لمَ كانت كربلاء؟

لِمَ كانت كربلاء؟

أقامت هيئة المؤمن الإسلاميّة بقرية الدّير لقاءً خاصًّا مع القائد سماحة آية الله الشيخ عيسى قاسم (دام ظلّه)، ودُعي للّقاء علماء وأساتذة ومؤسّسات وإدارات المواكب ومآتم قرية الدّير، وذلك في يوم الأربعاء ليلة الخميس 9/12/2009م في مأتم الإمام المنتظر (عجّل الله فَرَجَه).

كلمة سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم

أعوذ بالله السميع العليم من الشّيطان الغويّ الرّجيم
بسم الله الرّحمن الرّحيم
والحمد الله ربّ العلمين والصّلاة والسّلام على محمّد وآل محمد

* عطاءات عاشوراء
عاشوراء ذات عطاءات متعدِّدة، قابليّة عاشوراء للعطاء قابليّة فوق ما نتصوّر، وهي مدرسة واسعة، دروسها ليست في بعد واحدٍ من أبعاد الإنسانيّة وأبعاد الإسلام، لها دروسها الفكريّة، ولها دروسها الإيمانيّة، دروسها التّضحويّه، دروسها في العزّة والكرامة والإباء، دروسها في السياسة، دروسها في التّخطيط، دروسها في الانضباط، دروسها في الرّساليّة الصّلبة، مدرسةٌ يمكن أنْ تغذِّي حاجة الأمّة وحاجة الإنسانيّة في صورة واسعة جدًّا.
صحيحٌ أنَّنا لا نفهم الكثير، ولا نستفيد الكثير من كربلاء بالقياس إلى ما هي عليه من قدرة عطاء، ونحتاح لأنْ نتقدّم في الاستفادة من عطاءات كربلاء، ومن إمداداتها وإرفادها أنْ ترتفع بمستوانا.
فالأستاذ في كربلاء فوق كلّ الدّنيا – بعد جدِّه (صلّى الله عليه وآله)، وأبيه، وأخيه -.
أستاذٌ بذلك المستوى العظيم الذي اصطفاه الله (عزّ وجلّ)؛ كي يقود البشريّة، وأنْ يُعلِّم الأجيال، وأنْ يكون أمين الله تعالى في أرضه على دين النّاس ودنياهم.
أستاذ لا يُستنفذ عطاءه من قبل الآخرين.
نحتاج أنْ نرتفع بمستوانا كثيرًا؛ لنقترب من أستاذ الحياة، من أستاذ الإنسانيّة الإمام الحسين (عليه السلام) – ولو قليلاً -.
نحن أمام موسم أعدَّ له الدِّين، وتضحيات الإمام الحسين (عليه السلام)، هذا ميراثٌ من ميراث كربلاء، وأمانة من أماناتها، ورسالة من رسالاتها، وموسم من تخطيطها.

