كلمة آية الله قاسم يوم 13 من محرم – المصلى 19-12-2010م

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين وعلى الأنصار المستشهدين بين يديك.

من مفاد رسالة الحسين عليه السلام إلى محمد بن الحنفية هذا المعنى “من لحق بنا استشهد ومن تخلف لم يدرك الفتح”. فواضح الكلمة يعطي ارتباطا بين الشهادة والفتح، تحصل الشهادة فيحصل الفتح، لا تحصل الشهادة لا يحصل الفتح، فمن أدرك الشهادة أدرك الشهادة والفتح، ومن لم يدرك الإمام الحسين عليه السلام لم يدرك الشهادة ولا الفتح، ولم تقل الكلمة “من لحق بنا قتل” وإنما “أستشهد” وفرق بين القتل وبين الشهادة، الشهادة تحتاج إلى شروط، لابد أن يكون تحقق الشهادة يتوقف على أن القتال تحت راية شرعية وبأذن شرعي، لاشك في توفر هذا والقائد الإمام الحسين عليه السلام. فالإمام الحسين عليه السلام هو حجة الله في الأرض بعد جده وأبيه وأخيه، وكلمة الحسين عليه السلام كلمة القرآن، ولا يصدر شيء من الإمام الحسين عليه السلام غيرَ مطابق للقرآن، فشرعيةُ القيادة لاشك فيها، ودائما يجب أن تطلب الأمة في جهادها أن يكون جهادا شرعيا، وأن تكون قيادتها قيادة شرعية.

والشهادة في سبيل الله تحتاج إلى نية، وأن يكون شهيدا عند الله ويستحق ما وعد الله عز وجل به الشهداء، ويعد من الأحياء بعد موته، هذه الشهادة تحتاج إلى نية، وهي نية القتال في سبيل الله تبارك وتعالى، وليس لطلب جاه “لم أخرج أشرا ولا بطرا ومفسدا ولا ظالما” فتحتاج -هذه الشهادة- تحتاج إلى نوع خاص من القيادة، وتحتاج إلى نية راقية تتجه بالعمل إلى الله تبارك وتعالى وحده، وإلا فإنه هناك من عد شهيد حمار -كما تعرفون- وكان قتله في جيش يقوده رسول الله صلى الله عليه وآله، فالقيادة شرعية وبأذن شرعي ولهدف شرعي في قتال الكفار، حماية الإسلام والمسلمين، مع ذلك قد سقط واحد من المقاتلين تحت راية الحق شهيد حمار وليس شهيد إسلام. صحيح أنه كان يقتال بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وربما كان يقاتل بحماس، واندفاعة شديدة ولكن كان هدفه هو أن يحصل على حمار راق له عند المشركين. لعله يحصل نصر فيحصل على ذلك الحمار الذي أنشدت نفسه إليه، فصار شهيد حمار.

فالشهادة في سبيل الله تحتاج إلى قيادة ارتضاها الله تبارك وتعالى ترفع راية الإسلام لا راية أخرى، وتتطلب الشهادة في الإسلام نية خالصة في سبيل الله تبارك وتعالى. إذا كان الدفاع عن أي شيء مفصولا عن أمر الله، عن أذن الله، الدفاع عن الوطن جيد ومطلوب في الإسلام، لكن مرة أدافع عن وطني بما هو ربي، وكل نظري إلى وطني -حرب وطنية- خالفت هذه الحرب أمر الله أو لم تخالفه، أنا كل ما يهمني هو أن ينصر وطني، أن يظهر أسم البحرين من بين كل الأوطان، لا شيء في نظري لله عز وجل وأمره ونهيه ورضاه وغضبه، ليس عندي شيء من هذا، أن عابد لمن؟ صحيح أني شهيد وطن حينما يقال ذلك، لكن أن يكون شهيدا في الإسلام يجب أن يكون نظره أن الدفاع عن الوطن في المورد الذي يرضاه الله عز وجل، أنه مأذون به من الله سبحانه وتعالى، حتى تكون الشهادة في سبيل الله، فمنظوري الأول والأخير ليس وطني وإنما منظوري الأول والأخير هو الله تبارك وتعالى.

