كلمة آية الله قاسم في ربيع القرآن – المحرق 1430هـ

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا ونور بصائرنا محمد وآله الطيبين والطاهرين واللعن على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

القرآن الكريم كتاب فريد، كتاب فريد ليس بيد البشرية كتاب مثله صفاء في سماويته التي لم يمسسها الفكر البشري بسوء، ليس في الدنيا كتاب إلهي بصدق متوفر على صدق السماء، ورحمة السماء، وعلم السماء، وصفاء السماء، وهدي السماء من غير طائل، ولم يمسسه سوء فكر بشري، ولا قصور الفكر البشري غير القرآن الكريم، ليس في الدنيا كتاب كذلك غير الكتاب الكريم، نحن نعرف أن التوراة الأصل كتاب سماوي وفرقان بين الحق والباطل، والإنجيل فرقان بين الحق والباطل، وما من كلمة من كلمات السماء إلا وهي فرقان بين الحق والباطل، ولكن الإنجيل لم يبقى الإنجيل، والتوراة لم تبقى التوراة، وما بيد الناس من الإنجيل والتوراة الكلمة السماوية فيه القليل، والكثير فيه كلام البشر، فنحن أمام شيء لا تملك منه الدنيا إلا نسخة واحدة هو القرآن الكريم، ليس هناك كتاب آخر يصلح أن يكون نسخة أخرى من الكتاب. كل كتاب وأن علا، وكل كلمة وأن سمت؛ إنما تأخذ صدقها وأصالتها من القرآن الكريم. حديث رسول الله الأعظم صلى الله عليه وآله ما كان صادر حقا هو حق، وفيه كل الصدق، ولكن حقه وصدقه من حق وصدق القرآن الكريم. فهذا وصف للكتاب وهو أن الدنيا لا تملك كتاب سماويا بصدق إلا القرآن، مما يعطيه قيمة فريدة تستحق أن يحافظ عليه بكل غال وبكل ثمين، كان دما أو ما يأتي من بعد الدم.

والكتاب الكريم كتاب هداية شاملة -أقول شاملة- لا يُستغنى عنه، ولا يمكن أن يتقدم بها كتاب آخر، كتاب نهج البلاغة، وكتاب الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعن المعصومين عليهم السلام هي فوق كل كتاب بعد كتاب الله تبارك وتعالى، وهي تثري وتغني وتهدي؛ لأنها تستقي ثراها وغناها وهديها من القرآن الكريم، أما من بعد ذلك فقد يأتي كتب كتاب هداية، ولكن لا نضمن أن هدايته شفافة وصافية بالكامل. وأي كتاب هداية ينشأ في الأرض من عطاء الإنسان، لا تكون هدايته شاملة وكاملة، هو كتاب واحد لا غير، ذلك الذي يتوفر على هداية الشاملة الكاملة، والذي تمثل هدايته منبع الهداية من أي كتاب آخر، وما لم يصادق عليه القرآن من كلمة حتى لو نسبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يكون فيها غنى، وقد جاء الأمر عنهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بأن الحديث الذي يعارض القرآن يضرب به عرض الحائط.

نحن أمام كتاب لا يمكن أن تعثر الدنيا على بديل له، وهو المحور الفكري والثقافي والتربوي والاجتماعي والسياسي الأول، لوحدة الأمة المسلمة الوسط، والذي لا اختلاف على صدروه ولا وصوله ، وهو مرجع المسلم في رؤيته الكونية وعقيدته، وفي ضوابط أخلاقه وسلوكه وعلاقاته، وفي توجيه مشاعره وبناء حضارة، الناس، الأسرة، المجتمع، الأمة، الإنسانية، إذا أريد لكل ذلكن بشيء من ذلك أن يتصل بالله، أن يكون له سمو، ونمو وزكاة، فلابد له أن يكون مرجعه القرآن الكريم. لا يمكن ا، نبني نفسا قويمة، مستقيمة، وأسرة، ومجتمعا، وأمة، إنسانية، إلا على خط القرآن الكريم، وفي ضوء هداه.

وحضارة لا تقوم على ضوء القرآن، ولا يقود القرآن خطاها، ولا يحدد لها غايتها وهدفها، هي حضارة خاسئة، منحدرة ساقطة. وإذا وجب على الإنسان المسلم أن يكون له تطلع في الإصلاح، إصلاح النفس، أو إصلاح المجتمع، وعلى أي مسار من المسارات، فلابد أن يربط حركته الإصلاحية بالقرآن الكريم وإلا فلا إصلاح.