* لِمَ كانت كربلاء؟
لِمَ كانت كربلاء؟
كي تعود الأمّة إلى الإسلام، كي تحكم كلمة الله تعالى – تحكم الفكر، وتحكم الضمير، تحكم القلوب، المشاعر، تحكم الأوضاع العمليّة -.
كانت للعودة بالإنسان إلى الخطّ – الخطّ الواصل، الخطّ البالغ إلى الغاية -، كانت كربلاء من أجل أنْ لا يسجُد أحدٌ في الأرض لغير الله (تبارك وتعالى).
كانت لصناعة الإنسان على عين الله تعالى، وما لم يُصنع الإنسان – في تربيته، وفي سياسته، في اقتصاده، في اجتماعه، في كلِّ شؤونه – على عين الله سبحانه لن يبلُغ.
والذين يطلبون أنْ تستقيم الحياة، وأنْ يحكم في الأرض العدلُ، وأنْ يشعر الإنسان بالرّاحة، والاقتناع بالحياة والوثوق بنفسه، الذين يطمعون في ذلك، ويتّجهون إلى خطّ آخر غير خطّ الله تعالى؛ ليحقّقوا هذه الغاية إنّما يطلبون السّراب، إنّما يطلبون السّراب!
استقامة الأوضاع الدّنيويّة بأنْ تكون أوضاعَ عدل، وأوضاع إنتاج مثمر، أوضاع إخلاص ووفاء وصدق وأمانة، أوضاع تبادل ثقة، أوضاع أطمئنان، أوضاع رخاء، أوضاع أمن سياسيّ، وأمن اجتماعيّ، وأمن ديني، وأمن اقتصاديّ، وأمن صحّيّ، كلُّ ذلك يحتاج إلى ضمير، ضمير طاهر لا رجس، ضمير نقيّ لا ملوّث، ضمير مخلص لا خائن، وكيف يُصنع هذا الضمير؟
أيّ شي يمكن أنْ يَصنَع لك ضميرًا طاهرًا نقيًّا صافيًا، فلا تَغُشَّ في تجارتك، ولا تُدنِّس في عملك، وتُعطي أكبر طاقة ممكنة تملكها في سبيل الصّالح العام؟
متى يُخلص الطبيب للمريض؟
ومتى يتفانى المدرِّس في خدمة التّلميذ؟
ومتى يصدق الحاكم مع المحكوم؟
متى تَصُحّ كلّ ظواهر الحياة؟
ومتى تصفو النيّة، ويخلو الضّمير من الكيد للآخر، من الميل للكيد للآخر، من الأخذ بالإضرار بالآخر، من استغلال الآخر؟
متى نحصل على إنتاج متقدِّم ومأمون؟ وعلى تجارة لا تَستغل الإنسان؟
على إنسان لا يلوِّث البيئة، ويتسبّب في قتل الملايين من أجل مصالحه الماديّة؟
كلّ ذلك يحتاج إلى ضمير، ومَن الذي يصنع الضمير غير خوف الله تعالى، غير حبّ الله سبحانه، غير رجاء الله (جلّ وعلا)، غير توحيد الله (عزّ وجل)؟
لا شيء، لا شيء غير الارتباط بالله تبارك وتعالى، وإخلاص العبوديّة له يمكن أنْ يُنتج ضميرًا طاهرًا صافيًا نقيًّا، ملؤه الإخلاص، والوفاء، والحبّ لخير الآخر، والأمانة.
كربلاء تستهدف إصلاح الدّنيا، وتخليص النّاس من مشكلاتٍ ثقُلت على قلوبهم، وعقولهم، وأنفسهم قبل كواهلهم، لكن كانت تهتدي الطّريق إلى تخليص النّاس من ظلم الأمويّ – من الظّلم، الظّلم الأمويّ جزئيَّة، مصداق – ماذا لو أطاح الإمام الحسين (عليه السلام) بالحكم الأمويّ ولم يستطع أنْ يصنع الإنسان، فجاء حكمٌ بديل؛ ليكون على مستوى الحكم الأمويّ، أو أشرّ منه؟!
لا بدَّ لإنتاج وضعيّة إنسانيّة سليمة، وضع خارجيّ إنسانيّ – على المستوى الاجتماعيّ، على المستوى السياسيّ، على المستوى الاقتصاديّ، على المستوى الأمنيّ -؛ من أجل إنتاج هذا الوضع، وأنْ يكون سليمًا لابدّ من ضمير، فإذًا لا بدَّ من دين يصنع هذا الضّمير، لا بدّ من قِيم دينيّة، لا بدّ من عقليّة دينيّة، لا بدّ من مشاعر دينيّة، لا بدّ من هدف دينيّ، لا بدّ من سلوكيّات دينيّة؛ ليُصنع الوضع الذي يطمح إليه كلّ إنسان في الأرض – الوضع العادل، والوضع الهانئ، والوضع المريح، والذي لا يتناقض مع ما بُنيت عليه فطرة الإنسان، وما هو عليه من انشداد للإنسان بالله تبارك وتعالى، ومن تفكير في المستقبل البعيد – المستقبل الأخرويّ -، ومن تعلّق بالعدل، وتعلق بالصّدق، وتعلّق بالأمانة.
ماذا لو تضاعف الإنتاج القوميّ مئات المرّات في بلد من البلدان، وتقدّمت الزّراعة، والصّناعة، وكلّ مرافق الحياة الاقتصاديّة، لكن بقي الإنسان على أثَرَته وأنانيّته، وماديّته التي لا تشبع أحدًا، فأكل القويّ الضّعيف، وتجمّعت الثّروة الهائلة بأيدي نفرٍ قليلٍ؛ ليبطروا، ويتفرعنوا، ويُذلّوا الآخرين؟
الكلام ليس عن إنتاج اقتصاديّ واسع، اقتصاد متواضع مع إنسان غنيّ بإنسانيّته، عنده شفافية ضمير، عنده إيمان بالله تعالى في نفسه، يُسعد النّاس أضعاف المرّات، ويضعهم على الطّريق الصّحيح وهو الشيء الذي لا يستطيع اقتصاد متقدّم جدًّا من مجتمع فيه ذئاب مفترسه تقضم حقّ الآخر، وتعمل على إيصاله إلى حدّ الضّآلة؛ ليبقى له إمكانيّة استغلاله على طول الخطّ.

كيف نعالج أوضاعنا؟
نحن نُقدِم على محرّم، ونحن نعاني من مشكلات سياسيّة نعاني من واقع صعب، ومن سلب حقوقٍ، وما إلى ذلك، ولكن كيف نعالج الأوضاع؟
لن نستطيع أنْ نعالج أوضاعنا، ولن يستطيع أيّ مجتمع أخر – وإنْ كان يتقدّمنا مئات المرّات – أنْ يعالج أوضاعه من غير دين، من غير وعي دينيّ، فهم ديني، ضمير دينيّ، هدف دينيّ وإلاَّ أنا الذي سأواجه الحكم الظالم في أيّ مكان، فحينما يتحقّق لي شيءٌ من السّلطة والقوة إذا كانت بلا دين سأكون صورة أخرى من ذلك الظّالم، وربما كنت أشدّ.
ما جاء الدّين إلى الأرض عبثًا، ما نزَّل الله (عزّ وجلّ) دينًا حقًّا في الأرض والأرض مستغنية عنه، وما أرسل – كما في بعض الأخبار – 124 ألف نبيٍّ ورسولٍ والأرض مستغنية بفلاسفتها، بعلمائها، بفلكييها، إلى آخره، لا.. الله (عزّ وجلّ) لا يفعل شيئًا عبثًا لهوًا، كانت الأرض محتاجة إلى الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام)، ولازالت محتاجة إلى الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام) فيما ورَّثوه من عطاءات السّماء، عطاءات الوحي؛ لسدِّ حاجة الأرض، لسدِّ حاجات كلّ المجتمعات، ليست المجتمعات الأميّة فقط.
وما جاءت الرّسالة في يوم من الأيّام لحاجة المجتمعات الأميّة، والقرآن يؤكِّد على حاجة الإنسان – كلّ إنسان – للدِّين.

* إلى عشّاق مدرسة الحسين (عليه السلام)
هذه كلمة أخرى، وأنتم أبناء مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام)، وعُشّاقٌ من عُشّاقها، وشيعة من شيعتها، وكلُّنا – إنْ شاء الله تعالى – له انشداد إلى هدف الحسين (عليه السّلام) إنّما خرجت لإصلاح أمّة جدّي – لا بطرًا، ولا أشرًا -، وإنّما خرجت لإصلاح أمّة جدّي.
أقول الكلمة التي ترضي الله (عزّ وجلّ)، والتي توحِّد بين المؤمنين، وتجمع صفوفهم، وتعطي قوّة لأهل الإيمان، وتقدِّم درسًا للدّنيا بأنّ مدرسة الحسين (عليه السلام) لا زالت قادرة على الإصلاح، وإذا لم تُصلِح مدرسة الحسين (عليه السلام) أتباعها، ولم يُقدِّم أتباعها دليلاً على هذه الحالة من الإصلاح، فكيف يُصدِّق الآخرون بأنّ مدرسة الحسين (عليه السلام) قادرة على البناء، وقادرة على الإصلاح، وقادرة على التّقدّم بالمجتمع؟
شهر محرَّم – كما تقدَّم – شهرُ فكرٍ أصيلٍ، وقويّ ونفّاذ ومقنع، فلنُظهِر كربلاء من خلال هذا الفكر، وأنّ نقدِّم من خلال منابرنا، ومن خلال مواكبنا، دليلاً على أنَّ مدرسة الحسين (عليه السلام)، فكرها، لهو الفكر الأصيل، والفكر القادر على الإقناع، الفكر الذي يبلور القضايا ويقدمها مبرهنًا عليها، وكربلاء يوم العزّة والإباء والشّموخ، فلنحتفظ بعزّة النّفس وكرامتها وشموخها وإبائها، ولا نعطي يدًا للذّلة.
كربلاء يوم العواطف الإنسانية الكريمة، ولقد أبقت كربلاء أجيالاً من الأمّة الإسلاميّة على خطّ الإسلام – بالصّورة الإجماليّة – من خلال ما تثيره أحداثها المؤلمة ورزاياها العظيمة ومواقفها الجليلة، مواقف البطولة والتّضحية في سبيل الحقّ الواضح الوضَّاء، ما يثيره كلّ ذلك من عواطف إنسانيّة، وما لكربلاء من خطاب صادق في قلب الإنسان، في وجدانه الأصيل، استطاعت تلك الثّورة أنْ تشدَّ إليها أجيالاً بعد أجيال، وإذا أنشدَّت إلى كربلاء فانشدادها للإسلام، إنشدادها إلى الله تبارك وتعالى.
موسم عاشوراء لا بدّ أنْ يجاري ويحاكي كربلاء في عطاءاتها.
لا بدَّ من عطاءٍ فكريّ، ولا بدَّ من عطاءٍ عاطفيّ، ولا بدَّ من عطاءٍ إراديّ، تنشيط الإرادة، رفع مستوى الإرادة، إنقاذ الإرادة من حالة التّردّي والسّقوط، الإرادة الإيمانيّة، الإرادة الواعية، الإرادة التي لا تقتنع بالأهداف الصّغيرة، والخطوات القصيرة، وإنّما هي إرادة إيمانيّة لها مثلها الأعلى الذي لا مثل أعلى دونه، وهو الله تبارك وتعالى، الإرادة الإيمانيّة اتجاهها لله (عزّ وجلّ).

* لابدَّ من انضباط
لا بدَّ من انضباط، كربلاء كلّها انضباط؛ أيّ مقاتلٍ في كربلاء ما كان يتقدَّم أمر الحسين (عليه السلام)، كان أحدهم يحترق؛ من أجل نيل الشّهادة، ولكنّه لم يكن يراها شهادةً إلاَّ بأنْ يكون إذنٌ من الحسين (عليه السلام).
كانت عواطفهم مشبوبة، ونفوسهم تغلي، وإباؤهم وشموخهم يريد أنْ يسارع بخطاهم إلى الموت، إلى الشّهادة، ولكن قد رُبُّوا على أنَّ العاطفة يجب أنْ تسير في الخطّ الإلهيّ الصّحيح. وعي العباس (عليه السلام)، فهمه السياسيّ، إيمانه الكبير، شجاعته، استهانته بالموت ما كانت تسمح له بأنْ يتقدَّم الإمام الحسين (عليه السلام) في كلمة.
وهذا مكتوب ليس على من يكون تحت ظلِّ راية الحسين (عليه السلام) مباشرة فقط.
كان لمالك الأشتر، أو محمد بن أبي بكر مثلاً، وهو والٍ من ولاة أمير المؤمنين (عليه السلام) أنْ لا يتقدّمه أهلُ مِصْرَ، وأهلُ أيِّ مصرٍ كان واليًا عليه.
حتى على مستوى (الحلقة)، مستوى منظّمي الموكب، ينبغي الانضباط، ينبغي الانضباط وإعطاء صلاحيّة توقيف الحلقة، تنشيط الحلقة، يجب أنْ ينطبع موسمنا القادم بطابع الانضباط الكامل، حتى على مستوى (الحلقة)، أوقات العزاء، أوقات القراءة، وما إلى ذلك.
نحن أمام تحدٍّ، هذا التّحدّي هذه صورته: هل نستطيع أنْ نجسِّد حالة الانضباط في كربلاء؟ في موسمنا العاشورائيّ القادم، ولو بنسبة خمسة في المائة؟
كانت المرأة وعواطفها المحترقة – التي تتميَّز بها المرأة – محكومةً بفكر الحسين (عليه السلام)، بأمر الحسين (عليه السلام) بنهي الحسين (عليه السلام)، وكان الطفل المُميِّز، والذين ممّن تدفعهم أمّهاتهم إلى الجهاد، أو ممّن يأخذهم الحماس للدّخول في المعركة لا يتقدَّمون الحسين (عليه السلام)، من الرّجل الشيخ الكبير إلى الطّفل الصّغير، كانوا يتلقّون أوامرهم من مركزٍ واحد، من قيادةٍ واحدةٍ – هي قيادة المعصوم (عليه السّلام)، بلا تأخُّر ولا تقدُّم، – المتقدّم لهم والمتأخّر عنهم -، علّمنا الإسلام هكذا، ولن تنجح أمّةٌ تختلف داخل بيتها، وداخل حيِّها، وداخل قريتها، وداخل قِطرها، وفي إطارها الوسيع.
في الغرب وديمقراطيّته، هناك صورة من الانضباط، وطبعًا تحت وطأة شبكة قوانين مُحكمة، مضيَّقه جدًّا، وتحت رقابة، وما إلى ذلك، نحن يجب أنْ يكون الانضباط من داخل ضمائرنا، ومن وحي مدرستنا الإيمانيّة.

* المحاسبة مع النفس
نقطة أثيرها لكم أيّها الكرام بين أيديكم، وهي أنّ باني الحسينية ودافع الفلس، والمشارك في الموكب، والمشارك بالحضور في الحسينيّة يُطلب منه أنْ يدخل مع نفسه في محاسبة، كم من هذا الفعل لله، وكم منه لغيره؟
وأنا أدفع الدّينار أدخل في محاسبة مع نفسي – ترى خسارة هذا الدِّينار تدفعه، ينفع لولدك – إذا دفعته لشهرة الدّنيا، وليقال: فلان قد دفع، أو للمجاملة، فإنّ فاعلاً لخير أو شر بغير إذن الله تعالى لا يوجد، هذه عبادة للغير، وأيّ معبود آخر دون الله (عزّ وجلّ) لا يمكن أنْ يُقدِّم أو يؤخِّر.
وقِفْ في محاسبة مع النّفس حتى تحملها – ولو بعد جدل – على أنْ يكون هذا الدّفع، وهذا الدّينار لوجه الله (عزّ وجلّ)، وطلبًا لمثوبته.

* خلود كربلاء
ما كانت كربلاء لتبقى، ولتخلد لو كانت لغير الله (عزّ وجلّ)، هذا الحضور – أيضًا – ليكن لوجه الله تعالى، هذه المشاركة، هذه اللّطمة على الصّدر لتكن بوعي – الانتصار للإسلام، وإحداث حرارة إيمانية في النفوس، لقصد تنشئة جيل على خط الإمام الحسين (عليه السلام) – إنْ وقعت لطمة يد على الصّدر لغير وجه الله (عزّ وجلّ) كانت إثمًا.
فنحن ندخل – مع دخولنا إلى موسم عاشوراء – مدرسة الإخلاص لله (عزّ وجلّ)، الصدق مع الله (عزّ وجلّ)، العبادة، توحيد الله (عزّ وجلّ).
كانت كربلاء من أوضح المصاديق للتّوحيد الخالص، ظروفها الصَّعبة، جوّها المحموم، الرّوح القتاليّة فيها، المتوثّبة، ما يُثير الحقد، ما يثير البغضاء، وما يُؤلم النّفس، كلّ هذه الأجواء ما كانت تستلفت نظر الإمام الحسين (عليه السلام) عن الله (عزّ وجلّ)، وما كانت قادرة على أنْ تعطي ردَّ فعلٍ على غير خطّ الله (عزّ وجلّ)، ولا تكاد – أقول – أنْ تجد ميلاً عن خطّ الله (عزّ وجلّ)، وعن الأدب الإسلاميّ، وعن الرّوح الهادفة لرضا الله (عزّ وجلّ)، لا تكاد تجد كلمة حتى من غير الإمام الحسين (عليه السلام) تُسجِّل على صاحبها عيبًا وثلمة في الإيمان.

