كلمة آية الله قاسم في افتتاح «نداءات التّوبة» – 2010م

كلمة آية الله قاسم في افتتاح «نداءات التّوبة»

ألقى سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم كلمة افتتاحية لموسم نداءات التّوبة الرّابع في مأتم السّنابس مساء الجمعة بتاريخ 17 شعبان 1431هـ الموافق لـ: 30/7/2010م، وذلك في الحفل المركزيّ لافتتاح الموسم، والّذي نظّمه المجلس الإسلاميّ العلمائيّ. وفيما يلي نصّ الكلمة:

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغويّ الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين. أعوذ بالله من هوى النفس، أعوذ بالله من مضلاّت الفتن.

مَن منّا وقد صحّت عنده الإرادة، وثبت العزم واتضحت الغاية، غاية من غايات الدنيا التي يطمح إليها، وانكشف له الطريق؟ مَن منّا مِن بعد ذلك كلّه لا يحرص على أنْ يلتزم الطريق إلى الغاية؟ ومَن منّا وقد ضلّ به الطريق عن غايته التي يعتزّ بها، مَن لا يحاول بكلّ جهد وعزم وقوة أنْ يرجع إلى الطريق الصواب؟ مَن منّا وقد أخذ به التيه إلى طريق ينتهي به إلى خطر محدق، وانكشف له الأمر لا يشتدّ به الوجل ولا يقلق ولا يضطرب بما هو عليه من حال، فيبذل كلّ جهد، ويبحث عن كلّ حيلة، ويرتكب كلّ ما في وسعه من أجل أنْ يدرأ عن نفسه الخطر بالعودة إلى الطريق الصواب الذي يأخذ به إلى الغاية العزيزة الغالية؟

لو قصدت مدينة مأهولة وأخذ بك الطريق إلى الصحراء التي لا أنيس فيها، ولا يسكنها إلاّ الوحش، ولا يترقّب من سالكها إلاّ أنْ تفترسه الوحوش، هل تبقى على الطريق؟ هل تصرّ إلى أنْ تمضي قدمًا إلى الموت الرخيص؟ هل يقودك عقل؟ هل تأخذ بك بصيرة؟ هل تقضي منك مصلحة أنْ تُصرّ على هذا الطريق؟ أم تحاول بكلّ جهد أنْ تعود إلى الطريق الذي يوصل بك إلى المدينة المأهولة؟

أيُّ غاية أكبر من الجنّة بعد رضا الله؟ وأيُّ خطر أكبر من النار التي توعّد الله عزّ وجلّ بها من عصاه؟ وأيُّ طريق تيه وضلال أشدّ تيهًا وضلالًا من طريق المعصية؟ وأيُّ سقوط هو ذلك الذي لا تبقى به معنويّة روح، ولا كرامة نفس، ولا سلامة قلب، ولا وزن لشخصية. والذنب يأتي على أحدنا حتى يسقط قيمته بالكامل فيكون على صعيد واحد مع أحجار النار، يوقد هناك كما توقد الأحجار.

أمِن العقل؟ أمِن المصلحة؟ أمِن صحة البصيرة؟ أمِن حسن التدبير؟ أمِن الحساب للمستقبل؟ أمِن حصافة الرأي أنْ نكتشف أنّنا على طريق الشيطان، وأنّه قد نأت بنا الذنوب عن طريق الله، وأنْ شطّت بنا قبائحنا عن الغاية الكريمة التي خلق من أجلها الإنسان، وعن موعد الله الكريم من جنّته ورضوانه؟ أمِن عقل، قلب، بصيرة، بعد أنْ نكتشف أنّنا قد أُثِمْنا، أنّنا قد هوينا، أنّنا قد ضللنا وغوينا، أنْ نصرّ على الطريق، وأنْ نزداد تباعدًا عن الغاية، وسقوطًا في الهوى والرذيلة؟ ألا من عزم، ألا من إرادة، ألا من انتفاضة ضميرٍ حيٍّ تعود بي إلى طريق الله وقد ضللت كثيراً؟. لولا مراكز إشعاع، ومنابع هدى، ومصادر نور تطلق إشعاعاتها وتنطلق منها نداءات الهدى، وتلوح للتائهين بالعودة إلى الطريق لضلّت المجتمعات ضلالًا بعيدًا أكثر مما هي عليه، ولصارت للمنحدر السحيق، ولكنْ تبقى مواقد نور، ومصادر إشعاع، ومنابع هدى؛ لتدلّ السائرين ولتعود بالتائهين الضالين إلى الطريق.

