نص كلمة آية الله قاسم خلال ملتقى مرشدي الحج ببني جمرة 1432هـ

نص كلمة آية الله قاسم خلال ملتقى مرشدي الحج ببني جمرة

ألقى سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم كلمة في الفعالية الثالثة لملتقى «مرشدي الحج» الذي نظّمه المجلس الإسلاميّ العلمائيّ بالتنسيق مع حوزات البحرين يوم الثلاثاء 19 ذو القعدة 1432هـ الموافق 18 أكتوبر 2011م، بحوزة الإمام زين العابدين (عليه السلام) في بني جمرة، دعا فيها إلى أن «لا يُفسَد الجو العبادي (في الحج) بالغليان السياسي. والغليان السياسي يجب أنْ لا يقضي على الحج من ناحية عبادية»، وأضاف «يجب أنْ نكون أحرص المسلمين على بقاء الحج، وعلى بقاء البُعد العبادي في الحج، والحفاظ على دماء المسلمين».

وهذا نص الكلمة:

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين
الصلاة والسلام على سيِّدنا محمد وآله الطيّبين الطاهرين
ربّنا بك نستهدي، ومنك نستمدُّ العون، وعليك نتوكل، ونسألك إخلاص النية، وقبول العمل، والتوفيق لما تحب وترضى، يا الله يا كريم.
أنا هنا متطفّل، خاصة في لقاء مع مرشدي الحج. لستُ من ناقلي التمر إلى هجر – كما يقولون -، ولكني تلميذ لكم على هذه المائدة، وهذا لا يعفيني من أنْ أذكّر نفسي وأذكّركم بما لعلّه يرضي الله تبارك وتعالى في هذا الموضوع أو غيره من الموضوعات الأخرى. هنا أتطرّق باختصار لبعض النقاط العادية السطحية.

الإسلام اهتمّ بالحج اهتمامًا عاليًا كما هو واضح لكلِّ مطالع. هذا الاهتمام لا بدّ أنْ ينعكس على المسلم باهتمام مثله. الإسلامي الذي يهم أمر الإسلام وأمر الأمّة الإسلامية والوضع الإسلامي وبقاء الإسلام ونقائه، لا بد أن يعطي من اهتمام لهذا الموضوع بما يحاول أنْ يوازي أو يقارب، يدنو من اهتمام الإسلام به. فالأمّة كلّها تتحفز في مثل هذا الموسم لأداء شيء من حقّه على درجات مختلفة من الوعي والاهتمام.

وإن كانت الأمّة قد سجلت بعدًا هائلًا عن وعي الإسلام وعن مدى الهمّ الإسلامي وأخلاقيات الإسلام وتطلعات الإسلام وأخلاقية الإسلام؛ إلّا أنها لا زالت تتشبّث به وصارت تدرك من جديد بعدها عنه وضرورة اقترابها منه وتعلّقها به والعودة إليه والمسألة تحتاج إلى وقت وليس بالوقت القصير، ولكنها بداية تغيّر هائل وكبير ومؤثر في حياة الأمّة، وبداية طريق لا بدّ أن ينتهي إلى يوم جديد في حياة هذه الأمّة يشبه يومها الأول في العزة والكرامة والسؤدد والقرب من الله سبحانه وتعالى. نرجو هذا الأمر وهو كائن بإذن الله وخاصة على يد الإمام القائم (عجَّل الله فرجه وسهّل مخرجه).

