كلمة آية الله قاسم في تأبين السيد الإمام الخميني (قده) 2009م

أعوذ بالله السّميع العليم من الشّيطان الغويّ الرّجيم، بسم الله الرّحمن الرّحيم، الحمد لله ربِّ العالمين و الصّلاة و السّلام على سيّدنا محمّدٍ و آله الطّيبين الطّاهرين

كلُّ معركةٍ لها إعداد، و كلُّ نصرٍ له ثمن، و لا يدخلُ المعركةَ بلا إعداد إلا مَن لا يُريد حلّ الصّراع. و مَن طلب النّصر الكبير من غير أن يكونَ إعداده بمستوى مطلوبه، فهو مقصّر.

كان النّصرُ المطلوب للسّيّد الإمام (أعلى الله مقامه) نصراً كبيراً و شاملاً، و كانت المعركة التي أَخَذَ على نفسه أن يخوضها معركةً ضاريةً حامية، فكان عليه أن يُعِدَّ كثيراً، و قد بدأ طريق الجهاد شابّاً، و ما كان طموحهُ لينتهيَ عند نصرٍ في حياته، و ما كان النّصرُ الكبير الذي حقّقه الله تبارك و تعالى على يديه –فيما يفهم من بعض الكلمات المنسوبة له- مأمولاً له. و إنّما كان يرى أنّ من الواجب، بما وهبه الله عزّ و جلّ من كفاءات، أن يضعَ قدمه و قدم الأمّة على طريق النّصر. سواءً كانت المعجزة بأن تحقّق تحقّقَ النّصر في حياته، أو كان تحقيق النّصر من بعد أمدٍ طويل. لا بدَّ من تفاؤل، و لكنّ الدّافع للجهاد ليس حالةً عابرةً من التّفاؤل. السّعيُ على طريق الجهاد و طلب النّصر للإسلام، لإنقاذ الإنسان، و السّعيُ لإنقاذ الإنسان واجبٌ كفائيٌّ ثابتٌ في كلّ الظّروف. و لقد بَذَلَ أنبياءٌ و رسلٌ عظام هم القدوة الإنسانيّة العليا، و بَذَلَ أوصياء الأنبياء –و منهم أئمّة أهل البيت (ع)- أعماراً غالية في سبيل تحقيق نصرٍ غير مأمولٍ في المدى القريب. و النّصر الذي تحقّق على يد السّيّد الإمام (أعلى الله مقامه) لم يكن وليدَ مدىً قصيرٍ من الجهاد. و لقد شاركَ في تحقيق النّصر ألوفٌ و ألوف من العاملين في سبيل الله منذ يوم الأئمّة (ع) إلى يوم السّيّد الإمام. و لو كان الجهاد بكلّ أنواعه موقوفاً على أمل تحقيق النّصر القريب للَغا جهاد الكثيرين من الأنبياء و المرسلين و الأئمّة (ع). ما كان أحدٌ ليرى من غير نظّارة الغيب أنّ مدرسة أهل البيت (ع) بعد واقعة كربلاء و ما تعرّض له الأئمّة الهُداة (صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين) من تضييقٍ و خنق، و إلغاء دورٍ في مساحةٍ أوسع. في ظلّ تلك الظّروف و الحالة الواقعيّة، ما كان أحدٌ يرى من غير نظّارة غيبٍ أنّ مدرسة أهل البيت (ع) سيأتي يومٌ على الأمّة تكون فيه أقوى المقارعين للطّغيان في الأرض و للاستكبار العالمي.

النّصرُ ليس أمنيةً و تفاؤلاً فارغاً، النّصرُ نتيجة واقعيّة لعملٍ ميدانيٍّ مكثّف، و واعد، و هادف، و ثابت، و قائم على التّخطيط، و هو عملٌ يستنزف من إمكانات الأمّة ما يستنزف، و له ثمنٌ كبيرٌ من جهد الأمّة و تعبها و ثروتها و دمها.