مطلوب من مؤسّسة المجلس الإسلاميّ العلمائيّ ومنكم أيها الإخوة المؤمنون الكرام أنْ تكونوا من تلك المصادر، من تلك المنابع، أن تكونوا مصادر رحمة في الأرض، ومنابع هدى ونور، أنْ تكونوا الأدلّاء على الله، وأنْ تكون لكم العزيمة والإرادة والتصميم وقد أدركتم سمو الغاية، وربح التجارة مع الله، وعظم المهمة، أنْ تواصلوا الطريق، طريق الهداية – هداية الناس. حقٌّ علينا أنْ نجاهد أنفسنا، وأنْ نقف في وجه هواها، وأنْ نستأسد أمام ضعفها وغواها، وأنْ نحمِلها على الصعود، ونجاهد بها بأنْ ترتقي، وبألّا تسفّ مع المسفّين وتنحدر مع المنحدرين، حقٌّ لكم أنْ تكونوا نجومًا في الأرض تهدي التائهين إلى الله.

نأتي للآيات الكريمة التي تتحدث عن وقاية النفس والأهل من النار، ليست آية واحدة وإنّما هي آيات: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ – خطاب للكفّار – فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ {البقرة/24}. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ {التحريم/6}. المنذر غنيٌّ عن العباد، وعيده لا يردّه أحدٌ، قدرته لا نقص فيها، أخبر خبير، وهو يعلم ما عليه هذا الإنسان من جزع وهلع وضعف، ويعلم ما هي النار التي أعدّها للعصاة من خلقه، وهو يحذّر وينصح ﴿فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ {البقرة/24}.

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ {آل عمران/10}. الآيات الكريمة تتحدث عن أناس هم وقود، عن أناس هم حطب، عن أناس هم مادة اشتعال، هؤلاء لم يبقوا أناسًا، جفّت منابع الإنسانيّة فيهم، تبخر كلّ شيء من إنسانيّتهم، لم تبقَ لهم قيمة أكثر من أحجار، فهم والأحجار بمستوى واحد يكوّنون مادة اشتعال للنار.

﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ {الأنبياء/98}. حصب مُفسّرة بأنّها الحطب، الحصباء: صغار الحصى، فالآيات الكريمة تتكرّر لتصف أهل العذاب في النار من الكفّار بأنّهم حطب، بأنّهم مع الحجارة، مادة وقود وهم وقود.

﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ – والسلاسل ليست في الأيدي فقط وإنّما قد تكون في الأعناق – يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72)﴾ {غافر} مادة اشتعال، فالعصاة، أو الكفّار وصفهم في النار أنّهم مادة اشتعال لها، وأنّهم حطبٌ وحجارة، وعليهم نار.
﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ (8)﴾ {الهُمَزة}، هذه آيات إذا وقف أمامها عاقل ووعى أنّها من العليّ القدير الملك الحقّ القهّار الجبّار ولم يتأثّر لها فليعلم أنّه ميت. فالإنسان بين مستويين، وعلى مفترق طريقين. الإنسان في هذه الحياة إمّا موجود يسابق الملائكة لا أدري يسبقونه أو يسبقهم، أو أنّه حيوان أضلّ من دوابّ الأرض سبيلًا، وقد يسقط عن هذه المرتبة، ويصيرَ حجرًا من أحجار النار. إذا كان للحيوان مشاعر غريزيّة فيها شيء من رحمة، فيها توجيه غريزيّ لما فيه المصلحة، فالحجر ليس فيه شيء من ذلك، وقد يسقط الإنسان حتى يخسّ في مستواه عن مستوى الحيوان ويكون الشيء الجماد الذي لا يمور داخله بحركةٍ ولا فكرٍ ولا شعور، والمعصية تفعل كلّ ذلك، والبعد عن الله عزّ وجلّ يأتي على كلّ خير النفس، ويبقيها شرًّا محضًا.