القرآن الكريم لا يبلى، ولا يُستبدل، ولا يتكرر، ولا يُتقدم عليه، ولا يُتأخر عنه، وحتى الرسول صلى الله عليه وآله كان دليله القرآن، لا يتقدمه ولا يتأخر عنه، الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام أئمة الناس والقرآن إمامهم، وهو دليلهم إلى الله، وهاديهم إلى طريقه. تضييع القرآن تضييع للهدى والنور، ولأي فرصة للإنقاذ، الأرض ظلمة قاتلة لو غاب القرآن، وكلما غاب شيء من القرآن، أو شوه فهم قرآني كلما حُرِفَ القرآن في حرف منه، في قضية من قضاياه، في رؤية من رؤاه، كلما تاهت الطرق بالناس، وكلما ارتبكت الحياة، وكلما عمها القلق.

كيف تكون قراءة القرآن؟

قراءة القرآن قراءة لفظ، وقد نالت قراءة اللفظ من الاهتمام الشيء الكثير، وبعد لم تستوفي حقها، أما قراءة المعنى فلا زالت الدنيا على عتبت هذه القراءة ولم تُوغل في طريقها، ولم تعطها من مستحقها المقدار الملحوظ، لنكون أوفياء للقرآن، عارفين بحقه يجب أن نتحرك في اتجاه قراءته ثانية وهي القراءة على المستوى المعنى، بكل جهد وجد، وعلينا أن نُسخِّرَ المال والوقت، ونبحث عن العقول الكبيرة، والعبقريات الضخمة لتدخل في صورة جدية، ومن خلال عمل مؤسسي في قراءة القرآن، وأن كانت قد بدأت هذه التجربة في مثل الجمهورية الإسلامية المباركة، وبلاد إسلامية أخرى، إلا أنها لا زالت إذا قسناها إلى عظمة القرآن وأهمية القرآن في بداياتها.

القرآن خطاب للعقل، والقرآن خطاب للقلب، والقرآن خطاب للمواهب والطاقات الكريمة في الإنسان، والقرآن خطاب لحركة الدوافع الإنسانية وحتى الجدية لتنضبط وتتسق وتكون في صالح الإنسان وهدفه الكبير، وغايته القصوى وهي أن يكون الإنسان الكامل يصل إلى رضوان الله سبحانه وتعالى، والقرآن خطاب لخبرة الإنسان وعطاءات تجاربه الحياتية الصادقة، ومطالعاته في الحياة، وفي تقلبات الأحوال، وتطورات الإنسانية.

الإنسان خطاب للعقل في أسسه الأولى وركائزه الفطرية، ومن بنا عقليا في ضوء حركة هذه الركائز، القرآن يخاطب العقل الفطري وكل المكتسبات والمنجزات المتراكمة من خلال سير العقل ونموه وتطوره، تلك المنجزات والمكتسبات المنضبطة عقليا، المبرهنة والمدلل عليها، ويخاطب القلب والقلب له رصيد فطري، والقلب يحتضن قضايا نورانية من غرس الله تبارك وتعالى في خلقة الإنسان.

القلب له تطالعات وتشوفات، وله قناعات، وله رضا وسخط، وله محبة وبغض، ومحبة القلب الفطري للحق والخير أهل الحق وأهل الخير، وبغضه للباطل، ولكل رديء، جُبل قلب الإنسان أساسا على حب الطيب وبغض الخبيث، هذه الفطرة موجودة في كل إنسان، والقرآن يخاطب هذه الفطرة، وكلما توفر لهذا القلب من مشاعر ومن رؤى ومن ميول أنبنت في ضوء رصيده الفطري الوضاء، فالقرآن يخاطب كل هذا الرصيد في ذات الإنسان، يخاطب مسمع القلب، ومسمع العقل، ويعرض مشاهد على بصر في القلب وعلى بصر في العقل.

القرآن يتحدث لمثله في ذات الإنسان، فينا في فطرتنا الأولى النقية قرآن، صوت من صوت الله، نور من نور الله، معرفة من معرفة الله، خلق من خلق الله، وهذا الرصيد الذي في الصدور يخاطبه القرآن الكريم، فإذا كان خطاب القرآن للعقل، وللقلب، وللطاقات، وللمواهب الكريمة في ذات الإنسان، وللدوافع الخيَّرة، وللضمير الخلقي، وللوجدان الطاهر في الذات الإنسانية، ولكل العطاءات الصادقة، ومنجزات التجارب الإنسانية الحية والصالحة، فبما نقرأ القرآن؟

القرآن يقرأ بالعقل بمجموعة أمور، ولا يقرأ ببعد واحد، يقرأ بجميع أبعاده، وبأبعاد مختلفة متعددة تتوفر في الإنسان، ومن حيثيات متعددة، في الصلاة هل نصلي بأجسادنا؟ إذا صلينا بأجسادنا فصلاتنا ناقصة ومردودة، هل نصلي بعقولنا؟ إذا صلينا بعقولنا فصلاتنا ناقصة، في الصلاة علينا أن نصلي بالجسد، بالعقل، بالروح، بالقلب، كل ذلك ينفعل، وكل ذلك يتلقى، وكل ذلك يسجد، وكل ذلك يشعر، وكل ذلك يشارك في عملية الصلاة، خشوعا، وخضوعا.

الصلاة تتطلب أن نفهم معناها، وأن نستجيب لهذا المعنى في حركة جسد، وأن نعيش هذا المعنى على مستوى القلب والروح، فلو فهمت من كلمات الصلاة معنى “الله أكبر”، ولم تدخل كبرياء الله عز وجل في قلبي لتهزه، وتجعله مندكا فما صليت، إذا كنت صليت عقلا فإني حين ذاك لم أصلي قلبا. الصلاة صعبة لأن مسألة الرياضة البدنية تتطلب منك جهدا بدنيا في الأكثر، وحل المسألة الرياضية المعقدة تتطلب جهدا فكريا في الأكثر، أم الصلاة فتتطلب منك الجهد البدني وهو الأقل مؤنه والأيسر، وتتطلب منك حضور فكريا بحيث يصلح أن تقابل به الله العظيم، أن تدخل به في محراب الصلاة، في مقابلة العبودية لعظمة الربوبية، ومحتاج أن تتوفر على قلب يتمثل معاني الصلاة، وتتحول في داخله إلى مشاعر خاشعة، مشاعر ذليلة، راجية، مؤملة، هيابة، مندكة، منصعقة. فعملية الصلاة تحتاج لمشاركة كل أبعاد الذات الواعية، وكل أبعاد الذات الإنسانية بما لها من إدراك، وبما لها من شعور، وبما لها من عملية خشوع.

القرآن كيف نقرأه؟

ليس خطابا للعقل فقط، القرآن ليس مسألة رياضية تخاطب العقل، القرآن يخاطب العقل، ويخاطب القلب، ويخاطب الخبرة، ويخاطب التجارب، يخاطب كل الثروة العلمية الصحيحة المتوفر عليها شخص من الأشخاص، فإذن علينا أن نقرأ القرآن بقناعتنا الفطرية النوعية -الإنسانية- وإدراكات الكبرى للفطرة، وبما بنا على العقل الفطري من فكر صحيح، وعطاء للآية النفسية والكونية، علينا أن نملك رصيدا من هذا النوع، وأن نستحضر هذا الرصيد في قراءة القرآن، وكلما صفت الفطرة، وتنبه العقل الفطري الذي يوصل العبد لربه تبارك وتعالى، وكلما نمت المعرفة، وكبرت مكاسب العلم ومنجزاته في النفس وكانت صحيحة وموثقة وأمينة، كلما توفر لنا رصيد نستطيع به أن نفهم القرآن أكثر، أن نندمج فكريا بالقرآن أكثر، أن يتأتى لنا أن نغوص في مغائص القرآن بدرجة أكبر، ولا يكفى هذا فلابد من قلب مفتوح، غني بالهدايات، له نور، لم تغلقه الذنوب، ولم تسد منافذه الآثام.

والقلب في الأصل هو أداة الإنسان لتقلي الهدى، وللوصول إلى عالم الغيب، واستشراف أنواره، فما سلم القلب وصفا، وطهر زاده، وقل ارتباطه بالأرض، وبشهوات الأرض ولذائذها، كلما صار قارئ القرآن يمتلك نافذة مفتوحة على هدايات القرآن وأنواره، فلو جاء المسلم المنغمس في الآثام والدنايا، وكان يمتلك درجة ذكائية عالية ليقرأ القرآن، ولكن بقلب دنسته الآثام، فماذا سيقرأ من القرآن؟ سيقرأ من القرآن البعد الفكري، سيقرأ الخطاب الموجه للفكر، ولأنه لا يمتلك أداة فهم الخطاب الموجه للقلب فإنه لن يقرأ القرآن في خطابه القلبي، سيقرأ القرآن في خطابه الفكري لكنه لن يقرأ القلب في خطابه للقلب.

