آية الله قاسم يدعو إلى تأسيس حوزة خليجيّة قويّة وموحّدة

الحفل التّأبيني بمرور 30 عامًا على وفاة الشيخ باقر العصفور
آية الله قاسم يدعو إلى تأسيس حوزة خليجيّة قويّة وموحّدة

المنامة – المؤسّسات والهيئات الأهليّة في العاصمة
دعا آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم إلى تأسيس حوزة خليجيّة كبرى وموحّدة؛ لتخريج طلبة علوم دينيّة على مستوى عالٍ من الكفاءة الفقهيّة، والاجتماعيّة، والسياسيّة.
وأشار قاسم في حديثه حول العلماء والأمّة إلى أنّ: “البحرين تحتاج إلى حوزة قويّة بدلاً من الحوزات المتفرِّقة، وإذا كان تحقيق هذا الطرح صعبًا على مستوى البحرين، فلتكن حوزة خليجيّة فيها علماء وطلاب من المنطقة، وهذه الحوزة القويّة ستتعاون بلا شكّ مع الحوزات الأخرى في العالم الإسلاميّ”.
وكان قاسم قد ألقى كلمة في الحفل التّأبيني الذي أقامته المؤسّسات الأهليّة لمنطقة المنامة بمناسبة مرور ثلاثين عامًا على رحيل العلامة الشيخ باقر العصفور بحضور نخبة كبيرة من كبار علماء البحرين في مسجد مؤمن بالمنامة، وعدد من الشّخصيّات الاجتماعيّة.

• الدّفع بعجلة العلم
من جهة أخرى تحدّث الشيخ عيسى قاسم عن معرفته بالشيخ باقر العصفور قائلاً: “إنّ أوّل ما التقيت فقهيًّا – حينما كنت شابًّا ولم سكن لي معرفة بالفقه كان – بكتاب السداد”، ثم التقيت كتاب أحسن الحديث” للمرحوم الشيخ باقر العصفور، وكنت آنس له، ولم يخلُ الأمر من أنْ أخلوَ به خارج القرية قبل الغروب عند عين أم السّجور، ومن هناك تبيّنت لي أهمية الفقه في الحياة، وكنت أحاول أنْ أسبح في جوٍّ حيث لم يكن التّواصل مع العلماء ميسورًا، ثم كان لي سؤال مكتوب للشيخ تلقّيت جوابًا بالمراسلة”.
وأضاف: “بعد أنْ التحقت بكلية الفقه في النّجف الأشرف، وفي عودةٍ للبحرين أثناء الدّراسة زرت الشيخ ووجدته رجلاً وقورًا متواضعًا، ومن تواضعه أنّه كان يتنزّل بمستواه أمام شاب صغير، لكون الدّراسة الحديثة تتوفّر على علوم لم تتوفّر عليها الدّراسة في القديم، وكان يدفع إلى العلم، ويعطي الثّقة لمخاطبه؛ من أجل الإصرار على الوصول إلى شيء، كان هذا هو اللّقاء الذي رسم في نفسي معالم من شخصيّة الرّجل”.

• شجاعته الأمر بالمعروف
وأشار قاسم إلى أنّ “الشيخ باقر العصفور كانت له شجاعة تذكر في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ومواجهة الظّواهر الشّاذّة الخارجة عن الشريعة، وكان صوتًا عاليًا في أكثر من محطّة في هذا الاتجاه، ويحصل لك الاطمئنان التّام بأنّه كان محورًا رئيسًا من محاور حفظ الوضع الدّينيّ في البلد، وكان واحدًا من كبار العلماء هنا في رعاية الدّين”.

• العصفور منارة علم وإشعاع
وألقى عضو مجلس إدارة جمعيّة العاصمة للثّقافة الإسلامية المهندس أحمد السروّ كلمة المؤسّسات الأهليّة لمنطقة المنامة، وقال السروّ: “نلتقي بكم اللّيلة؛ من أجل تخليد ذكرى عالمٍ من علماء البحرين – التي كانت على الدّوام منارة علمٍ وإشعاع -، وحاضرةٍ من حواضر المعرفة الإسلاميّة والإنسانيّة”.
وأشار السروّ إلى “أنّ مرور ثلاثين عامًا على وفاة سماحة العلامة الشيخ باقر العصفور هي ذكرى طيّبة؛ لإعادة الوهج ليس لصاحب هذه الذّكرى الذي كان في صدارة مواقع المسؤوليّة المختلفة فحسب، وإنّما لإحياء ذكرى علماء هذا الوطن على مرّ السنين، الذين جعلوا من البحرين قِبلةً للتّوحيد والإيمان”.
وكشف عن مبادرة لتأسيس مركز متخصّص؛ لحفظ آثار تراث علماء البحرين قائلا: “لا شكّ أنّكم تشاركوننا الرّأي بوجود حاجةٍ ماسّة لعمل مكثّف متكاتف لتكريس الجهود؛ من أجل إنشاء مركز متخصّص يحفظ المأثورات العلميّة لعلماء البحرين، والذين أثروا وطننا وأمّتنا بعطاءاتهم، ونتمنى أنْ يوفّقنا الله تعالى لزرع بذور هذا المشروع التنويريّ بالغ الأهمية”.