على مفترق طريقين وليس لهما ثالث، هما: إمّا طريق النار أو طريق الجنة. أنا على أيّ طريق الآن؟ أغْفل؟ أبقى غافلاً؟ سادرًا؟ لا أحاول أنْ أكتشف نفسي؟ عليَّ أنْ أكتشف نفسي وأنّي على طريق الجنّة أو على طريق النّار. وإذا اكتشفت أنّي على طريق النار كليًّا أو جزئيًّا وكان منّي إصرار على هذا الطريق فما أجنّني؟ وإذا اكتشفت ووعيت الخطر، ورغبت في أنْ أعدل إلى الطريق القويم، وأنْ أُيمِّم بحركتي في اتجاه الله عزّ وجلّ، ثم لم تكن لي الإرادة وخانني العزم فأنا المسكين وأنا المطلوب أنْ أقاوم داخل النفس سوءها، ضعفها، تلكؤها، خورها؛ حتى تستقيم لأنقذها من سوء العذاب.

غريب منّا نحن عبيد الله، أكتشف أنّني على ذنب – في الكثير أغفل – والغفلة لها أسبابها التي نحاسب عليها، قد أقع في الغفلة لكنّ مقدمات الغفلة من صنعي فأتحمّل مسؤوليّة ذلك الصنع، وأتحمّل مسؤوليّة الغفلة، وأتحمّل مسؤوليّة ضلالي، وقد أنتبه وأدرك الخطر وأرى أنْ لابدّ مِن تصحيح المسار ومِن الأوبة إلى الله عزّ وجلّ، ولكنّ في نفسي ضعفًا يقعد بها عن النهوض، في إرادتي خَوَر يحول بينها وبين أنْ تتحمّل كلفة التصحيح. وهنا تأتي المعركة مع النفس، مع ضعفها، سوئها، شرّها، ومن تسامح في هذه المعركة ولم يتحامل على نفسه، ولم يقبل أنْ يركب الصعب، وأنْ ينوء كاهله بالأثقال – أثقال تبعة التوبة – فهو مستسلم للنار، مستسلم ليوم أعدّ جبّار السماوات والأرض عذابه فيه للعصاة من خلقة، إمّا أنْ نتحمّل تبعات التوبة وتكاليف التوبة، وما يترتب على التوبة من مسؤوليّات ماديّة وعباديّة وغير ذلك، وإمّا أنْ أسعى بقدمي إلى المصير الأسود، وإلى ظلمة الأبد.

أنا في خيار، وكم ستكون فضيحتي هنا لو تُبْت وتطلّب مني الأمر أنْ أنفضح بعض الشيء؟ وكم تبلغ الخسائر الماديّة التي سأتكلّفها إذا اقتضت التوبة بذل المال؟ وكم سأُجهد النفس من أجل تدارك العبادة إذا كانت التوبة اقتضت أنْ أعيد العبادات أو أتدارك العبادات؟ قد يكون هذا كثيرًا، وقد يكون هذا ثقيلًا جدًّا، ولكن ماذا يساوي هذا من لحظة عذابٍ يوم القيام؟ ومن موقف فضيحة أمام الخلائق أجمعين؟ وهل سيبقى المال لي؟ وهل سأُبقي على حياتي؟ إذا تجنّبت أتعاب العبادة سينتهي العمر، سينتهي المال، ستدوّي الصحة، سأواجه لحظة الاحتضار، لحظة المغادرة من هذه الحياة رغمًا على الأنف لأعيش مأساة الأبد بعد أنْ فرّطتُ في جنب الله.

توقّي النار وهي أشد، أخطر، وأدوم عذابًا، وأبلغ عقابًا، وأكثر استيعابًا لأنواع العذاب وأنواع العقوبة، قد تكون العقوبة في الدنيا عقوبة دنيويّة، العذاب عذابًا دنيويًّا، ولكنّ العذاب هناك يجتمع فيه عذاب عقل، وعذاب ضمير، وعذاب محيط اجتماعيّ، الكلّ يزدريني، ساقط في عين جميع أهل الجنّة، ويدخل فيه العذاب البدنيّ، وكلّ العذابات المجتمعة ومنها الشعور بالحقارة الحقيقيّة، والدونيّة والسقوط، وما أقساه من عذاب، خمس دقائق في هذه الدنيا يشعر الشريف فيها بأنّه سقط، وبأنّه ارتكب حقيرة فتحقّر لأشدّ عليه من عذاب بدن كثير.