و إذا تحدّثنا عن البطولة، فالبطولة أن لا تخسر معركتكَ مع نفسك من أجل أن تربح معركتكَ في الخارج مع عدوّك. الذين يخسرون أنفسهم و معركتهم مع النّفس، و يُسجّلون على أنفسهم في هذه المعركة فشلاً ذريعاً، و يُحقّقون نصراً ساحقاً في الخارج، هم ليسوا من النّمط الإيماني و الإسلامي. يزيد قد حَقَّقَ نصراً عسكريّاً واضحاً في معركته مع الحسين (ع)، و لكنّه هو الذي خسر معركته مع نفسه، و سَقَطَ دونيّاً (شيئاً دونيّاً) في هذه المعركة، و أخرجته هذه المعركة من دينهِ و إنسانيته، و مَن أخرجته معركته مع الخصوم، أيّاً كان لون معركته: دمويّاً، كلاميّاً، اجتماعيّاً، سياسيّاً.. و مَن أخرجته معركته مع الخصوم من دينه و من إنسانيته فهو المغلوب في النّظر الإسلامي.

مسلمُ بن عقيل حين اجتهد ألا يقتل ابن زياد غِيلةً و سَبَّبَ له ذلك على مستوى الأسلاك المكشوفة أن يكون هو الشّهيد بدل أن يكون ابن زياد هو القتيل، كان منتصراً على نفسه في معركته مع الأعداء، و إن خسر النّصر الخارجي في تلك المعركة. صحيحٌ أنّ مسلم (رضي الله عنه و أرضاه) قد قُتِل، و قد أصبح مغلوباً على أمره في البُعد العسكري، و لكن قد انتصر المبدأُ على يديه، و سجّل من خلال موقفه أنّ الإسلامَ أكبرُ من أن يغدر، و أنّ الإسلامَ حتّى في حربه شريف و يلتزم المبدئيّة، يخوضُ معركَته بقيمه و بكلّ آدابه.

هنا علينا أن نتساءل عن موقف السّيّد الإمام من هذه القضيّة، و أنّه كان المبدئيَّ في حربه، كان الملتزمَ بقيم الإسلام، كان المنتصرَ للمبدأ قبل أن ينتصر للنّفس، كان حفاظه على لون الرّاية، على صِبغة الرّاية و الإسلاميّة، أو على حامل الرّاية؟

الذي قال بأنّه لا يوقف الحربَ مع صدّام، عاد يوماً من الأيّام ليقول بأنّ عليّه أن يتجرّعَ كأس السّم، و يقبلَ بإيقاف الحرب. لو كان التّحرّك من منطلق غرور، و من منطلق الأنا، لكان هذا الإيقاف وراءه روحٌ مستخذية، و جبنٌ طارئ، و رِعدة أصابت النّفس حتّى كتمت غرورها، لكنّ حياة السّيّد الإمام تنفي ذلك؛ لأنّه لم تُسجّل حياتُه موقفاً واحداً، عند مؤرّخيه، و عند معايشيه، و عند الذين كانوا يطلبونه، من جبنٍ و من فشلٍ و من ابتعاد، و كان يقف في المعركة وحدَه أو يكاد و لا يتراجع كما كان في مواقفه المواجِهة للشّاه.