• الإسهامات العلميّة لعلماء البحرين
وبدوره تطرّق الباحث التّاريخيّ الدكتور سالم النويدريّ إلى الحالة العلميّة للعلماء قائلاً: “هناك العديد من إسهامات علماء البحرين على مرّ العصور في العلوم والمعارف الإسلاميّة، والإنسانيّة، كإسهاماتهم الجليّة في الفقه، والعلوم العقليّة، والشّعر، وعلوم العربية”، ودعا إلى إلى” معرفة متأصّلة في هذا التّراث العلميّ الضّخم الذي يحمّلنا أمانة حفظه من الاندثار”.

• مركز حفظ التّراث العلمائيّ
إلى ذلك ألقى الشيخ ناصر العصفور كلمة نيابة عن عائلة الفقيد مثنيًا على مقترح تأسيس مركز متخصِّص لحفظ تراث علماء البحرين، واعتبر أنّ هذا المشروع الطموح يجب أنْ تتكاتف كلّ الجهود لانجازه نظرًا لأهميته البالغة في حفظ المأثورات العلميّة، والكنوز المعرفيّة لعلماء هذا البلد، فضلاً عن توفير الأجواء المناسبة والبيئة المهيَّأة لمزيد من الإبداع، مضيفاً:”على الرّغم ممّا حقّقه العلماء السّابقون من اجتهاد علميّ ومعرفيّ إلا أنّه لو كانوا يمتلكون العوامل المساعدة المتوافرة في هذا العصر لزادت حصيلة إبداعاتهم، لذلك فإنّ ذلك يلقي علينا مسؤولية كبيرة جدًّا”.

• مراحل من حياة الفقيد العصفور
وتضمّن الحفل عددًا من الأنشطة المصاحبة، وهي: معرض لمخطوطات ومؤلّفات الشيخ باقر العصفور، ومعرضًا فنّيًّا أقامته جمعيّة المرسم الحسينيّ، كما وقد عُرض كتاب (العقد الزّاهر) لمؤلفه محمود طرادة، والذي يتناول مراحل من حياة المرحوم الشيخ باقر العصفور.
وينحدر الشيخ باقر العصفور من أسرة علميّة معروفة في تاريخ البحرين والمنطقة، وكان يعدّ من أحد أبرز علماء عصره في البحرين، كما تولى الشيخ باقر العصفور القضاء الشّرعيّ، إذ عُيِّن الشيخ باقر قاضيًا رسميًّا في إبريل 1936م، وعيّن لاحقًا رئيسًا للمحكمة الكبرى، وعُيِّن مميِّزا (رئيس محكمة الاستئناف) في 1968م.
وتوفّي الشيخ باقر العصفور في العام 1979م تاركًا عددًا من المأثورات الفقهيّة والأدبيّة.
يذكر أنّ الجهات المنظِّمة للحفل التّأبيني هي: “صندوق المنامة الخيري (مركز المنامة الإعلاميّ)، جمعيّة العاصمة للثّقافة الإسلاميّة، جمعيّة المرسم الحسينيّ، جمعية سيّد الشّهداء الخيريّة الثّقافيّة.

نصّ كلمة سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم

أعوذ بالله السّميع العليم من الشّيطان الغويّ الرّجيم
بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد وآله الطّّيِّبين الطّاهرين واللّعن على أعدائهم إلى قيام يوم الدّين.

• المرء لا يكبر في كلمته على معرفته
لا يستطيع المرء أنْ يكبر في كلمته على معرفته، ولذلك فإنّني لا أستطيع أنْ أفِي الشيخ المرحوم حقّه لقلّة معرفتي به، ما كنت على مقربة من شخصيّته الكريمة لفارق السنّ والمستوى، وعدم اعتيادي التّمازج فيما كان بين الشّباب والعلماء، وللبعد النّسبيّ للمكان، حسب ما كانت عليه طبيعة المواصلات بالأمس.