هناك العذابات تجتمع من غير أنْ تحتاج إلى توالٍ، وإنّما تجتمع في العَرض الواحد، في اللحظة الواحدة، اللحظة الواحدة من حياة النار تجمع بين كلّ هذه العذابات. في السجن يُعذّب السجين عذابًا بدنيًّا، ولكن وهو يشعر بسمو الهدف الذي دخل من أجله السجن، وبسلامة الذات المعنويّة عنده، وبرفعة شأن قضيته وحقانيّتها ليشعر بكرامة الذات وبالاعتزاز، ويشمخ في داخله وإنْ أحسّ بعذاب البدن، وقد يتعذّب إنسان نفسيًّا لحظة أو ساعة، ولكنّه في راحة من بدنه واطمئنان.

وهكذا تجد العذابات في الدنيا مفترقة، والواحد منها مؤلم شديد على النفس، وما عذاب من عذابات الدنيا بالقياس إلى عذاب يجانسه في الآخرة إلّا لا شيء، لا العذاب البدنيّ هنا يساوي العذاب البدنيّ هناك، ولا العذاب الفكريّ هنا يساوي العذاب الفكريّ هناك، ولا العذاب النفسيّ ولا أيّ عذاب. وكلّ تلك العذابات التي لا نملك لها تصوّرًا تجتمع على هذا الإنسان الهلوع الجزوع في كلّ لحظة من لحظاته، ولا لحظة راحة على الإطلاق، لا لحظة غفلة، لا لحظة أمل – الذين أصابهم اليأس في النار – لا لحظة نوم، يمرّ الوقت بعد الوقت، والسنون بعد السنين، والدهور بعد الدهور، وهذا الإنسان بنفسه الواهمة الضعيفة يعاني من ألوان العذاب في حضور دائم والتفات دائم، فما أصبر أهل النّار على النّار، معناه غرور، فهناك لا صبر، تصوّرُ الصبر تصوّرٌ فاسد، نحن لا نصبر على مصائب الدنيا فكيف بنا نصبر على مصائب النار.

توقّي النار سلوك طبيعيّ قبل أن يكون شيئًا مأمورًا به، شيئًا منصوحًا به، هو سلوك طبيعيّ، نحن نفرّ من أيّ خطر. إذا جاءت طلائع بلاء الكلّ يحذر، الكلّ يتّقي. الحرب يتقى منها بما يُتقى منها. لو قيل لنا الآن بعد ثلاثة أيام يتسمّم الجو بقنابل تأتي من هنا وهناك، ولابدّ أنْ تبقوا في البيوت وتسدّوا المنافذ، الكلّ منا سيتحرك في هذا الاتجاه، ما من عاقل إلاّ ويقي نفسه السوء. ينضاف إلى هذا أنّه حكم عقليّ، توجد انبعاثة نفسيّة تلقائيّة وجدانيّة غريزيّة في التوقّي من الخطر، ويوجد حكم عقليّ بالتوقّي من الخطر، ومع ذلك التكليف الإلهيّ بالتوقّي من الخطر.

من أين يأتي عدم التوقّي؟ بلاهة، غفلة، كلّ الإذاعات تبثّ احتمال أنّ سحابة مسمومة تمرّ بأجواء البلد الفلانيّ، احتمال أنّها تسبّب السرطان بتسعين بالمائة لمن تعرض لها، هذا يسمع كلّ الإذاعات وكلّ القنوات ولا يتحرك ولا يهتم، أبله، ساذج، درجة وعي كافية لا توجد لديه. مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، آيات الكون تبثّ ليلًا ونهارًا وتطلق نداءاتها فينا، آية الموت والحياة وتقلّبات الأحوال، أحوال الإنسان في الأرض تنطق بكلّ صراحة، موت الصغير والكبير، الغني والفقير، صاحب البنية الشديدة وغير ذلك، يقول لنا: أنتم للموت أكثر منكم للحياة، أنتم للموت أقرب منكم للحياة، مع ذلك لا نبالي، هذه بلاهة، غفلة، سذاجة، جنون، عدم الإحساس بالمستقبل.

