كلمة آية الله قاسم في مؤتمر عاشوراء – العلمائي

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين والطاهرين واللعن على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

بارك الله لهذا المجلس الميمون نشاطه الإسلامي وسعيه في سبيل إصلاح المجتمع، والإسهام في تقدم الأمة على خط الإسلام، ثبت الله هذا المجلس على الخط الإسلامي النقي الأصيل وأخذ بيده إلى مراشد الدين وما يرضيه سبحانه وتعالى. أحيي وأرحب بهذا الوجه المؤمنة الكريمة التي اختارت الإسلام طريقا لا بديل عنه، هذه كلمة لا جديد فيها وإنما تأتي تذكرة لي ولأخوتي المؤمنين بما عليه أهمية دين الله تبارك وتعالى وما تعنيه الأمانة الدينية من مسؤولية ثقيلة نُسأل عنها.

يتشكل الإسلام بعد عقيدته المتينة الصلبة الضاربة بجذورها في عقل الإنسان ووجدانه، وفي كل ذرة من ذرات الكون العريض، وبصورة جلية صارخة، وبعد منظومة لئلاءة من القيم الرفيعة الأصيلة المترشحة عن شمس العقيدة من نسيج تشريعي متين واسع يغطي مساحة النشاط البشري، ويلبي حاجات الحياة في جانبيَّ الروح و البدن، ويعد الإنسان أتم إعداد لمواجهة المستقبل القريب، والبعيد في حياته الدنيا الآخرة.

ويعد النظام العبادي، والشعائر مكونا أساسا في هذا النسيج، ونظاما يعطي عناية كبرى لصلاح الروح، وتزكيتها، والارتفاع بالمستوى المعنوي لحياة الأفراد والمجتمعات نتيجة ارتفاعها، في حين أن هذا النظام يعالج بصورة مسهمة فعالة ومؤثرة مشكلات المادة، ويثري أوضاعها، المعيشية والخدمية، و يضعها على خط الغاية الكبرى لحياة الإنسان في الأرض و المنتهية في يوم من الأيام لتكون بلا قيمة بلا تلك الغاية، ومصيبة كبرى لمن خسرها.

وقد أحكم نظام العبادة والشعائر المعتمدة إسلاما إحكاما دقيقا وعميقا وشاملا مما يعبر عن عظمة الإسلام وإعجازه، وجاءت العبادات والشعائر توقيفية لا تدخل لليد البشرية فيها لشيء ابتداء، واستمرارا كذلك حماية لها من العبث والتلاعب والاجتهادات الكيفية، والاقتراحات البشرية القاصرة.

أما الموكب الحسيني والذي إذا أخذ فيه بالضوابط الشرعية كان أسلوبا مباحا ومؤثرا ومباركا من أساليب إحياء الإسلام وذكر أهل البيت عليهم السلام والذي هو اللب والغاية والمصحح لكل ما يعنيه الموكب اليوم من جهد وعناء وبذل، فأمره متروك للضوابط الشرعية العامة التي يعرفها فقهاء الإسلام وعلماء الفقه، ويتحملون مسؤوليتها دون العامة،الذين يأخذون الرأي في هذا المجال وغيره من الفقهاء والنقلة عنهم.

إن الموكب وهو أسلوب مبتكر على طريق إحياء ذكرى عاشوراء، وإعطائها الحضور الشعبي الواسع في حياة المجتمع المؤمن لا يملك ما تملكه شعيرة مثل شعيرة الصلاة والحج والصوم من تحديد فقهي خاص، انصبت أحكامه على عنوان الصلاة أو الحج أو الصوم، وبحوث فقهية مكثفة متخصصة على أرفع المستويات العلمية المتاحة، وقد ترك الموكب للعقلية العامية تتصرف فيه لمدى زمن طويل، وحتى التدخلات الفقهية الاجتهادية التي يضطرها الوضع لمعالجة بعض المشكلات المختلف عليها لا تنجو من مشاغبة العقلية العامية وتدخلاتها وضغوطها لما قد يشعر به الشارع من ارتباطه العملي بهذه المسألة أكثر من ارتباط الفقهاء، وما قد يتصوره من أن أذن الفقهاء في أصل الموكب أذن في كل التفاصيل التي لا سابق تحديد لها خلاف ما جاءت به الشريعة من عبادات وشعائر قد حسم أمر جزئياتها أو كلياتها الخاصة بها سلفا، وبتصوري أنك إذا أحببت كان لك أن تفعل ما تريد تعبيرا عن حبك، ولعدم الالتفات إلى دقة الشريعة وشمولها، وأن لكل شيء حدا في دين الله. هذا التسامح في العقلية العامة يفتح الباب لاجتهادات مختلفة منها ما يضر بالدين كثيرا.

والموكب وقد ترك لاجتهادات الشارع لمدى طويل لابد أن يدخله التشويه، والغريب وغير الصحيح الذي يؤثره على نقائه وصفائه الإسلامي، وينحرف به بدرجة وأخرى عن خط أهدافه، ويصيبه بالعلل المتراكمة، ويبقي أبوابه مفتوحة لاستغلاله استغلالا سيئا من الجاهل، والمنافق، وحتى العدو المجاهر.

فلابد من إصلاح، ولا طريق له إلا بإشراف فقهي وإخضاع للموكب بعامل وجوده ونشاطه وتكوينه وملابساته لسلطان الفتوى الفقهية مع الدفع به مضمونا وأداء على طريق التطوير الايجابي المنشد إلى الحكم الشرعي.

والموكب اليوم وقد صار يمتلك الحضور الشعبي الواسع، ويبلغ صوته إلى آفاق بعيدة، ويغطي بامتداداته مساحات جغرافية واسعة من أرض الإسلام ، وغيرها ، ويعد في النظر العام معبرا عن الفكر الشيعي، ويترك آثارا عميقة في فكر وروح ونفسية شرائح شيعية واسعة، ويقبل عليه بأكثر من صورة جمهور شبابي كبير لم يعد مناسبا أبدا أن يهمل من جهة المثقف الإسلامي النابه، والعالم الديني الغيور، والفقيه المتخصص المخلص، وان يترك لاجتهادات الشارع المتضاربة وإضافاته المفتوحة في صورة من الابتسار.

وإذا وضعت مسائل الموكب في إطار البحث العلمي الاجتهادي عند الفقهاء وإن تعرض بعضها للخلاف، وشذ فيها الرأي أحيانا إلا أن ذلك هو السائد في مجال الحكم الاجتهادي في كل المساحة الفقهية والمتعين الأخذ به في قبال فوضى الآراء غير المتخصصة؛ على أن الأخذ مما عليه الاتفاق في هذه المسألة الدينية الاجتماعية الواسعة، والتي يستتبع الخلاف العملي والانقسامات الفئوية فيها ممارسة بتضاربه على الأرض تضر بالواقع الديني والمؤمنين أيما ضرر.

ولا تفريط في دين الله على الإطلاق إذا لم يتعامل مع هذا الأسلوب بخصوصه من الأساليب التي يجري حولها الخلاف في مسألة الموكب في ضوء وجود البدائل، ولا ضير أبدا خاصة إذا جاء ذلك مراعاة للمصلحة الدينية ووحدة المؤمنين. على أنه في كل الأحوال لا ينبغي أن يفرقنا هذا الاجتهاد أو ذاك الاجتهاد في مثل هذه المسألة، ينبغي في الأصل أن نأخذ بما يكون التوافق عليه؛ لأننا لن نفرط ولن نضحي بواجب من الواجبات ولا بسنة مفروغ منها بعيدة عن دائرة النقاش، إلا أنه إذا أراد المكلف أن يتمسك بما عليه اجتهاد فقيهه فليس لنا أن نحدث خلافا في الساحة على هذا الأساس.

وماذا على الموكب أن يطرح ويعالج؟ الموكب لا يأخذ بغير رؤى الإسلام، ولا تكون معالجاته للقضايا خارج أحكامه، ولا ينسى أن يؤصل في فكر الناس ونفوسهم مفاهيمه وقيمه وأحكامه، ولا يهمل ما يدور في معترك الساحات المؤثرة القريبة والبعيدة مما يمكن طرحه ومما يمكن معالجته ومما يؤثر على إسلام المسلم واستقامته فكرا وسلوكا، وموضوعيا، ونصرة وخذلانا للإسلام.

إن الموكب يشارك المنبر، والمسجد، وسائر وسائل الإعلام الإسلامي والشعائر الإسلامية في تثبيت الإسلام والتوعية على أهدافه وقيمه وتعاليمه، والذود عنه، وتصحيح الأوضاع الفكرية والنفسية والعملية على ضوئه وهداه، والأخذ بإنسانه على طريق رقيه وسعادته وليس من طريق لذلك إلا طريق عبودية لربه في كل مساحة حياته، والتمسك بمنهجه المنقذ من كل المنزلقات والمنحدرات والخسائر، والمنتج للحياة الرغيدة، والآخرة السديدة.

عمليا تحضرني محاولاتها به لإحداث بعض الإصلاح في الموكب ويمكن أن تخضع لدراسة المجلس والمهتمين بهذا الأمر:

أولا: أن يشكل جهاز واع ومتوفر على قدرة التأثير من بعض العناصر المؤمنة للتعاون ولو مع البعض القليل من المواكب الغنية بالعناصر الواعية والمؤمنة بالتغيير من أجل الاقتراب بدرجة أكبر بالموكب في شكله ومضمونه من الصورة الإسلامية المشعة البريئة من الجهالات ومن كل ما لا يليق.

ثانيا: أن يصمم لموكب مستحدث بحيث يكون قدوة من ناحية النقاء والصفاء والجدية والالتزام الإسلامي والجاذبية والتأثير العملي النافع، وليكن ذلك ولو في قرية صغيرة ابتداء، ولو في أوقات غير الأوقات الذي يشغلها الموكب المعتاد. ويملك المنشئون للقصيدة والمنشدون فرصة كبيرة للأخذ بالموكب من هذه الناحية في الاتجاه الصحيح، ويتحملون مسؤولية دينية ثقيلة في هذا المجال، ولا بد من الإشراف العلمائي الدقيق على هذه الزاوية من النشاط المنسوب للدين والمؤثر على الواقع الديني بدرجة عالية.

أحياكم ثانية وأبارك لكم جديتكم الإسلامية، وتوجهكم للإنقاذ الإسلام من كل دخيل وغفر لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.