• الدّفع بعجلة العِلم
إنّ أوّل ما التقيت فقهيًّا – حينما كنت شابًّا ولم يكن لي معرفة بالفقه كان – بكتاب السداد”، ثم التقيت كتاب أحسن الحديث” للمرحوم الشيخ باقر العصفور، وكنت آنس له، ولم يخلُ الأمر من أنْ أخلوَ به خارج القرية قبل الغروب عند عين أم السّجور، ومن هناك تبيّنت لي أهمية الفقه في الحياة، وكنت أحاول أنْ أسبح في جوٍّ حيث لم يكن التّواصل مع العلماء ميسورًا، ثم كان لي سؤال مكتوب للشيخ تلقّيت جوابًا بالمراسلة.
بعد أنْ التحقت بكلية الفقه في النّجف الأشرف، وفي عودةٍ للبحرين أثناء الدّراسة زرت الشيخ ووجدته رجلاً وقورًا متواضعًا، ومن تواضعه أنّه كان يتنزّل بمستواه أمام شاب صغير، لكون الدّراسة الحديثة تتوفّر على علوم لم تتوفّر عليها الدّراسة في القديم، وكان يدفع إلى العلم، ويعطي الثّقة لمخاطبه؛ من أجل الإصرار على الوصول إلى شيء، كان هذا هو اللّقاء الذي رسم في نفسي معالم من شخصيّة الرّجل.

• شجاعته في الأمر بالمعروف
الشيخ باقر العصفور كانت له شجاعة تذكر في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ومواجهة الظّواهر الشّاذّة الخارجة عن الشريعة، وكان صوتًا عاليًا في أكثر من محطّة في هذا الاتجاه، ويحصل لك الاطمئنان التّام بأنّه كان محورًا رئيسًا من محاور حفظ الوضع الدّينيّ في البلد، وكان واحدًا من كبار العلماء هنا في رعاية الدّين.

• الرّجل بعطائه العلميّ
أما مستواه العلميّ، فقد ترك لأهل الاختصاص أنْ يتعرّفوا عليه من خلال ما خلّف من كتب، ومقالات في المجالات التي تحدّث أو كتب فيها.
نحن نتحدّث عن أوزان بعضنا البعض، وميزاننا في التّقييم غير منضبط؛ لأنّنا بشر، نزن فتختلف أوزاننا في الشخص الواحد بخلاف أفكارنا.
ويبقى الإنسان دائمًا في الوزن، وكثيرًا ما يبخس النّاس في الوزن الماديّ، أمّا في الوزن المعنويّ، فهو وإنْ حاول أنْ يخلص إلا أنّه في الأكثر يقع في الخطأ، أمّا الوزن الحقّ، فهو عند الله تبارك وتعالى.

• نجاة الإنسان بالميزان الحقّ
ثم إنّ وزن بعضنا لبعض لن يجدي يوم القيامة شيئًا، فقد يكشف عن حسن ظاهر، ويؤدِّي وزننا هنا إذا كان يطلب الحقّ شهادة للشخص، ولكن ما يُنجيني وينجيك إنّما هو الوزن الرّاجح عند الله تبارك وتعالى.
فإذا وزنا أحدنا بعد موت، فإنّما يأتي هذا الوزن إذا كان يميل إلى التّرجيح للعظِة، والعِبرة، والاقتداء، ولو كانت شهادات البشر كافية، لكان الملوك والرّؤساء وعظماء المال هم الأرجح يوم القيامة، لأنّ أولئك كثيرًا ما يملكون من خلال المال، ومن خلال القوّة أنْ يتوفّر على شهادات الكثيرين بالعظمة وحتّى بالتّقوى إذا ما احتاجوا إلى مثل هذه الشّهادة، ولو كانوا من غير أهلها!!

• شتّان بين رحيلين
فهناك شخص تودِّعه الحياة والدّنيا ممتلئة خلفه بشهادة التّزكية له، وهناك من تودِّعه الحياة ولعنات الأحياء تلاحقه، ولا شكّ أن الذّوق الإيمانيّ، والفكر الإيمانيّ، والرّوح الإيمانيّة في أدائها للشهادة، وللزكاة لشخص ما تُعطي انعكاسًا عمّا هي تلك الشخصيّة.