في تصورنا أنّ الآخرة مستقبل بعيد، وفرق في النفس بين خطر يداهمني بعد خمس دقائق وبين خطر مترقب بعد عشرين سنة، استنفاري ومواجهتي وفزعي وقلقي واضطرابي واستعدادي للخطر الأول أكبر وأسرع. يدخل في تصورنا أنّ الآخرة كما قال المثل الدارج «الآخرة متّاخرة» وأنّ الآخرة يومها بعيد، لكن فلنصحّح فهمنا. عندي مشروع بناء بيت وعندي النقلة للآخرة، قد يكون مشروع بناء البيت أبعد بكثير في مسافته الزمنية من قضية النقلة للآخرة، مشروع البيت قد يأخذ له أشهرًا، سنة، مشروع دراسة، مشروع سفر، أنا أرى مشروع السفر قريبًا، تبقى أيام أقول اقترب السفر، وأقوم بالاستعداد، سفرة الموت، سفرة الآخرة أنا لا أدري ربّما تكون بعد خمس دقائق، سفري إلى المكان الفلانيّ والذي أبدأ الاستعداد له قبل أيام، حسب طول السفرة وبُعدها وما يتصل بها، قد تكون لحظة الموت هي أقرب من لحظة السفر بشيء كثير، فكيف صارت الآخرة شيئًا مستقبلاً؟ والآخرة تبدأ بالموت، ويبدأ الإنسان يعاين موقعه في النّار أو موقعه في الجنّة، منذ لحظة القبر، وهو جنازة محمولة بدأ يعرف نفسه – وربّما في لحظة الاحتضار – أنّه من أهل الجنّة أو من أهل السعير، عدم الإحساس بالمستقبل أو تصوّر أنّ الآخرة مستقبل بعيد، يعطّل عودتنا إلى الله، هناك قصر نظر. أقول: بأنّ الآخرة قد تكون قريبة جدًّا من أحدنا، أقرب من تمام مشروع دنيويّ ولو صغير.

أريد أنْ أقيَ نفسيَ النار، هل أملك أنْ أطفئ النار؟ هل أملك أنْ ألغي النار من قرار الله عزّ وجلّ؟ هل أملك أنْ أعطّل قدرة الله عزّ وجلّ على خلق النار واستمرار خلقها؟ مستحيل.

إذاً، الوقاية تنصب على أيّ شيء؟ على المقدور، ما هو المقدور؟ التوقّي من النار بتصحيح واقع النفس، أريد أنْ أتقي حالة السَموْم، حالة البرد، حالة الحرب. مرة أسدّ منافذ الحرب، مرة لا أستطيع أنْ أسدّ منافذ الحرب، فكيف أتقي خطر الحرب؟ بتحصينات ذاتي. كيف أتوقّى عدوى الجراثيم؟ أقضي على الجراثيم في كلّ المحيط؟ ليس بوسعي، ماذا أفعل؟ أزيد من مناعة جسمي. أوقف الرياح؟ أوقف الأمطار؟ أوقف موجة الحر؟ أوقف موجة البرد؟ ليس بوسعي. كيف أتقي خطر كلّ ذلك؟ أكتن في الحصن، أبحث عن وسائل تدفئة، أبحث عن وسائل التبريد.

فالتوقّي من النار كيف يكون؟ التوقّي من النار إنّما يكون بحماية النفس من داخلها، من أنْ تعشّش فيها أفكار شيطانيّة، من أنْ تحتالها وسواس الشيطان، من أن تكون أمنيّاتها أمنيّات شيطانيّة، طموحاتها طموحات شيطانيّة، مخاوفها مخاوف شيطانيّة، حساباتها حسابات شيطانيّة. تصفية النفس، تنقية النفس، بناء النفس؛ النفس التي يبنيها صاحبها البناء الذي نصح به الله عزّ وجلّ وأنزل من أجله الكتاب وأرسل الرسل، هذه النفس تكون قد وُقيت من النار – نارنا في داخلنا -. الأخذ بمستوى النفس عن أنْ تكون حطبًا في النار، هي لمّا تصفىّ من خيرها وتبقى شرًّا تكون حطبًا من حطب النار، نفس الملائكة ليست صالحة للنار، ونفس الأنبياء ليست صالحة للنار، ونفوس الشيطان غير صالحة للجنّة، البيئة غير صالحة لها، هؤلاء يخرِّبون الجنة. النفس البشريّة المتردّية الحقيرة تمثّل تلويثًا هائلاً لجوّ الجنّة، فلم تعد جنّة.