كان المطلوب عنده في مثل هذا الموقف و أمثاله، و هو القويُّ الشّجاعُ الأسد الذي يحمل روحه على كتفه في سبيل الله، كان موقفهُ، كان صراعه، كان طلبُ النّصر عنده لا لنفسهِ و إنّما للإسلام. كان صراعه للإسلام، و كان النّصر المطلوب له نصراً للإسلام. و النّفسُ لا تُمتَحن كما تُمتَحن في الشّدائد، و كما يشهد موقف الإمام الحسن (ع)، و إباؤه إباءُ أبيه، و شجاعته شجاعة أخيه، و إيمانهُ بالغ، و لهُ شرفٌ لا يرضى صاحبه بأن يُدفَن، ذاك الجبل الأشم، و الرّوح الشّامخة، و الإرادة الفولاذيّة، يُقدم صاحبها على الصّلح مع معاوية مع وجود الاعتراضات. لقد كان جرح الإمام الحسن (ع) عميقاً لا يُشاركه في مأساته معه إلا قلّة، و قد جاءت الكلمات، من مخلصين، سهاماً نافذة إلى روح الإباء و الشّموخ و الكرامة و العزّة التي كانت بين جنبي الإمام الحسن (ع). ذلك صبرٌ لا يفوقه صبرُ الإمام الحسين (ع)، و تضحيةٌ لا تفوقها تضحية الإمام الحسين (ع). تضحيةُ الإمام الحسين (ع) معها ذكرٌ عريض، و معها ظهورٌ كبير، و معها تألّق في عالم السّمعة و الشّهرة، و إن كان كلّ ذلك لا يُساوي شيئاً في نفس الإمام الحسين (ع). أمّا صبر الحسن (ع) فكان معه الذّلّ الظّاهري، و اللّوم من الصّديق، و الشّماتة من العدو. و كان للسّيّد الإمام (رضي الله عنه و أرضاه) موقفٌ من موقف الإمام الحسين (ع) و موقفٌ كذلك من موقف الإمام الحسن (ع)، و هو ابنهما، و تلميذهما، و منهما و من آداب الكرام يستمد. و هم و هو، الممدُّ الأوّلُ لهم بالعزّةِ و الكرامةِ و الشّجاعةِ و الإباءِ و الشّموخِ و الصّلابة و الأصالة و الثّبات، القرآنُ العظيم و السّنّة المطهّرة. كلُّ الاستمداد من الصّلة بالله سبحانه و تعالى.

نقطة

أن تبنيَ إنسانَ الدّولة التي تطمحُ لها، أهمُّ من أن تقيمَ دولةً بلا إنسانِ تلك الدّولة. و الدّولة يمكن أن تسقط بمن شاركوا في بنائها، و أن تتحقّق على يديهم هزيمتها الكبرى المخزية. و الذي يبني دولةً من هذا النّوع لم يبنِ شيئاً.

أمّا الجماهير، فلا نصرَ بدونها، و لا استمرارَ لنتائج النّصر بلا حراستها، و من دون أن تبقى سيفاً مسلولة دائماً بيد قيادتها تخسرُ الأمّة النّصرَ و كلّ النّتائج التي انبَنَت عليه. لكنّ الجماهير دائماً تحتاجُ إلى ما ينتظم أمرها، إلى ما يضمّ خرزها المتناثرة في نظام (خيط السّبحة يُسمّى نظام) يُعطي ذلك الخرز تناسقه و انتظامه و جماله و..

الجماهيرُ تحتاج إلى منبع وعي، و إلى قدوة مبدئيّة، دائماً تحتاج إلى نبي، دائماً تحتاج إلى وصي، دائماً تحتاج إلى فقيه، دائماً تحتاج إلى قيادة. الجماهيرُ يمكن من غير مَن يصون حصن الإسلام أن يُسرَق منها الوعي، أن يُسرَق منها إسلامها في أجواء مخمليّة حريريّة هادئة. الجماهيرُ يمكن أن ينصرف كلُّ فردٍ منها لشأنه الخاص، حين لا يكون رسول، أو لا يكون إمام، أو لا يكون فقيه، أو لا تكون قيادة، سواءً كانت قيادةً مؤمنة أو قيادة غير مؤمنة في بلدٍ غير مؤمن. على النّحل فيه قائد، و القيادة –طبعاً- و الإمامة ليست على مستوى المجتمع الإنساني فقط. كلُّ أنواع الحيوان التي تعيش حالةً اجتماعيّة، و لو فطريّة، يكون لها قائد، و لها إمام، و لها مُرشد.

الذين يُريدون أن يفصلوا جماهير الأمّة عن خطّ الرّسل، عن خطّ الأئمّة، عن خطّ الفقهاء، معنى ذلك أنّهم ينوون قتل هويتها.[1]

قلتُ أن تبني إنسانَ الدّولة التي تطمح لها أهمّ من أن تُقيمَ دولةً بلا إنسان الدّولة. إنّ الرّسول (ص) يريد دولةَ إيمان، لو أقام دولةً باسم الرّسالة و الرّسول (ص)، لكن لم يُعِدَّ عليّ بن أبي طالب (ع)، لم يُنجز سلمان، و لا أبا ذر، لم يوجد النّخبة المؤمنة التي كانت تحاول دائماً أن تقترب ما استطاعت من مستوى فهم رسول الله (ص) للإسلام، وعيهِ بقضيّته، إيمانهِ، تضحيتهِ، إلى آخر ذلك.

لو أغرى الرّسول (ص) جهلةً و أناساً سُذّجاً بمال خديجة مثلاً، و بوعودٍ محسودة، و أقام دولةً باسم الإسلام و رسول الإسلام (ص)، و عَلَّمها صلاةً و صوماً و حجا سطحيّاً، و رحل، لو تركَ صحابةً من الذين يُنافقون زمن حياة رسول الله (ص)، و طائفةً واسعةً من النّاس تعيش حالة السّذاجة، إعدادُ الدّولة هذا لا يساوي شيئاً، لا قيمة له، هذه الدّولة لا تعتقد الإسلام، لا تحمل رايةَ الإسلام، تُسقِط الإسلام، مَن يقرأها و يقرأ القرآن، و يجد التّهافت بينها و بين القرآن، يقول عن القرآن الكريم بأنّه كتابٌ مدلّس، يتحدّث بشيء و يخلق نماذج من لونٍ آخر.

أن يُعِدَّ رسول الله (ص) إنسانَ الدّولة، ألا يتمكّن رسول الله (ص) من إقامة الدّولة، في حياته، و لكنّه يوجد إنسانَ الدّولة، الذي يحمل قضيّة الإسلام، الدّولة الإسلاميّة، يحمل همّها، يحمل قيمها، يحمل هدفها، يعيش مستواها الإيماني و الرّوحي إلخ..

في الفرض الأوّل، الدّولة تنهدم كدولةٍ إسلاميّة. الصّورة الثّانية، الفرض الثّاني، الدّولة تنبني. لذلك، في ظروف الإمام جعفر الصّادق (ع) و الباقر (ع) التي كانت تسمح –خاصّةً في ظروف الإمام جعفر الصّادق (ع)- كانت تسمح بإقامة دولة باسم الإسلام، لكن فاقدة للرّوح الإسلاميّة، يكسب فيها النّفعيّون، الانتهازيّون، الذين يقتاتون على الدّين، و يلبسون ثوب الدّين للدّنيا، كان يمكن للإمامين (ع) أن يُقيما دولةً من هذا النّوع، و ما كانت الفرص أمام بني العبّاس لإقامة مثل هذه الدّولة، و باسم الإسلام، بأوسع منها بيد الإمام جعفر الصّادق (ع) لمن راجع التّاريخ، و لكنّها دولةٌ تهدم الإسلام، دولةٌ برجالٍ لا يعيشون الوعي الإسلامي، و لا الأخلاقيّة الإسلاميّة، و لا الرّوح الإسلاميّة، و لا القيم الإسلاميّة، هي دولةٌ تهدم الإسلام.

و امتدّ الزّمن بصبر الأئمّة (ع) إلى قرون ليبنوا الدّولة التي تقترب من النّموذج الإسلامي بقدر ما تستطيع، و أصرّوا كلّ حياتهم على العمل الدءوب و الجاد، و الجهاد بكلّ الأنواع الممكنة، و التي تساعد على الإعداد الحقيقي للدّولة الإسلاميّة المُثلى، و التي نترقّبها على يد الإمام القائم (عجّل الله له الفرج و سهّل له المخرج).

نعم، ما اكتفى السّيّد الإمام بأن يبني دولةً باسم الإسلام، و إنّما حرص على أن يوجد الر ّجال الذين يحفظون أمانة هذه الدّولة بعده، و يتحمّلون كلفة الحفاظ عليها، و على ثِقَل تلك الكلفة، و هي مّما تنوء به [الأبطال].

دائماً عليكَ أن تبني رجالاً للإسلام، يفهمون الإسلام، و أن تهتمَّ بتنشئة الحسّ الإسلامي في الجماهير، و الولاء للجماهير بالإسلام، و أن تقدّم للجماهير وعياً إسلاميّاً بقدر المستطاع. و كلّما أوجدتَ من كوادر الوعي، و النّخب الرّساليّة، و رجالات الإيمان، عدداً أكبر ضمنتَ المستقبل.

الحركاتُ تختلف، مرّةً توجد ضرورات، هذه الضّرورات ضروراتٌ معيشيّة، ضرورات أمنيّة، تستوجب الانتفاضة، تستوجب الثّورة، هذه الضّرورات التي لا تُمهل، و التأخّر بمواجهتها يقضي على كلّ شيء، هذه لها حسابها خاص. أمّا قضيّة الحركات الرّساليّة، و التي تستهدف قيادة الحياة على الخطّ الرّسالي، فإنّ لها حساباً آخر، و إنّ لها نظراً آخر، و الإعداد لها طويل.

الجائع لا ينتظر، لا يسَعه جوعه بأن ينتظر حتّى يموت، ليستردّ لقمته من فم الآخر، و العاري الذي تُلهب ظهرَه سياط الشّمس، لا يصبر أن يستردّ قميصه المنهوب من الآخر. و هكذا هو منطق الضّرورات، و الرّسالاتُ الكبرى، و هي تراعي هذا و لا تنكره، و تدفع دائماً و بقوّة إلى الخروج من حال الضّرورة، و إلى مواجهة الظّلم، لكنّها في بنائها للمستقبل تعمل دائماً على تنشئة الإنسان الصّالح.

الحركة التي تحرفكَ عن ثوابتكَ و قيمك، هي أخطرُ عليك من أن يتأخّرَ تحقيق هدفك. أنتَ إمّا أن تتحرّكَ بلا قيم، و تتنازل عن ثوابتك، و تحاول أن تستعجل تحقيق هدفك بأيّ ثمنٍ و إن كان على حساب رسالتك، و إمّا أن تدفع الضّرورات عاجلاً، و يكون هدفك في الإصلاح الأكبر، آخذاً بنظر ضرورة الإعداد، إعداد الإنسان الصّالح لحمل أمانة ذلك الهدف، فضلاً عن المشاركة في تحقيقه.

هناك ثورة بطونٍ و جياع، و هناك ثورة عقولٍ و أرواح، و هما يختلفان سقفاً، و طولَ مدى، و عمقَ معنى، و نوعَ خُلق، و سعةَ أفق، و نوع جند، و طريقَ تحقيق، و نوع قيادة. أيّ قبيلة من القبائل تعاركها قبيلةٌ أخرى، و قد جارت عليها بحيث شحّت عليها أسباب الحياة، قبيلة (أ) شحّت عليها أسباب الحياة من خلال الإغارة بعد الإغارة عليها من القبيلة الأخرى و النّهب و السّلب. الآن إمّا موت أو مواجهة العدد القليل للعدد الكثير، و العدّة الضّئيلة للعدّة الثّقيلة، هو موتٌ موت، فلا بدّ من مواجهة، و هنا لا تُنتَظر قيادة، و لا يُنتَظر إعداد طويل لأنّه موتٌ عاجل، هذا نوع من المعارك، معركة جوع، معركة بطنٍ خاوٍ. أمّا معركة العقول و الأرواح فتفرق عن هذه المعركة. معركةُ الأرواح أعلى سقفاً، هذه تعالج مشكلة الإنسان من الجذور. ظاهرةُ الجوع، هذه شيءٌ مترشِّح من فساد الإنسان، من ظلمِ الإنسان للإنسان. الظّاهرة الأمنيّة، الظّاهرة الاجتماعيّة، خلل البيئة المعنويّة و البيئة الحسّيّة.. فساد البيئة هذا، الفساد الاقتصادي داخل، كلّه هو بسبب فساد عقل الإنسان، فساد قلب الإنسان، فساد المحتوى المعنوي للإنسان. الثّورات الرّساليّة تستهدف ماذا؟ صناعة الإنسان، الرّقي بالإنسان، أن تخلق ثوريّة في داخل الإنسان، في داخله حجّة على نفسه، لتنتقل هذه الثّورة بعد ذلك للآخر، و يهدّ فساد الآخر، و باطل الآخر. هذه أعلى سقفاً جدّاً، أعمق أثراً -و لا أقف عند الشّرح- تستوجب كوادر و نخباً غيرَ ما تستوجبه ثورة الجياع. ثورة الجياع تتطلّب ماذا؟ قوّة عضليّة، و شجاعة مواجهة السّيف.. و تحتاج لقليلٍ من التّخطيط، صحيح، لكن لا كما تحتاجه ثورة العقول و الأرواح. ثورة السّيّد الإمام، ثورة جياع؟ ثورة بطون؟ صحيحٌ كانت ثورة الإمام تتحدّث عن هذا الجانب، عن النّهب و الغصب و الظّلم، و عن المترفين و المحرومين المستضعفين، لكن كان تركيز السّيّد الإمام على إنقاذ الإنسان. أن يبقى الإنسان بمستوى الحيوان و يكون كلّ الهمّ أن يشبع؟! عندما يستدفئ بك ما يسكنه، هذا ميولٌ بقيمة الإنسان. و أنتَ إذا أعطيتَ حلاً لمشكلة سطحيّة، هذه المشكلة السّطحيّة ما دام الجذر موجوداً، الأصلُ موجوداً، الفساد في العمق موجوداً، تظهر مرة ثانية، في القريب تظهر، تظهر مكانها ظاهرة سيّئة أخرى.

ثورة السّيّد الإمام لم تأخذ قدسيّتها من كونها أشبعت البطون، واضحٌ أنّ في إيران بطوناً لم تشبع إلى حدّ شبع بطون في أمريكا (و إن كانت بطون أمريكا أيضاً صارت تشتكي)، لكن ماذا أوجدَت؟ أوجدَت إنساناً حرّاً.

الذي يعاين الوضع الاقتصادي.. طبعاً الوضع الاقتصادي في إيران سببه معروف، يعني إذا كان هناك درجة من عدم النّمو الكافي، سببه معروف، و هو عداوة كل الاستكبار العالمي لهذا النّظام، و كونه لم يُعطَ فرصة في يومٍ من الأيّام لبناء داخله، و لكن له الشّرف أنّه رغم كلّ الأعاصير و كلّ الزّوابع و كلّ الصّواعق، قد بنا نفسه في كلّ الأبعاد، و واجه حرباً شبه عالميّة في كلّ المسارات و بكفاءة. مِن أين جاء هذا؟ جاء هذا من بناء الإنسان، من اهتمام الثّورة و الدّولة ببناء الإنسان.

عن السّيّد الإمام

“في عين مَن عَظُمَ السّيّد الإمام؟ فقهاء، سياسيين كبار، حملة الحكمة، أصحاب الرّأي الاجتماعي النّاضج، العرفاء، الشّجعان، المخلصين.. عَظُمَ في عين عظماء الأمّة، و مَن عَظَمَ في عين عظماء الأمّة و قدّموه على أنفسهم فلا يَسَعُكَ إلا بأن تقول بأنّه عظيمٌ و عظيم.

و عَظُمَ في عين المستضعفين، و بعد تجربة. صحيحٌ أنّ المستضعفين، و لِما يعانوه، قد يكبر في نظرهم أناسٌ بسرعة، و لكن أن يبقى الشخص عظيماً في نظر المستضعفين أيّامَ ثورته و أيّام دولته و بعد رحيل، فذلك يعني أنّ التقييم صادق، و أنّ هذا التشخيص قد أصاب الواقع بصورةٍ كاملة. حبيب المستضعفين، ليس في العالم الإسلامي فقط، و إنّما صار حبيباً للمستضعفين في شريحةٍ كبرى من مستَضعفي العالم. ذلك الرجل من حقّ الناس أن يقولوا عنه بأنّه “حجّة الإسلام و المسلمين”.. اللقب ليس صغيراً، اللقب كبير جداً.

متى يكون الإنسان حجّةً للإسلام؟ الحجّة الكاملة للإسلام هو رسول الله (ص).. هو برهان صدق الإسلام، و برهان عظمة الإسلام، و علي بن أبي طالب (ع) يتّخذه رجالٌ من الغرب -ليسوا بسطاء، و إنّما على مستوىً كبيرٍ من العلم- يتّخذونه دليلاً على صدق الإسلام و عظمة الإسلام.

حجّة الإسلام.. حين تُعرَف شخصية عليّ بن أبي طالب (ع) على عصمتها، و أنّها من الإسلام، يكون دليلاً قاطعاً على عظمة الإسلام و صدق الإسلام و إخلاص الإسلام. عليّ بن أبي طالب (ع) الذي يحارب بنفسه و بولده، و يُعطي كلّ شيءٍ في حياته، لا يأخذ يوم خلافته شيئاً من هذه الدنيا، و إنّما يُعلن طلاقها.

لو قلنا عن السيد الإمام بأنّه حجّة الإسلام و المسلمين، بمعنى أنّ الإسلام يستطيع أن يقدّم هذه الحجّة على صدقه و على عظمته في مقام العلم و العمل، في الامتحانات العسيرة. و أنّ المسلمين لهم أن يقدّموا مفاخرَ مثل هذه المفخرة للعالم كلّه ليقولوا نحنُ العظماء، و ليقولوا نحنُ على صدق، و ليقولوا نحنُ قادرون على إنقاذ العالم. و السيّد الإمام كما عَظُمَ في عين محبّيه عَظُمَ في عين مبغضيه و مناوئيه. و من خطره الذي يرونه، و عظمته التي هو عليها، و قدره الشامخ، و كفاءته العالية، و إخلاصه و صدقه الإسلامي، و تصميمه و عزمه و حزمه، و من إيمانه خافوه. عظّموه فخافوه. هناكَ مَن عظّمه فانجذب إليه، و هناك مَن عظّمه فخاف منه على مُلكه و دنياه.

السيد الإمام زلزل الأرض تحت أقدام الطّغاة و لم يهدأ لهم روع منه حتى اليوم، و سيبقى يُقلق بما وَرَّثَ من وعيٍ في هذه الأمّة، و من إنشداد للإسلام، و من تقديرٍ للشّريعة، و من وثوقٍ بالطرح الإسلامي، بما وَرَّثَ من عزم و تصميم عند شباب الأمّة، و عند جماهير الأمّة، بما خلق من حالة شوقٍ عارم في نفوس أبناء الأمّة ليوم الإسلام المنتصر، و بما أثار من روح عزّة و كرامة و إباء و شموخ في نفوس أبناء الأمّة، لن يجد الطّغاة يومَ راحة و هم يعلمون بأنّ الأمّة جَدَّ جِدُّها على استغلال عزّتها و كرامتها، و جَدَّ جِدُّها على أن تُقيم العدل على الأرض في أرضها، و ليمتدّ إلى كلّ أرضٍ في العالم.[2]

العالم الاستكباري لا يزال يعيش حالة الارتباك التي وَلَّدَتها له ثورة السيد الإمام و انتصاره و دولته. و حالة الإرباك لا تأتي من أرض تلك الثورة فحسب، إنّما تأتي من كلّ قلب مسلمٍ عشق الإسلام، و حَمَلَ العزم الإسلامي، و تغذّى بالرّوح الإسلامية، و آمَنَ بالهدف الإسلامي، و شعر بواجب التغيير الذي يفرضه عليه الإسلام. حين يواجه العالم الاستكباري قلوبَ الملايين المشحونة إيماناً، عزماً من عزم الإمام، علوَّ همّة، وعياً، فهماً، احتراماً لإنسانيّة الإنسان، إنكاراً للظّلم، إيماناً بالعدل، فهذا مخيفٌ لكلّ ظالم، مخيفٌ لكلّ عابثٍ بإنسانيّة الإنسان، مخيفٌ لكلّ مَن يُقيم مُلكه على سذاجة الإنسان، و على استغفال الإنسان، و تجهيل الإنسان، و على زرع الحقارة من الإنسان في داخل نفسه. و السّيّد الإمام لثورتهِ، لانتصارهِ، لدولتهِ، أوجدَ جيلاً من القادة الإسلاميّين الذين يحملون همّ القضيّة الإسلاميّة و يُنافحون على طريق الجهاد من أجل عزّ الأمّة و نصرتها الذي هو من عزّ الإسلام و نصره.

والحمد لله رب العالمين

[1] معكم معكم يا فقهاء

[2]هتاف الجماهير: هل من ناصر حسيني.. لبّيك يا خميني