• الكلام على قدر المعرفة
أسمحوا لي أنْ لا أغرق في المدح، وأنْ يكون كلامي على قدر معرفتي؛ لأنّ هذا هو ما يجب أنْ نتعلّمه من الإسلام، وعلى صاحب المعرفة أنْ ينطق بما عرف، فإذا كانت له معرفة عريضة بالشّخصيّة، فيجب إظهار شأن الشّخصيّة، وأتذكر عن كلمة قرأتها من بعيد للعلامة الحجّة الفقيه شيخنا الشيخ حسين (رحمه الله، وأجزل ثوابه): “إنْ مَن علم بشهادة مؤمن – على الأقل- كان ينبغي له أنْ يذكر عدالته، وفي هذا مصالح المؤمنين”.

• الإسلام والعلماء والأمّة
عندما نأتي للإسلام نجده أعظم دين، وهو بمستواه لا يرقى إليه مستوى أيّ مبدأ من المبادئ، فالإسلام في نفسه وهو من الله تعالى لا ثلمة فيه، ولا يمكن أنْ يلحقه عيب إلا إذا ألحقت به عنديات الإنسان القاصر وهواه الذي يشطّ به كثيرًا عن الصراط، أمّا الدّين وهو من عند الله، فيبقى معصومًا في كلّ جزئيّة من جزئيّاته، وعلى أي مستوى من المستويات، هذا هو الدّين.
الإسلام لا يلحقه لاحق، ويمكن أنْ يجارى، هذا هو الإسلام في نفسه، أمّا الإسلام في الواقع العملي في حياة النّاس، في حركته في الحياة، فيما يبنيّه، فيما ينجزه، فيما يصلحه من أوضاع، فهو مربوط بمستوى قادته وعلمائه.

• شتّان بين إسلامَيْن!
فإسلام قدوته (يزيد) هو غير إسلام، أمّا إذا كان قدوته (الحسين عليه السلام)، فهو الإسلام، إمامة (يزيد) تعطي مستوى من الإسلام، إمامة (الحسين عليه السلام) تُعطي مستوى من الإسلام، وهما مستويان بينهما بعد ما بين السماء والأرض.
الإسلام الذي يريد أنْ يتحدّث عنه (يزيد) وباسمه هو ذلك الإسلام العظيم، أما الإسلام الذي يتحقّق على يد (يزيد) فهو إسلام مشوّه، منسوخ، يأخذ وزنه وحجمه من وزن وحجم شخصيّة (يزيد)؛ لذلك حرص الإسلام على أنْ يكون الإمام الذي يتحدّث باسمه هو من مستواه؛ ليرى الناس الإسلام على صورته الحقّة.
إمام الإسلام في درجته في الأصل هو النّبيّ (صلّى الله عليه وآله)، هم أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، إمام يساوي القرآن، يرتفع مستواه إلى مستوى القرآن، خُطاه على طريق القرآن، ليس شيء من شخصيّته على مفارقة ولو بسيطة عن القرآن، هذا هو الإسلام الذي يتهافت عليه الناس، وتهوى إليه الأفئدة، ويقوم المنارة في الأرض؛ ليفضح هزل وزيف كلّ المبادئ الأخرى المضادة، والتي تسقط أمام ما يبنيه من نظام كلّ أنظمة الأرض من غير حرب، فلو قام النّموذج الإسلاميّ على الأرض ببناء من يدي الحسين (عليه السلام)، أو الإمام القائم (عَجَّلَ الله فَرَجَه)، فإنّ السيف في الغالب لن تحتاج إليه الدّولة، إلا لقلوب مرضى لا يرجى لها الشفاء، وتمتلك شيء من القدرة على المشاغبة التي تضل النّاس.
فمِن مستوى الإمام في الأصل، ثم مِن مستوى الفقهاء، ومِن مستوى العلماء يأخذ الإسلام حجمه في الواقع، ويبقى في نفسه ذلك الكبير المحلق الذي لا تمسّه يد الشّيطان.
إنّ الإسلام المتحرّك في الأرض الذي يبني ويهدم، يصلح ويعادي، يحارب ويسالم، فهم إسلام من حجم الوجود العلمائيّ في كلّ العصور.
والأمّة في دينها هي في الغالب من خلف مستوى علمائها، ولو هانت على العلماء أنفسهم فباعوها رخيصة هانوا على النّاس.
النتيجة الثّانية بعد هوان العلماء على الناس أنْ يهون على النّاس دينهم، فما أثقل مسؤوليّة العلماء، وما أصعب موقفهم بين يدي الله تعالى، ولقد قالوا: خطيئة في العالِم خطيئة العالَم، أعاذنا الله سبحانه من أنْ تهون علينا أنفسنا وديننا.

