كلمة سماحة آية الله قاسم في مؤتمر التوعية الأول – 2009م

كلمة سماحة الشيخ عيسى أحمد قاسم في مؤتمر التوعية الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

الناس يختلفون فمنهم من يعيش هم الحياة الدنيوية، ويتقوقع في إطار هذا الهم، ولا يكاد يخلو شئ من حياته عن حبس هذا الهم، هم أكل وشرب وما شابه، وهناك من يتسع همه إلى مسألة آخرته، في حدود العبادة المعروفة المألوفة بمعناها المصلطح، ومنهم من يمتد به الإهتمام إلى دائرة أوسع بعض الشيء، وتتسع الاهتمامات عند عند فريق من الناس لتشمل القبيلة أو القرية أو الإقليم، أما أصحاب الهم الكبير فإن الهم يمتد بهم إلى حد الإنسانية كلها، وهو هم أوسع من هذه الحياة وحاجاتها، ومن تنبني بهم الحياة وتتقدم وتكون على طريق التغيير هم أصحاب الهموم الكبيرة، وليس أوسع هماً ولا أنقى ولا أخلص من مؤمن يشعر بوظيفته الخلافية في الأرض.
الإنسان الذي يشعر ويعنى بدور الخلافة في الأرض يتجاوز حدود زمانه ومكانه، يسمو بهمه وتطلعه ودوره، أولئك النفر هم الذين يحركون التاريخ ويدفعون به إلى الاتجاه التغييري الصحيح إذا كان همهم ودورهم مأخوذا من دور الدين وهمه ورسالته.
الرساليون في العادة أصحاب هم ٍكبير ٍ، ومن كبر همه كبر دوره، ونصب جسده،وإذا كانت النفوس كباراً نصبت الأجسام،وإذا …. فإنه ليس من همٍّ أكبر وأتعب من همِّ رسالة الدين ونشره في الأرض، والاستعانة بحركة الإنسان إلى الطريق الصاعد إلى الله تبارك وتعالى.
وإذا كان الآخرون يتطلعون إلى الأجر في الدنيا، فإن الرساليين الحق يتطلعون إلى الجزاء من الله تبارك وتعالى، فكما أن رسالتهم كبيرة ودورهم متعب وجهدهم كبير فإن ثواب كذلك، وإن ارتباطهم لا يكون إلا بالأكبر الأعظم تبارك وتعالى.
التوعية علامة .. يا أبناء التوعية.. التوعية علامة، هي توعية الإنسان على إنسانيته ودوره، على قيمته،على صلته بربه، على ما هو الطريق والمنهج، على ما هو العدو والصديق ، على ما حوله من قضايا، وموضوعات ميداينة كبرى تؤثر في الواقع الديني سلباً أو إيجابا.

توعية على أساليب الآخرين ومكر الآخرين ومؤامرات الآخرين، وما يمكن أن يواجه به كل ذلك، توعية على ما هو الأشرف والأسمى والأبقى في وجود هذا الإنسان،توعية على الأولويات من بين القضايا، فإن فهم الأولويات وفقه الأولويات، لا يمكن لحركة أن تنجح ولطريق أن يوصل الغاية ما لم يكن هنالك توفر على هذا الفهم والفقه.
نستطيع أن نستدل على قضايا مهمة جداً ، لا يمكن أن تغفل، ولا يسوف العمل على حلها ومعالجتها من موقف العدو. ، مم يتأذى أعداء الله في الشرق والغرب بالنسبة لما عليه اهتمام المسلمين وحركتهم.
إننا لنجد تركيزاً هائلاً ومواجهة حادة يمارسها المستكبرون في الأرض بالنسبة لحركة الصحوة الإسلامية. الخروج من سذاجة الفهم إلى الفهم المعمق للإسلام قضية تؤذي المستكبرين كثيراً، أن نفهم الإسلام بعظمته، وأن نملك وعياً عن حجم الإسلام وعظمته شيء لا يرتاح إليه المستكبرون بما في ذلك عدم القبول بالبديل عنه.
الإلتفاف الواعي من المسلمين بالقيادات الفكرية أو العملية التي أوصى أئمة أهل البيت (ع) بالإلتفاف بها. وهم الفقهاء الكبار العدول الخبراء مسألة لا يصبر عليها الاستكبار، وتقضُّ مضجعه، أن يتوحد المسلمون على أي مستوى من التوحد ولو كان في دائرة قطر معين أو بلد معين شئ مفزع بالنسبة للإستكبار، تجدون أن الإستكبار لا يكف عن العمل ليلاً ونهاراً لتزوير مستوى القيادة في الإسلام، ويسعى لتحل قيادات قزمة محل القيادات التي يرضاها أئمته، إصرار الصحوة الإسلامية ، والوعي الإسلامي، الذي تنتشر رقعته بين المسلمين، والمتجه نحو توحيد الصفوف خلف عملاق أو آخر من عمالقة الفكر الإسلامي أو الفقه الإسلامي، ووصول الشباب إلى الإلتفاف حول تلك القيادات التي يرى الإستكبار فيها خطراً كبيراً على وجودة، هذه مسألة استراتيجية ومصيرية، بالنسبة لوجود الحركة الإسلامية، وتحقيق غاية الإسلام التي تستهدفها.