“فمن لحق بنا أستشهد” الإمام عليه السلام يقول: أقطع لكل من يخرج معي أولا بأن هذه المعركة معركة طاحنة وليس فيها سلامة دنيا -الكلمة تعطي هكذا- والخروج إلى هذه المعركة يعني الموت، الالتحاق بنا معناه الموت ولكن ليس موتا عاديا، وإنما أضمن له أن هذه الموت موت شهادة في سبيل الله عز وجل، وأكبر لحظة انتصار على النفس، وأكبر ربح في هذه الحياة أن تخرج النفس على طاعة الله عز وجل وخاصة في حالة استشهاد في سبيل الله، هذا فتح شخصي لشخص مجاهد، يوجد هنا فتح لشخص مجاهد، المجاهد حقق فتحا، حقق نصرا، حقق فوزا، ما هذا الفوز؟ هذا الفوز إنه انتصر على النفس الأمارة بالسوء، إنه ربح المعركة مع النفس، المعركة مع الشيطان، المعركة مع الهوى، المعركة مع الغفلة، المعركة مع كل عامل سلبي من عوامل الداخل والخارج، أنا انتصرت حين ضحيت في سبيل الله، وكانت خاتمتي الشهادة في سبيل الله، تبين تماما أني انتصرت في معركة الحياة نصرا ليس فوقه نصر، هذا نوع من الفتح، وتستطيع أن تسميه فتحا شخصيا، معناه يخص شخصا مجاهد.

هناك فتح آخر يعنيه الإمام الحسين عليه السلام مع هذا الفتح الشخصي لهؤلاء السبعين شخص الشهداء، أو للمائة والعشرين، أو لذلك العدد، يوجد لكل واحد منهم فتح شخصي، وانتصار شخصي، هو خاض معركة اكتسح فيها كل أعداءه التي تصده عن ذكر الله والتي تُكَبِرُ الدنيا وتُصغِرُ العظيم في نظره وهو الله تبارك وتعالى، هذه المعركة حققت لكل واحد من أولئك الشهداء نصرا شخصيا وظفرا كبيرا.

هناك فتح آخر وهو فتح للأمة، فتح للدين، فتح للوعي، فتح للخط الرسالي، فتح للشرعية، فتح لدين الله تبارك وتعالى، فتح لهذه الأمة الإسلامية بحيث تبقى أمة إسلامية بمستو من المستويات، هذا الفتح أعطته الشهادة، شهادة الحسين عليه السلام وشهادة من معه، وهنيئا لمن وفق لتلك الشهادة فشارك في إبقاء الإسلام بشهادته، وإنقاذ الإسلام بشهادته، وإبقاء خط الهداية في الأرض كل الأرض، وأبقى رسالة السماء تهدي كل الأجيال لمن أراد الهداية، هذا فتح كبير.

ماذا كان يريد الإمام الحسين عليه السلام من خروجه؟ كان يريد الفتح، كان يريد النصر، والنصر بإحدى صورتين. معروف أن الإسلام كان مهددا بالفناء، الأمة كانت مهددة بأن تخسر هويتها، وفعلا بدأت الأمة في مساحة كبيرة منها تخسر هويتها وقد خسرت كثيرا من هويتها أيام يزيد، وعلى يد الحكم الذي انحرف عن خط الإسلام. كانت كربلاء وثورة الإمام الحسين عليه السلام من أجل الفتح. إذا كان هناك شهادة، فالشهادة طريق للفتح، والمطلوب هو الفتح وهو تحقيق النصر للإسلام، إعزاز كلمة الله عز وجل، الذود عن الدين، جهود المائة والأربعة والعشرين نبي وأوصياء أنبياء، ومصلحين وعلماء وقادة دينيين و على مدى قرون، مسيرة رسالية منذ آدم عليه السلام إلى أيام الإمام الحسين عليه السلام كان مقدرا أن تضيع كل جهودها لو استمر حكم يزيد، كان المحذور طمس معالم الدين بالكامل، مسخ هوية هذه الأمة بحيث تخرج عن هويتها، وفي خسارة الأرض للأمة الإسلامية معناه خسارة الأرض لكل الهدى، ولكل أمل في الإنقاذ.

الإمام الحسين عليه السلام كان خطط للنصر من جهة، وخطط للشهادة الناجحة المؤثرة من جهة أخرى، شهادة بحيث يقتل متعلقا بأستار الكعبة ربما لا تعطي الردود الكافي، شهادة يقصد بها إلى كربلاء ومع حريم يكن سبيا من بعد ذلك، ومحاطة بظروف معينة وملابسات معينة واستعدادات معينة هذه كانت أقدر على إعطاء أثر الفتح وأثر النصر. كان هناك تخطيط للنصر رغم معاندة الظروف وموت الأمة. وإذا كان عبد الله بن عباس أو غيره يقدرون الزمن، ويعرفون هوية المجتمع وما عليه المجتمع من ضعف، وما عليه أهل الكوفة، فهم ليسوا بأوعى من الحسين عليه السلام، الحسين عليه السلام يعرف كل هذه الظروف، يعرف كل سلبيات المجتمع الإسلامي، وخرج من المدينة ولم ينصره ناصر، ومكث في مكة كثيرا ولم يخرج بأكثر الحجيج، هذا كله يعرفه لكن مع ذلك بذل كل الجهد وقبل أن يطلب يزيد مبايعته كان يخطط ليوم مصادمته مع الحكم الأموي إنقاذا للإسلام، وكان قد كاتب جهات إسلامية وشخصيات إسلامية من أجل الالتحاق به.

