحية بأهله وولده، ويحمل معه نساء ليكن سبايا، وهو صاحب الغيرة الكبرى صلوات الله وسلامه عليه.

مرة يكون الإمام الحسين عليه السلام الطرق أمامه مسدودة، إما أن يقبل البيعة بذله، ونفسه أبيه، وإما أن يثور فيموت عن عز، قدم الموت عن عز، على الحياة على الذل -هذا صحيح- لكن ليس هذا المنطلق، وهو صحيح وشرعي ويرتكبه الإمام الحسين عليه السلام، لكن ما كان محصورا في هذان الخيارين، حتى نقول بان الحسين عليه السلام، إنما قتل لأنه أراد أن يقدم الحياة عن عز على الموت في ذل، القضية شرعية وصحيحة، ومطلوبة، أن نقدم الموت في عز على الحياة في ذل، هذا بلا أدنى إشكال. هل كان الإمام الحسين عليه السلام في الظرف الذي لا يعطيه خيار ثالثا؟ ويستطيع أن يعيش بلا ذلة ولا يدخل في بيعة يزيد ولا يضحي بنفسه، موجود هذا الخيار أم ليس موجود؟ موجود وأشار به عليه محمد بن الحنفية وهو يعرفه، وأنه يذهب عند الشيعة في اليمن و شيعة اليمن يحتضنونه، ولا يحمل راية المواجه. لكن يستطيع يبلغ، يستطيع أن يفتح مدرسة، يستطيع أن ينشر الوعي الشيعي.

فلماذا أختار الشهادة؟اختار الشهادة لا لأنه لا يستطيع أن يعيش في عز، و إنه إذا أراد أن يعيش لا بد من الذلة، لا لأن الإسلام لا يمكن إنقاذه إلا بحركة الإمام الحسين عليه السلام، وصل الإسلام إلى حالة من الخطر بحيث لم تبقى فرصة أمام الحسين عليه السلام للإنقاذ الإسلام، ما عنده فرصة ويتحتم عليه أن يضحي بنفسه من أجل إنقاذ الإسلام العظيم. والحسين الغالي عليه السلام طبعا يهون عليه أن يقدم روحه فداء للإسلام.

كانت الانحراف الذي يهدد الإسلام، هو انحراف جذري. أخطر انحراف أن تغير المفاهيم الإسلامية، أن تقلب الرؤية الإسلامية، أن يتحول المنكر معروفا والمعروف منكرا، أن يحل البديل محل الإطروحه والنظرية والمبدأ الإسلامي، هذا يقوض الإسلام من الأصل، مرة نؤمن بالإسلام ونؤمن بالحل الإسلامي ونؤمن بالرؤية الإسلامية، لكن نفوسنا ضعيفة، ما نتحمل التكاليف الإسلامية بثقلها الثقيل، فتصير عندنا تقصيرات. افرض مثلا مرة المجتمع الإسلامي كله يجمع على إنكار الصلاة، ومرة لا يصلي يؤمن بالصلاة وفي إرادته خور. التربية المادية أسقطت إرادته بحيث لا يؤدي الصلاة إلا القليل من المسلمين. أن يدركون الخطأ، ويقدرون الإسلام قيمته، ويقولون الإسلام حق، والصلاة حق، إلى آخره. لكن هناك شلل في الإرادة، خور في الإرادة يحتاج إلى علاج ومرة في حالة إنكار، أو بدل الصلاة يأتي بالرقص كان على يد يزيد ماذا كان يريد؟ كان يريد أن يحل بديل عن الإسلام، بديل فكري، بديل سلوكي، بديل على كل المستويات. ليس في المستوى السياسي فقط.

هذه الحالة من الحالات كانت تستوجب الإمام الحسين عليه السلام يبدل دمه الشريف من أجل إنقاذ الإسلام. والذي يقدر والله العالم، أنه ما كان يمكن للإمام الحسين عليه السلام أن يعطي فرصة لو كان التعليم طبعا في اليمن سينكث، لو كان هجرة الحسين عليه السلام إلى اليمن وممارسته التعليم والتبليغ أمام زمن يمكن أن يصحح الوضع في عشر سنوات مثلا، حركة الإمام الحسين التبليغية تغير الوضع وتعدل به عن خط المنحرف إلى الخط الإسلامي، ما في داعي إلى أن يضحي بنفسه وبأهله صلوات الله وسلامه عليه.

ربما كان في هذا الفرض عنده صبر على الانتظار، لكن إذا كان أمر التضحية فورية أحيانا أمر التضحية فورية. يعني التصحيح التي سيأتي بعد الانحراف قد فاته الزمن، ما تبقى فرصة للتصحيح. هنا طبعا بشكل واضح يتوجب التضحية بكل غال ورخيص في هذه الحالة. ما كان الخيارات هكذا الاعتزال و الانكفاء على الذات. أما أن يعتزل و ينكفئ على الذات ويتعطل دوره نهائيا هذا حالة، ثانية البيعة، الثالث الموت في عز. لا ليس هذه الخيارات الثلاثة محصور بعد في خيار رابع وهو خيار النشاط ألتبليغي وبقاء الحسين عليه السلام اسما مشرقا في عالم الإسلام، وله قيمته ومقدر وموقر وما إلى ذلك.

ولكن من جهة أخرى الإسلام يموت وينتهي، هذه الحالة التي كانت أمام الإمام الحسين عليه السلام فما كان صلوات الله وسلامه عليه بفهمه المعصوم وإيمانه الكامل ليقبل أن يعيش حتى في حالة عز وأداء دور ديني فاعل أيضا، والإسلام يموت من جهة أخرى طبعا ما كان يقبل الإسلام أن يفعل ذلك.

الشهادة، نرجع إلى الشهادة. عندنا تضحية وعندنا شهادة، التضحية تكون في أكثر مورد التضحية و يكون الإنسان في منزلة شهيد أيضا، ” من دافع عن عرضه فهو شهيد “، من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر طبقا للقواعد الشرعية وسقط شهيدا فهو أيضا في حكم الشهيد، وهو مثاب جدا فليس معنى ذلك أن الإقدام على التضحية والقتل منحصر في الحالة التي كانت أمام الحسين عليه السلام.

يوم يبقى واجب المعروف والنهي عن المنكر وتصحيح الوضع الإسلامي و الدفاع عن الحقوق، كل ذلك مطلوب وضمن القواعد والضوابط الشرعية. ومن سقط قتيلا تحت راية الإسلام فهو بمنزلة الشهيد، بل يرتفع بعضهم به إلى كونهم شهيد في التعامل من عدم التغسيل وأن يكفن في ثيابه وما إلى ذلك.

لكن مشروط أن كل ذلك ضمن الضوابط والأحكام الشرعية. فتبقى هذه الأمة، أمة الفداء، وأمة التضحية،وأمة الشهادة،وهذا الذي يحدث في غزة الآن مثلا،قلنا بان سدينا باب الشهادة، وسدينا باب التضحية، معناه نقبل بالاستيلاء على غزة، الاستيلاء على أي بلد إسلامي، نقبل بتقويض الإسلام إلى آخره.

لا الإنسان المسلم مسئول أن يعد نفسه دائما أن يكون مقبول بالتضحية، مقبول بالشهادة ومسئول كذلك أن تكون الخطوة الصغيرة منه والكبيرة دائما في ظل مراجعة الحكم الشرعي وحالة الانضباط الديني.

وغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته