آية الله قاسم في تدشين شعار عاشوراء “حسينيّون قرآنيّون” : عاشوراء نشتريه بالأنفس ولا نبيعه ولو كلّف الأنفس 1432هـ

ثورة كربلاء ثورةٌ قرآنيّة بل هي ثورة القرآن
آية الله قاسم: عاشوراء نشتريه بالأنفس ولا نبيعه ولو كلّف الأنفس

كلمة سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم (حفظه الله)
في تدشين شعار عاشوراء البحرين لعام 1432هـ “حسينيّون قرآنيّون”
23 ذي الحجة 1431هـ – 29 نوفمبر 2010م – مأتم السنابس

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, الصلاة والسلام على سيدنا محمّد وآله الطيبين الطاهرين.
السلام على الحسين, وعلى علي بن الحسين, وعلى أولاد الحسين, وعلى أصحاب الحسين.

حسينيون قرآنيون
العنوانان واحد, والشعار شعار بلد القرآن والحسين (عليه السلام), بلدٌ احتضن القرآن لأوّل ما سمع به, وعشق الحسين (عليه السلام) لأوّل ما عرفه, ويبقى في كل مسيرته مُنشدّاً كل الانشداد إلى القرآن والحسين (عليه السلام).
القرآن كتابٌ فوق كلّ كتاب, ونور الله الذي لا تستغني عنه الأرض لحظة عين, ولا منقذ للإنسانية من دونه. القرآن وهو كذلك معشوق هذه الأمّة وتفدّيه بكلّ غالٍ ورخيص, وهو مركز كل دراساتها فيما ينبغي أن يكون, ومحور اهتمامها الأوّل من بين كلّ ما كُتب ويُكتَب, وهو ميزان فِكرها, ودليلها في كلّ طرق الحياة, هو هاديها إلى الله, وقد اختارت ألاّ تكون لها وجهةٌ لغير الله.
القرآن بَعَثَ أمّة, لتكون الأمّة الوسط, لتكون الأمّة الشاهد, لتكون الأمّة الرائد, لتكون الأمّة الأمام والإيمان, والحسين (عليه السلام) أعاد الأمّة إلى قرآنها, وأبى دَمه الشريف الزكيّ النّقيّ إلاّ أن يؤكّد وجود القرآن في الأمّة, وإلاّ أن تبقى الأمّة على طريق القرآن, تناطح بوعيها القرآنيّ كلّ انحرافات الفكر, وكل مؤامرات الشيطان, وكل الضلالات في الأرض, الحسين (عليه السلام) واحد من أهل البيت (عليهم السلام) وهم أصدق قرينٍ للقرآن.