الإستكبار العالمي اتجه إلى نقض كل عروة من عرى الإرتباط بين المسلمين، حتى لو وصل إلى أن يسقط ولاية الأب عن بنته، وأن يثير جو الشك بين الزوج وزوجته، ويفتح باب التمرد من الزوجة على زوجها والبنت على أبيها.
الوحدة بين المسلمين مسألة يراها الكفر أن ضارة به جداً ، القيادات البديلة في الأمة والتي أشرنا إليها، والاستغناء عن عنصر الفقه والفكر الإسلامي في الشخصية القيادة مسألة يستهدفها الاستكبار العالمي كل الاستهداف.
وصار الشرك والكفر والاستكبار يخوض معركته الحضارية مع الأمة في كل أبعادها وكل معاركها على الأرض الإسلامية بأبناء من أبنائهم وبنات من بناتهم، بفعل الغزو الثقافي الذي بذل ولا يزال يبذل الكفر الكثير من الميزانيات الضخمة والاستراتيجيات المعدة، ولا تجد بلداً إسلامياً واحداً اليوم إلا وفيه صنائع الفكر الإستكباري على مستوى الفرد والجماعات والأحزاب، جماعات وأحزاب لها لافتات غير إسلامية، أو الإسلامية والمضمون شيء آخر.
الفرصة مفتوحة للمثقف بثقافة غربية ولأنصاف المثقفين ولأرباع المثقفين وأصحاب الطموح بفعل هذا الدعم الإعلامي والمالي والسياسي لأن يتسلق هؤلاء المناصب في كل شبر في الدول الإسلامية ولكن لو رجعنا إلى ما قبل المد الشيوعي، كان يمتنع على غير متدين أن يأخذ موقعاً في قرية. ما كان الفكر والإسلامي والرؤية الإسلامية لتسمح لأي شخصية مهما كبرت أن تأخذ موقعاً في صفوف المؤمنين، أما اليوم فالشباب المسلم يصفق وراء أي راية من الرايات التي ترفع الشعارات البراقة.
ولم تبق من الرايات الإسلامية الصادقة الأصيلة إلا القليل الغرب يحتاج إلى قيادات إسلامية أكثر من القيادات العلمانية، لأن القيادات العلمانية ليس لها سوق في البلدان الإسلامية, لوجود عاطفة إسلامية ينقصها وعي إسلامي، هذا الوجود للعاطفة في وجود الشعب المسلم تجعله يبحث عن الإسلام، ولكنه لا يملك الإرادة الكافية للتمييز بين ما هو إسلامي حقيق وإسلامي زائف، وهنا تأتي ضرورة الوعي والتوعية، إن ملايين الناس في البلدان الإسلامية يمكن أن تقاد بشعارات إسلامية زائفة ويمكن أن يضرب الإسلام بحركة من الحركات التي تتتبنى الشعارات الإسلامية.
حين نتحدث عن التوعية فإنها تشمل كل المسائل، ولكن لا يمكن أن نشتغل بأمور غير ظاهرة وهناك أمور ظاهرة وخطيرة.
عن أهمية التعليم والتوعية قارنوا بين صورتين: أن تمضي عشر سنين بلا تعليم ولا توعية، وبين عشر سنين يتضاعف فيها التعليم والتوعية عشرة أضعاف، على مستوى التعليم والتوعية،ولو مضى من السنين عشرة أضعاف في بلد واحد من بلدان الأمة، لو وجدت أن الإسلام لا يكاد تبقى منه باقية، وإذا كان هذا التعطل على مستوى الأمة فإن الأمة تكاد تخرج عن دورها، أما عشر سنين يكون فيه التعلم وتكون فيه التوعية مضاعفة في واقع الأمة، فإن أمة جديدة ستتمتمع بأضعاف ما هي عليه اليوم من الوعي، والاستعداد للتضحية ن أجله ستولد بلا إشكال، التوعية التوعية، ا لتوعية تحتاج إلى مضحين، إلى من يقدمون هم الإسلام على الهموم الدنيونية. يحتاج إلى كوادر لا تتطلع إلى الجزاء هنا، فإن الجزاء هنا قد لا يحصل، بل قد تحل العقوبة بدلا من الجزاء، … لا ترشيد بلا رشد، فكل من وضع قدمه على طريقة التوعية لينشر وعي الإسلام وعلم الإسلام وهم الإسلام، كان عليه أن لا يترك يوما من أيام حياته مستوى علمه وقدراته، قالوا إن فاقد الشيء لا يعطيه، والمنبع الضحل لا يمكن أن يسقي الكثير، والبئر الشحيح لا يمكن أن يروي الكثير، والنور الخافت لا يمكن أن يمتد إلى مسافات، والمستوى الوضيع لا يمكن أن يعانق الآفاق البعيدة، فلكي تبعد حركتنا على طريق التوعية والتعليم والهداية والإرشاد، لا بد أن يكبر وأن لا نتوانى، فما بقي مستوانا على ما هو عليه، مستوى الإرادة والارتباط بالله فإن حركتنا ستبقى لا تتحرك،… لا تمل من دورك التوعوي، ولا تستكثر ما تعطي، ولا تبحث عن جزاء هنا، هل تبحث عن دور أكبر من هذا الدور، هذا دور الرسل، هل منصب السياسي أكبر من هذا الدور، أحدنا يفرح بأن يضع بذؤة في اللأرض ليجدها ساقة تحمل بعض الوريقات فكيف لا يفرح بأن يحيي نفساً ومن أحيى نفساً فقد أحيى الناس جميعا.
تبحث عن جزاء وذاتك وذاتي تبحث عن الجزاء، وإن اختلف الجزاء الذي تبحث عنه النفوس، وليس أعظم من جزاء الله تعالى، الأخ يتنكر لأخيه والزوجة تتنكر لإحسان زوجها، والزوج يتنكر لإحسان زوجته،والصديق يتنكر لإحسان صديقه،والأعمال الكثيرة والجهود المضنية كلها يمكن أن تضيع ولكن شيئاً من هذا لا يمكن أن يحصل في علاقتنا مع الله ومصيرٌ سعيدٌ على طريق التوعية لمن أخلص لوجه الله تعالى.