حين أأتي بمستواي العلمي المتدني في عالم الفلك، أو في عالم السياسية، أو في عالم النفس، أو في عالم الاجتماع، لن أكون قادرا على خطاب القرآن للخبرة في هذه الأبعاد، للعقل في هذه الأبعاد، أنا ليس لي عقل فلكي، ليس لي عقل نفسي -في عالم النفس-، ليس لي عقل في عالم الاجتماع، ليس لي عقل في عالم السياسية، فإذن أنا أفقد القدرة على سمع الخطاب الذي يتحدث عن هذه الجنبات في القرآن، لكن إذا أتى عالم فلك كبير أستطاع أن يفهم القرآن في هذا البعد، في البعد السياسي يحتاج إلى خبرة سياسية حتى نفهم القرآن سياسيا. الأديب العربي الراقي الأدب هل أستطيع أنا بمستواي الفاقد لفن الأدب اللغوي، هل أستطيع أن أتتلمذ على القرآن في جانبه الأدبي؟ أفهم من لآلئه، أستخرج من أسراره ما يفهم الأدبي العربي المحلق؟ لا. مثلا ميخائيل نعيمة هو مسيحي، جورج غرداق هو مسيحي، آخرون أدباء مسيحيين عرب، أجادوا اللغة العربية سواء كانوا أصلا لسانهم عربي في الأصل أو لساني غير عربي في الأصل، ولكن من أجاد اللغة العربية تماما وتوغل فيها، وملك ناصيتها كما يعبرون، وارتفع مستواه في الأدب، هل تكون لي حصيلة أدبية من القرآن كما تكون له؟ لا. يمكن لجورج غرداق إذا كانت له روح قابلة للإيمان أن يخرج بقناعة بأن القرآن كتاب الله من خلال خطاب القرآن الأدبي للمستوى الأدبي لغرداق، هذا الخطاب القرآني الأدبي يستطيع أن يقنع جورج غرادق بأن القرآن كتاب الله تبارك وتعالى، أنا لا أستطيع أن أصل إلى معجزة قرآنية من خلال الأدب القرآني، القرآن الكريم يمكن أن يقدم لك معجزة من خلال مستواه الأدبي، لكن يقدمه لمن؟ يقدم معجزة على أنه كتاب الله من خلال الخطاب الأدبي لمن كان يفهم الأدب، من كان يستذوق الأدب، لمن كان يميز بين المستويات الأدبية، هكذا يمكن لشخص من الأشخاص أن يدخل الإسلام من خلال بوابة مستوى الفهم السياسي من خلال القرآن الكريم.

فقراءة القرآن الكريم تحتاج إلى فطرة صافية، تحتاج إلى عقل نابه، عقل غير ملوث، تحتاج إلى بنيه علمية رصينة ومتقدمة، تحتاج إلى إلمام بأكثر من بعد من أبعاد العلوم، كلما توفر الإنسان على نصيب أكبر في هذه الجوانب كلما استطاع أن يقرأ القرآن بدقة أكبر، وأن يخرج من القرآن بحصيلة أكبر. مثلا الجيولوجيين يخرجون بفوائد علمية قرآنية مما يتصل بمجالهم العلمي، الفلكيون كذلك. أنا أمر على الآية الفلكية أفهما بالمستوى السطحي، الفلكي لما يقرأ الآية الفلكية في القرآن يعرف أن القرآن ليس من وضع محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم.

فنحن محتاجون إلى تربية عقلية، وإلى تربية نفسية، وإلى خبرة أوسع، وإلى انفتاح أكبر على العلوم من أجل أن نملك أدوات أكثر وأدق لقراءة القرآن الكريم.

القرآن يخاطب العقل والقلب، “كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ” ص/19، إذا حملنا التدبر تدبر عقل، ويمكن أن يكون تدبر قلب، القلب يتدبر فيما يخصه والعقل يتدبر فيما يخصه، وآية ثانية ظاهرة في القلب “أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ” الحديد/16، القلوب الواعية والنظيفة، القلوب الطاهرة، القلوب التي لم تسلب منها فطرتها، التي لم يسرق منها النور -نور الفطرة-، القلوب التي لم تطمر فطرتها هي قلوب تخشع لما نزل من الحق، فيما نزل لغة هذا النازل من الحق تجعل القلوب تخشع، ولماذا لا يخشع قلبي؟ هل هو نقص في المقتضي؟ أو نقص في القابل؟ في الحقيقة نقص في القابل، القلب ليس قابل، القرآن له يحمل مقتضى إخشاع القلوب، أن تخشع له القلوب وأن تخشى، وأن تلين، وأن تطمئن، وأن توجل، ولكن يريد قلوبا حية، إذا كان القلب حيا، ومدركا، وشاعرا، لابد أن يأتي منه الخشوع، يأتي الوجل، يأتي الخوف، تأتي الخشية، يأتي الاطمئنان.

أما القلوب التي صاغتها الأرض وأخلاقيات الأرض، وأطماع الأرض، وأرجاس الأرض، وأوثان الأرض، هذه قلوب تفقد صلاحية الخشوع للقرآن، الجبل لو نزلت لغة قرآنية تتناسب مع الجبل لتصدع الجبل. القرآن لغة متناسبة مع هذا القلب البشري، وفيه مقتض كاف جدا؛ لأن يخشع القلب البشري من أجله، ويلين أمامه، ولكن الشرط مفقود، وهو أن تبقى هذه القلوب على قابليتها. القلوب تفقد حياتها في ظل الارتباط بالأرض وقيم الأرض، والتلوث بالسيئات والمنكرات، وأي عضو يفقد الحياة، وبمقدار ما يفقد الحياة، يفقد القدرة على الاستشعار، ويفقد من القدرة على الإحساس، وعلى الاستجابة للمنبهات وعوامل التأثير الخارجي، اليد الشلاء لا تستجيب للمؤثرات، والعين والعمياء لا تستجيب للإشارة، والأذن الصماء لا تسمع، اليد الشلاء لا تنفر من الحرارة؛ لأنها لا تشعر بالحرارة.

يقول الإمام علي عليه السلام حسب المروي عنه، نقلته من ميزان الحكمة عن النهج “إلى الله أشكوا من معشر يعيشون جهالا، ويمتون ضلالا، ليس لهم سلعة أبور من الكتاب” بائر معناه غير نافع، لا يمشي، والسلعة البائرة لا رواج لها، لا تنفق في الأسواق، ليس عليها إقبال. “ليس لهم سلعة أبور من الكتاب -كتاب الله عز وجل- إذا تلي القرآن حق تلاوته” المطلوب أن يتلى القرآن حق التلاوة، وليس التلاوة الهزلية، وليس التلاوة السطحية، وليس التلاوة البلهاء، وليس التلاوة التسلية، لا حق التلاوة. ما حق التلاوة؟ التلاوة التي تمثل التلاوة الحقة، تقول الآية الكريمة ” الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ” البقرة/121، هناك نسبة طردية أو إطرادية بين أن نتلو الكتاب حق تلاوته، وبين أن نؤمن به، كلما استطعنا أن نتلوه حق التلاوة كلما أعطنا درجة أكبر من الإيمان والانشداد إليه، وعندئذ يرخص علينا كل شيء في سبيل القرآن، وكلما كانت تلاوتنا له مازحة، مستخفة، هزلية، شهرة، كلما فقدنا فهم القرآن، والارتباط القلبي بالقرآن، وانفصلنا عن النور القرآن.

ويمكن أن نفهم من الآية الكريمة أن الذين يؤمنون بالكتاب يتلونه حق تلاوته، يبذلون الجهد الجهيد، ولا يألون جهدا في سبيل الوصول إلى أن يتلوه حق تلاوته، أما الذين لا يؤمنون بالكتاب فهم لا يعرفون قيمته، ولا يعرفون أنه الكنز الثمين الذي لا يمكن أن تنفذ عطاءاته، وأن مسيرة الحياة كلها تتوقف في صعودها ونزولها على القرب من القرآن ومن البعد من القرآن، الذين لا يؤمنون لا يعرفون هذا القرآن، فَهُم يتعامون معه تعاملا مستخفا، أما الذين آمنوا بالكتاب فلا يرضون من تلاوته إلا التلاوة الحقة، ” الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ” البقرة/ 121، عن الإمام علي عليه السلام يقول في المروي عنه “إلى الله أشكو من معشر يعيشون جهالا، ويموتون ضلالا، ليس لهم سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته، ولا سلعة انفق بيعا، ولا أغلى من الكتاب إذا حرف عن مواضعه” هناك جهات، هناك مؤسسات، هناك أحزاب، هناك حكومات يعز عليها الكتاب ويرخص، وتشتري حملة الكتاب بأغلى ثمن، وتقتل حملة الكتب شر قتله.