لو أنّ في هذا المجلس الكريم حلّ واحد فاسق معربد، لا يضبط لسانه، يفسد هذا المجلس. ذوق أهل الجنة ذوقهم رفيع، ووعدهم الله عزّ وجلّ ألّا تقع له عين على قذارة، وألّا يقع لهم سمع على ما ينفّر، ولا يجدون إلاّ ما تطيب له النفس وتشعر معه بكرامتها، هذا الجو لو دخله الكاذب، لو دخله الزاني، لو دخله السارق، لكان جوًّا من أجواء الدنيا الموبوءة لا هناءة فيه.

الوقاية تكون ببناء النفس، بتنقيتها، بجعلها مَسكنًا لذكر الرحمن بدل أنْ تكون مسكنًا للشيطان. ووقاية البدن كيف تكون؟ ووقاية الروح على منوال وقاية البدن. أمامنا في وقاية البدن تغذية جيدة حتى لا يضعف، حتى لا تهبط مناعته إلى الحدّ الكبير، حتى لا تفترسه الأمراض، تغذية جيدة صحية. لدينا تغذية صحيّة روحيّة أم لا؟ علم وإيمان، وذكر لله سبحانه وتعالى، عبادة، وغير ذلك.

هنا نحتاج إلى ثقافة صحيّة في البدن، إذا لم تكن هناك ثقافة صحيّة: عنده قلب فأهله إشفاقًا عليه من مرض القلب، – إذا لم يكن الجو جو ثقافة صحية – يحرصون على أنْ يقدّموا له الدهنيات، يحرصون على أنْ يقدموا له الوجبات الدسمة – ثقافة صحيّة غير موجودة – عنده سكّري يجلبون له أحسن أنواع الحلويّات. ثقافة صحية للبدن، ثقافة صحيّة للروح.

الاطّلاع على منهج الله، الاطّلاع على الأحكام الشرعيّة، التعرّف على معالم الدين، تجنّب السموم، عندي ثقافة صحيّة ولكن لا أتجنّب السموم فهنا أفقد صحّة بدني. توجد سموم ثقافيّة، توجد سموم روحيّة، توجد سموم فكريّة، سموم أخلاقيّة: إنترنت، مذياع – فيه مادة كافية – التلفاز، الهاتف، الصحف حتى على مستوى مقالات توجد مادة ثقافيّة مسمّمة، تسمّم الروح، تسمّم الفكر، تسمّم الأخلاق. كما أهتم بسموم البدن، كما أتقي سموم البدن أتقي سموم الروح. أجواء موبوءة، إذا صار وباء في بلد قبل أنْ يصله الوباء حاول أنْ ينتقل إلى بلد آخر، في أيّ منطقة إذا قيل إنّ هذه المنطقة موبوءة فيها جمرة خبيثة، جنون البقر وغير ذلك من الأمراض، ماذا يفعل؟ يُحجر على المنطقة، لا يدخل داخل فيها ولا يخرج خارج منها، إذا تعاملنا مع المناطق الموبوءة، مع البيئات الموبوءة بشكل مفتوح على مستوى البدن أهلكنا أبداننا، وقاية البدن تتطلّب أنْ أجتنب البيئات الموبوءة. سلامة الروح أيضًا تقتضي أنْ أجتنب البيئات الموبوءة، يتساوى المسجد والسينما العابثة؟ يتساوى مجلس لهو وفساد مع مجلس ذكر في عطائهما؟ في تأثيرهما؟ تتساوى بانكوك مع مشهد والنجف؟ من طلب سلامة روحه فعليه أن يجتنب البيئات الموبوءة معنويًّا.

من وقاية البدن الاستكشاف السريع للمرض والمواجهة المبكرة، صار من ميزة هذا العصر ومما يوصي به الأطباء هو المراجعة الدوريّة للطبيب وأخذ فحص دوري، وقاية للبدن من أنْ يطنّب فيه المرض ويتمركّز فيه ويتأصّل، الاكتشاف السريع للمرض يساعد في التخلّص منه.