أقرأ كلماتٍ يسيرة:
كلّ من كان حسينيّاً حقّاً فهو قرآنيٌ كذلك, وكل من كان قرآنيّاً حقّاً فهو حسينيٌّ بلا إشكال, وكلّ ثقافةٍ حسينيّةٍ بصدق فهي ثقافةٌ قرآنيةٌ كذلك, وكل ثقافةٍ قرآنيّةٍ بصدق فهي ثقافة حسينيّةٌ بلا غِبار, ومن أراد أن يكون حسينيّاً فعليه أن يكون قرآنيّاً, ومن أراد أن يكون قرآنيّاً فعليه أن يكون حسينيّاً; وإلاّ لم يكن حسينيّاً ولا قرآنيّاً, ولن تجد من هو حسينيٌ وهو مخالف للقرآن, ولن تجد من هو قرآنيٌ وهو مُتَخَلٍّ عن الحسين (عليه السلام), الحسين (عليه السلام) لا يفارق القرآن, ومن فارق أحدهما – أعني القرآن والحسين – فقد فارق الآخر, ومن لازم أحدهما فقد لازم الآخر, وهكذا هم أهل البيت كلّهم عليهم السلام حسب حديث الثِقلَين الذي لا يقبل الإنكار, وثورة كربلاء ثورةٌ قرآنيّة بل هي ثورة القرآن.
وعليه فإن موسم عاشوراء, وهو يريد أن يَترَسّم خطى الحسين (عليه السلام), ويعيش هدفه, ويسير بسيرته, ويَهتدِيَ بهداه; لا بدّ أن يهتدي بِهُدى القرآن, يَترَسّم خطاه, يعيش هدفه, يلتحم بوعيه, يأخذ بأمره ونهيه.
والتركيز على محورية الإمام الحسين وأهل بيت العصمة (عليهم السلام) يرافقه التركيز على محورية القرآن وكذلك العكس, وعاشوراء من أوّل يومٍ كان من أجل القرآن والتوحيد الشامل, ويجب أن يبقى كذلك أبداً, ولا يتخّذّ القرآن عِضِين, ولا الحسين (عليه السلام) عِضِين.
والتوحيد ليس ممارسة عاديّة للصلاة أو الصوم وكفى, التوحيد أن تكون الذات كلّها وفي كل مساحة الحياة مُستقطَبة لله (عزّ وجلّ), عابدةً له, مُخلصَةً لوجهه الكريم. التوحيد أن تكون حياة العبد لا تميل يميناً ولا يساراً عن خطّ الله سبحانه وتعالى, ولا تُشرِكَ به شيئاً على المستوى الفكر والشعور والعمل وفي كل حركةٍ وسكون.
القرآن الكريم أنشأ أمّة وهي أمّة حسب صناعة القرآن مثلٌ أعلى للأمم, ومكّن لحضارة التوحيد أشدّ تمكين, وكربلاء وقفت بقوة وصرامة في وجه إكبار الأمّة والحضارة, في وجه إكبار أمّة القرآن وحضارة القرآن وطمس معالمهما.
وموسم عاشوراء اليوم يتحمّل نفس الوظيفة التي تحمّلت عبئها كربلاء, من خلال ما يغنى بها في العشرة الأولى من محرّم, من نشاطٍ منبريٍّ ومواكب, ثم من بعد العشرة ما ينبغي أن يُكثّف فيه من دوراتٍ وأبحاثٍ ودراساتٍ وخطابةٍ وقصَصٍ وندواتٍ وحواراتٍ قرآنية وفنون مباحة, تنصبّ كلها على محورية القرآن والحسين (عليه السلام), وإنقاذ هوية الأمّة وإحياء الحضارة الإسلامية, والحفاظ على نقاء الدين وأصالته, ومحاولة التمكين له في العقول والقلوب وكل ساحات الحياة, من ساحة المنزل إلى ساحة الحيّ, إلى ساحة القرية, إلى ساحة القطر, إلى ساحة الأمة, إلى الساحة العامّة للإنسانيّة جمعاء.
ولنقف عن شهية الإضافات المفتوحة إلى إحياء هذا الموسم وكيفما نريد, فنبعد فيبعد هذا الانفتاح, فتبعد بنا هذه الإضافات كثيراً عن القرآن والحسين (عليه السلام).
عاشوراء تصميمٌ للمعصوم (عليه السلام), والقرآن من تنزيل الله سبحانه وتعالى, والتدخّل بالعنديات في ثورة الإمام الحسين (عليه السلام), والتبرّع بالإضافات الكيفية لهذه الثورة, والأخذ بأيّ أسلوب من الأساليب لإحياء هذه الذكرى قد يغتال قداستها, يحدث لها تشويهاً يغيّب الصورة الوضّاءة النقيّة لها.
لا تحريف في القرآن وكذلك لا تحريف في أثرٍ من آثار المعصومين (عليهم السلام). إن الموسم الإحيائي أمر أهل البيت (عليهم السلام), وهو أمر الإسلام والقرآن, ولا يحيى أمر القرآن إلاّ بطريقةٍ قرآنيّة, ولا يحيى أمر الحسين (عليه السلام) إلاّ بالطريقة التي يرتضيها الإمام الحسين (عليه السلام).
لا يصحّ أن تُشاب مادة كربلاء بالأوهام والخرافات, ولا أن يُفسد نقاءها الروحيّ وطُهرها الإيماني الفنّ المبتذل الرخيص, ولا أن تسمح جماهير الحسين (عليه السلام) بالأجواء القذرة التي تغتال قدسيّة المناسبة وتنال من كرامتها.
ويمكن أن يطرح في ضوء شعار الجمعية “حسينيّون قرآنيّون”, مسابقةٌ فكريةٌ وعمليّة تحت عنوان (أيّكم أكثر حسينيةً وأحسن عملاً؟), تشجيعاً للولاء الأصدق والعمل الأحسن في مجالٍ معيّن, أو أكثر من مجال.
وعاشوراء نشتريه بالمليارات ولا نبيعه بالمليارات, عاشوراء نشتريه بالأنفس ولا نبيعه ولو كلّف الأنفس. في عاشوراء حياة الأمّة, فيما يؤكّد عليه عاشوراء من خط الإمامة الإلهيّة, حياة الأمة, وما كَمُل الدين وما تمّت النعمة وما رَضِيَ الربّ إلاّ بالتنزّل والتبليغ والتأكيد لخطّ الإمامة الإلهيّة, المتمثلة في شخوص أهل البيت المعصومين (عليهم السلام).
غفر الله لي ولكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.