الكتاب المحرف في مضامينه، الكتاب المظلوم في فهمه، الكتاب المعتدى عليه في أفكاره، في رؤاه، في طروحاته، هناك جهات، حكومات، دول كبرى، صغرى، مسلمة، غير مسلمه، تشتري هذا الكتاب، تحتضنه، تحتضن أهله، قراءه، مفسريه،دعاته، وغيرهم. أي كتاب؟ الكتاب المحرف. يغلى ثمنه، عمامة كبيرة، عنده كبير إلمام بالكتاب، تملك أن تحاجج، تملك أن تظهر في التلفزيون وتتحدث بلغة الكتب، وتملك جماهير من أتباع الكتاب، ولكنها تخون الكتاب، هذه تكون غالية على عدد من الحكومات، وهذا الفهم من الكتاب يكون محتضنا، وتنشأ له مؤسسات، وتوضع له الميزانيات الضخمة.

أما الكتاب حيث الفهم الدقيق، الصادق، الكتاب الموحد، الكتاب الذي لا يخون ربه، حملة الكتاب الذين يصرون على الفهم الإسلامي الأصيل، حملة الكتاب الذين لا يساومون على القرآن، حملة الكتاب الذين لا يحاولون أن لا يغادرون خط القرآن شعره وأن لم يستطيعوا، أولئك أبور سلعة، ذاك عالم وهذا عالم، العالم عالم الكتاب المحرف، صاحب الفهم المحرف للكتاب له منصبه، القنوات الإعلامية تيسر له، وتفتح له المؤسسات. العالم الثاني المتمسك بالكتاب لابد أن يحارب، لابد أن يلغى، لابد أن يهمش، هذا ما تقوله كلمته عليه السلام، كأنه يقرأ زمن يزيد وما بعد زمن يزيد، صلوات الله وسلامه عليه “إلى الله أشكو من معشر يعيشون جهالا، ويموتون ضلالا، ليس لهم سلعة أبور من الكتاب” متى؟ “إذا تلي حق تلاوته” يعني حق تلاوته التي تحافظ على مفاهيمه، تلاوة المعنى، فهم المعنى ، قراءة المعنى، “ولا سلعة انفق بيعا، ولا أغلى من الكتاب إذا حرف عن مواضعه“.

القرآن وشهر رمضان

“شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ” حبذا كثيرا أن لو دخل في كل مجلس وجلسة قرآنية، دخل عنصر محاولة طرح شيء من فهم القرآن الكريم، في كل ليلة آية واحدة، إذا كان المجلس يقرأ جزأين من القرآن الكريم فيخصص بعض الوقت لتدارس الآية تحت إشراف عالم، واجب أن تحدث عندنا نهضة قرآنية تدخل في عالم دراسة المعنى، الاهتمام بالقرآن الكريم على مراحل، مرحلة اللفظ، مرحلة المعنى، مرحلة تطبيق المعنى على النفس وعلى الأسرة وعلى المجتمع، الدعوة إلى الفهم القرآني وإلى المنهج القرآني. حظنا في كثير من هذه المراحل القليل، وعلينا أن نتحرك في وجه الطوفان العارم الجارف، طواف الغزو الثقافي المعادي.

“شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ” قراءة القرآن الكريم القراءة اللفظية وحدها لن تعطي هذه النتائج، نتائج أن يكون القرآن بينات من الهدى، أمور واضحة من الهدى، وأن يكون فرقانا في عقل الإنسان المسلم، وفي قلب الإنسان المسلم، وفي الخيارات العلمية للإنسان المسلم، وأن كان في كل قراءة قرآنية إذا خلصت وعلى أي مستو من المستويات عطاء كبير، ولكن العطاء الذي يمكن أن نواجه به الزحف الحضاري المعادي هو عطاء تدارس المعنى القرآني، والمضامين القرآنية، وأهداف القرآن، وأن نستخرج من القرآن ما يقنع الإنسان المسلم بأنه كتاب الهداية الإلهية، والذي لا تستغني عنه الحياة.

كيف نقنع الإنسان المسلم؟ الشاب المسلم؟ بأن نستخرج علوم، بأن نستخرج رؤى، بأن تستخرج أطروحات سياسية، أطروحات اجتماعية، أطروحات في مختلف الميادين من آيات الكتاب الكريم. هنأكم الله بارتباطكم بالكتاب القرآن، وأحدث الله على أيديكم المباركة ثورة قرآنية في المجتمع الهامد؛ لتتحرك فيه الحياة، وتشتد وتزهر وتزهو.

والحمد لله رب العالمين.