على المستوى الروحيّ نفس الكلام، اجعل لك عينًا تراقب ذاتك، وخذ فحصًا كلّ يوم للذات، فضلاً عن كلّ شهر وعن كلّ سنة، افحص ذاتك في كلّ يوم، في كلّ لحظة، ماذا تسرّب إليها من خبيث؟ من خبيث فكر، من خبيث شعور، من خبيث أماني. راقب النفس، افحصها، وحاول أنْ تتخلّص من هذه الرواسب بسرعة، حتى الشبهة لا تعطي لها مجالًا للتسرّب في الذات، إذا استطعت أنْ تعالج شبهتك الفكريّة التي تعترضك في كتاب الله، أو في سنّة رسوله صلّى الله عليه وآله أو في أيِّ أمر من الإسلام، إذا استطعت أنْ ترفع هذه الشبهة في خمس دقائق بأيّ مراجعة فلتفعل. أيّ عادة سوء تتسرّب، أيّ كلمة ساقطة تتسرّب إلى اللسان، عادة سوء تدخل في السلوك حاول أنْ تكتشفها في وقت مبكّر، ذلك يُعين على التخلّص من هذه الأمور المضرّة، أمّا إذا تمكّن السوء في النفس، وأخذت المعصية حكم العادة فيها، فإنّ الاستئصال من بعد ذلك من النفس أمر يتطلب الكثير من الجهد والكثير من المقاومة.

• وقاية الروح، تعليم وتربية، مجالس وعظ وتذكير وتنبيه (العبادات، قراءة القرآن وغير ذلك) توفير أجواء نظيفة وبيئة صحيّة داخل البيت، ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ {6/ التحريم} هذه الوقاية ليست بالكلام فقط، توفير جوٍّ روحيٍّ صحيٍّ داخل البيت، إذا شحنت البيت بأدوات لهوٍ، وتمكّن الطفل من التعامل مع الإنترنت لوحده، بيئة غير سليمة، صور عاريات معلقة.
• توفير جوٍّ صحيٍّ – بيئة نظيفة – … في المجتمع من المؤسّسات التي تهتمّ بالجانب الروحيّ في المجتمعات، تحاول بمقدارها أنْ توجد بيئة صالحة، أنْ تصحّح من وضع البيئة.
• قدوة حسنة، أنت لمّا ترى الرجل الصحيح البدن وصاحب البنية القويّة تسأل: كيف توفّر هذا الإنسان على الصحة؟ من أين جاء له موفور الصحة؟ تبحث وإذا به ملتزم بطريقة غذائيّة معيّنة، فلان لماذا لا يمرض؟ قدوة في الصحة. وهنا مطلوب من وليّ الأمر، من الأب، من الأمّ، من كلّ المربّين، من كلّ المؤسّسات المربية أنْ تقدّم للناس قدوة تكون الأسوة الحسنة للناس، والقدوة الحسنة للناس، ويكون للناس فيها أسوة حسنة.
• الجزاء المجانس عند وليّ الأمر لطبيعة الفعل عند الطفل، وعند الولد حتى الشاب، لا يقابل المحسن بما يقابل به المسيء. فهل الزوجة لحظة إحسانها ولحظة إساءتها واحدة؟ لحظة طاعتها لله ولحظة معصيتها لله واحدة؟ أضحك معها هنا وأضحك معها هناك؟ أو هي تضحك معي هنا في انحرافي وتضحك معي في استقامتي على حدّ سواء؟ مع الولد، فلابدّ من الجزاء المجانس.

أنتم هنا في أسبوع التوبة تنطلقون في حركة ميمونة مباركة – إنْ شاء الله – أقوياء أشدّاء، تمتلئون عزمًا، وتفعمون أملاً، وتطمحون كثيرًا، وتتوكّلون على الله عزّ وجلّ، وتشقّون طريقكم بنجاح. لدينا الغزو غير الأخلاقي، وعندنا أسبوع التوبة، وعندنا ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ {6/ التحريم}، عندنا هذا كلّه، وهو يحتاج لمواجهة ومقاومة وبذل كثير، وتكاتف جهود، وحصافة رأي، وسَعَةِ صدر، ورفعة خلق، وأنْ تبدو ملامح التواضعِ والرحمةِ والشفقةِ على المجتمع لا ملامح الاستكبار والاستعلاء على الناس حتى العُصاة منهم.