“الفتح الأكبر” فتح الإسلام، عز الإسلام، ظهور الإسلام، حاكمية الإسلامية، استقامة الإنسان. الفتح في صورته الكبرى المؤثرة أن لو انتصر الإمام الحسين عليه السلام وحكم، فالنتائج ستختلف اختلافا كبيرا جدا عن عطاءات الشهادة، الشهادة أعطت نصرا، أعطت فتحا، أعطت آثارا إيجابية كبيرة لا زلنا نعيش بركتها إلى اليوم، ولا زالت تمدنا بالوعي إلى اليوم، وتقدم لنا صورة صحيحة عن الإسلام، وتنفي الشرعية عن الحكم الظالم فيه باسم الإسلام، وخلقت ثورات تصحيحية، كل هذا قد كان وأوجدت مجالا لأن يترعرع ذكر أهل البيت عليهم السلام في الأرض فتنضوي تحت رايتهم الملايين، ويحبهم المسلون. كان يمكن أن ينسج ذكر البيت النبوي بالكامل، أما الآن المسلون في طابعهم العام إما متابع لأهل البيت عليهم السلام معناه يؤمن -وأن لم يطبق عمليا- بأن عليه أن يتابع أهل البيت عليهم السلام في صغيرة وكبيرة، وأما لا ولكنه لا يبغضهم وإنما يحبهم ويتعاطف معهم بصورة أخرى، المسلمون هكذا اليوم حالهم، هذا الواقع لم يكن يوجد أصلا، لو استمر حكم يزيد ونئى خط الإسلام بعيدا عن أصله ودخله التحريف الهائل بحيث يُنسى الإسلام الحق، يبقى مثل المسيحية واليهودية وغيرهم.

أين الهدى؟ أين القرآن الكريم الحق؟ كله يضيع. فهذا نصر كبير، لكن مع ذلك لو انتصر الإمام الحسين عليه السلام -وهذه مسئولية الأمة- ماذا سيكون؟ سيقود سفينة الأمة الإسلامية إلى شاطئ الأمان، وسيخلق أجيالا أكبر وعيا، وأكبر صمودا، وأكبر إرادة والتزاما، وسيطبق الإسلام، ستنتشر البركات على مستوى العقل، وعلى مستوى الروح، وعلى مستوى النفس، وعلى مستوى الخارج، ويعم العدل، تستقيم الأمور، تعتز الأمة عزا كبيرا، تكون هي الأمة الرائدة القائدة، ينتصر الإمام الحسين عليه السلام يأتي من بعده الإمام زين العابدين عليه السلام، يأتي من بعده الإمام محمد الباقر عليه السلام، هذه السلسة الطاهرة حكاما، معناه يتحقق كل ما نتمناه أن يتحقق على يد القائم عجل الله فرجه، ولا تمر الأمة الإسلامية بعثرات ولا بمنزلقات، ولا تمر المسيرة الإسلامية بنكبات، ولا يُهزأ بالإنسان المؤمن، والإنسان المسلم لا يخاف، لا يصيبه ضيم. معناه أن يعز الإسلام وأهل الإسلام، ويكون الإسلام كما أراد الله تبارك وتعالى هو القائد للمسيرة البشرية، ولو استمر خط الأئمة عليهم السلام لما كان عندنا كفر شرقي وكفر غربي وإنما عندنا إسلام في كل الأرض، لا يبقى معسكر أمريكي ومعسكر روسي، ويلعبان بإمكانات الأرض ومقدراتها ومقدراتها، هذا كله ينتهي، فهذا النصر أكبر من النصر الذي تحققه الشهادة، لكن كان لابد من الشهادة عندما تعزز النصر، معناه أبواب النصر العسكري مسدودة، كان على الإمام الحسين عليه السلام من خلال موقعه الإمامي، وكانت رساليته وإخلاصه لله عز وجل لا يسمح له بالتخلف عن إعطاء دمه ودم أهل بيته عليهم السلام فداء للإسلام من أجل أن يبقى وهذا الذي كان.