* نحو موكب يجسّد هادفية الحسين (عليه السلام)
هل نستطيع أنْ نُخرِج موكبًا بحلَّة جديدة ليس فيه إلاَّ الوقار؟، وليس فيه إلا التّقوى؟، وليس فيه إلا الرّجولة؟، وليس فيه إلاّ الكلمة المربّية؟ وبعيدًا عن كلِّ ما لا يلتقي مع ذوق الإمام الحسين (عليه السلام) من إيمانه، وما إلى ذلك؟
نستطيع أنْ نقدِّم موكبًا – في هذا الموسم – يُعرض على مسامع أهل الدّنيا، ويُعرض على مرآهم، ويكون على مرآهم، فيشهد من خلاله وقارًا من وقار الإمام الحسين (عليه السلام)، ورزانة من رزانة الإمام الحسين (عليه السلام)، وشهامة من شهامة الإمام الحسين (عليه السلام)، ورساليّة من رساليّة الإمام الحسين (عليه السلام)، وهادفيّة من هادفيّة الإمام الحسين (عليه السلام)، وجدّية من جدّية الإمام الحسين (عليه السلام)، وأخلاقيّة من أخلاقيّة الإمام الحسين (عليه السلام)، وأصالة فكريّة من الأصالة الفكريّة التي كانت للحسين (عليه السلام)، وانفتاحًا على الهموم الإنسانيّة الرّئيسة كما كانت هموم الإمام الحسين (عليه السلام).
ونحن نستطيع أنْ نواجه السياسة المنحرفة – ليست المحليّة فقط وإنّما كلّ السياسات – من خلال مفاهيم كربلائيّة، ولا نحتاج أنْ نستورد، ويجب أنْ نطبع كلّ شعاراتنا بطابع كربلائيّ؛ أي بمعنى أنْ نربط هذه المفاهيم، أنْ نربط هذه الشّعارات، أنْ نربط هذه القضايا بمعطيات الثّورة الحسينيّة المباركة، نستطيع أنْ نقدِّم شعارات عامة تخاطب كلّ سيئات السياسة في كلّ الأرض.

* كربلاء دمعة وفكرة
وشي أخر – هو مطلوب من الإخوة الخطباء بدرجة أولى – وهو أنْ لا تضيع واقعة كربلاء، أنْ لا تنشأ أجيال لا تسمع إلاّ ما يدور في حواشي كربلاء، ولا تسمع إلا ما هو من ظلال كربلاء، أمّا سيرة كربلاء، وكيف وقعت الواقعة؟، وماذا قال فيها الإمام الحسين (عليه السلام)؟ وكيف كانت البداية؟ وما هي الجذور؟ فشيئ ملغي، أو شيئ مغفول عنه!!
لا يصحّ إغفال هذه الأمور، نشأنا نحن وعندنا صورة عن واقعة كربلاء من خلال السّرد التّاريخيّ للواقعة – طبعًا يجب اعتماد السّرد التّاريخيّ الدّقيق والعلميّ، والذي يصاحبه التّفسير والتّوضيح لهذه الوقائع، والدروس والإيحاءات والنتائج للمواقف التّفصيليّة لكربلاء -، لا يجب أنْ يكون كلّ العشرة سيرة، ولكن لا ينبغي أنْ يخلو المنبر – حتى اليوم الواحد للمنبر – من توضيح للسيرة.
فالمنبر ينبغي أنْ يكون للفكر وللعاطفة، وللدّفع بمستوى الإرادة، ولتعزيز الرّوح الرّساليّة، ولربط الأمّة بإسلامها، وبخطّ أهل البيت (عليهم السلام)، وأنْ يُوصل إلى فكر المخاطب، وإلى قلبه وروحه شيئ من عظمة الإسلام، والرّموز العليا في الإسلام وهم أهل العصمة (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).
أكتفي بهذا المقدار غفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.