• إذا أُسقط العلماءُ
ولو أُسقط العلماء ظلمًا عن أيّ طريق، ولو كان طريق الإعلام الكاذب الزّائف لسقط الدّين في عين النّاس كذلك، يوم أنْ تحطّ سمعة العالم في أوساط المسلمين وتسوء، ويراه الناس من أهل الدنيا – أي من طلابها – ولو ظلمًا، ولو بنظرة خاطئة، فإنّ هذا يسقط دين الله تعالى في النّفوس، فبعد سقوط الرّمز، وضعف الرّمز، وكذب الرّمز المرموز إليه وهو الدّين، يسيئهم ذلك الكثير في نفوس النّاس، وأنتم ترون حرص الكفر، وأتباع الكفر على هزّ الثّقة بالعلماء والفقهاء بقوة عاتية في نفوس أبناء الأمّة، والمستهدف هو أنْ تسقط الثّقة في الدّين؛ لأنّه يأتي في النّفس أنّ الدّين الذي لا يقوَّم دعاته ومبلغيه، ولا يستطيع أنْ يخلق منهم الشّخصيّة الإنسانيّة الصامدة أمام الإغراءات، وأمام التّحدِّيات هو دين كاذب، فكذبي، ضعفي، وهني، بيعي لنفسي وديني بعد أنْ لبست العمامة يأتي في نفوس الكثيرين أنّ الدّين يُباع للدنيا، فكم يضرب أحدنا دين الله تعالى، لاتخاذه شعار الدّين، ثم خيانته؟!

• لا دين بلا علماء
والأمر الآخر هو لا عيش للدّين بلا علماء من صنعه فكرًا، ونفسًا، ورؤية، وهدفًا، ومشاعرًا.
أخذت الدّين، أخذت الرّأسماليّة، أو أخذت الشيوعيّة، أو أخذت البوذيّة، أو أخذت أيّ مبدأ، فلا يمكن أنْ يقوم ويستمر على كواهل عامّة الناس؛ ولذا ولضمان الإسلام وبقائه جاء قادته (عليهم السلام) معصومين في حكمة الله تبارك وتعالى، وجاءت الوصيّة مشدّدة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ومن أئمّة الهدى (صلواته وسلامه عليهم أجمعين) على أنْ تستمسك الأمّة بعد الأئمّة (عليهم السلام) في غيبتهم بمَن هم أقرب إليهم، نموذجيّة في الإسلام، مَن هم؟
هم الفقهاء العدول الورعون الأتقياء الذين يقرب أنْ يستحيل عليهم في العادة للعقل أنْ يبيعوا موقفًا دينيًّا واحدًا بالدنيا كلّها، وليس بحامل أيّ راية باسم الإسلام، ولا بكلّ مَن تسمّى باسم الفقيه، وأكبر الفقهاء بلا عدالة ولا تقوى، لا يساوي فلسًا في هذا المقام!
ومن الصعب جدًّا أنْ تسبق الأمّة كلّ علمائها في وعي الدّين والتزامه، والتخلّق بخلقه.
لا بقاء للدّين، ولأيّ مبدأ بلا علماء، يذوب الدّين، وينتهي المبدأ، وتتبخر الأطروحة.
وإذا بقي شيئ من ذلك تبقى خرافات، وتبقى عادات دخيلة من الجاهليّات، وإذا بقيت أمّة كان لها دين ولكن فصلها عن علماء الدّين فاصل زمني طويل.
أمّتنا هذه تنتهي في عشر سنوات – ربّما- خاصّة في هذا الزّمن الذي تتركّز فيه الدّعاية ضدّ الدّين، ينتهي في الدّين لو توقّف المدد العلمائيّ، لو توقّف تناسل العلمائيّة، لو انفصلت الأمّة لعشر سنوات عن العلماء، لكانت أمّة ثانية.
فكلما أنحطّ مستوى العلماء في أيّ بعد من الأبعاد، علمًا أو تقوى، أو خبرة وكفاءة كلّما انحطّت الأمّة في أمر دينها، وما انحطّ أمر الدّين إلا وانحطّ أمر الدّنيا، فلو وعينا ما انحطّ أمر الدّين إلا وانحط واضطرب أمر الدنيا، فلا دين ولا دني بلا علماء حقيقيين.