يتمتع موسم الحج بحالة روحية محضّرة ونفسية وفكرية معدّة لمسألة التلقّي والاستقبال لقضية التبليغ. أجواء الإنسان تختلف، ساعاته تختلف، وظروفه تختلف، وهو يختلف في قابليته للدرس الفكري من ظرف إلى ظرف، وفي الاستيعاب الروحي من حال إلى حال. أجواء العبادة هي أجواء ذات خصوصية لفتح شهية النفس، شهية الروح على الاستقبال والتلقّي لدرس الأخلاق وللدرس الروحي وللإلهامات العالية. موسم الحج له هذه الخصوصية بشكل واضح، وتبدأ النفس في التحضّر والاستعداد لمثل هذه الوجبات والموائد الإلهية العالية منذ وقت، وعلى مدى طويل، منذ أنْ يفكر الإنسان في الحج تتكون عنده النفسية للتفاعل مع الحج، للاستفادة من الحج، للاستلهام من الحج، للانفتاح على دروس وإيحاءات الحج. يستمر هذا الأمر في تصاعد إلى أن يصل أوجّه في موسم الحج، وأنت هناك لا شك أنك تختلف عنك وأنت هنا. وأنت في تلك الأجواء المحاطة ولو بمظاهر الإيمان والعبودية لله سبحانه وتعالى تمتلك من الروح ومن الشعور ما يجعلك منفتحًا على سماع كلمة الهدى، امتصاص أكبر قدر من أنواراها وضياءاتها. هناك أنت لست مشغولًا في العادة، وفي ما عدا الاستثناءات الانحرافية لست مشغولًا بأكبر من همّ العبادة وأكبر من همّ الاستفادة من الحج وإجادة عملك العبودي الذي تمارسه هناك، والخروج بحج ناجح ولو بصورة ظاهرية، محاولًا أنْ تستفيد من الحج أكبر مما عليه مستوى الاستفادة الظاهرية، وأن تكون أقرب إلى الله تعالى منك في أيِّ يوم آخر.

هذا الاستعداد الروحي ويصحبه صفاء فكري، وخُلوّ الفكر في الغالب من مشكلات حادّة تستولي عليه وتحول بينه وبين أنْ يستوعب يجعلك تسمع الكلمة فتأخذ أكبر قدر منها على المستوى الفكري والروحي والإرادة. هذا الجو المهيّأ، هذا الجو المعدّ إعدادًا إلهيًّا خاصًّا يعطي فرصة عالية لقفزة روحية، ولمستوى تربوي كبير وقافز، فلا بدّ أنْ يُستثمر، ولابد أن تُوظَّف الجهودُ الكبيرة من أجل أنْ تكون العامل المساعد على أن يعطي هذا الجو ما هو أهله من فرصة الاستفادة والاستنارة والتربية وتصحيح الذات. هذه نقطة وددت أن أمرّ بها.

إخوتي الكرام، للتربية أبعاد متعددة، وشخصية الإنسان لها بعدها الفكري وبعدها الروحي، بعدها النفسي، الإرادي، العملي على مستوى الخارج الاجتماعيّ السياسيّ.. إلى آخره. ما يمكن أنْ يُخاطب في الإنسان كثير، وما يتطلّب العناية في الإنسان على مستوى التربية والصقل والإعداد كثير. وما يمتلك الإنسان في داخله من قابليّات للصعود في المستوى لتحقيق ذات أكبر غنىً وأكبر ثراءً كثير. كلّ ذلك كثير، وعملية التبليغ عملية واسعة مترامية في الأطراف وإن كانت يجب أن تكون متكاملة.

ماذا تخاطب في الحج؟ إنّ لك فيه الكثير ممّا يمكن أنْ تخاطبه، وإنّ لك فيه الكثير ممّا يمكن أنْ يتجاوب معك في عملية تربوية صاعدة، وأيام الحج محدودة وفرصة اللقاء وإنْ اتّسعت إلّا أنها أيضًا تبقى ليست مفتوحة، فلا بد أنْ تُراعى الأولويات. فما هي أولويات خطاب الحاج أو خطاب المرشد للحجاج؟ هناك البعد الفقهي الذي لا يمكن أن يُهمل، وهو ضروري جدًّا، بحيث إنّ الحج يتوقف على صحة هذا الخطاب وعلى معالجة هذا الخطاب لمواضع الجهل والشك والخطأ، وهذا الخطاب لا يكفي فيه – كما تعرفون – أن تلقي محاضرة في أحكام الحج وإنما لا بد من متابعة عملية لمسار الحاج، لمواقف الحاج، وإحداث رغبة صادقة وثقة تامة في نفس الحاج بأن المرشد يقف معه في كلّ المواقف، وأنه مستعد لأنْ يجيب على أسئلته، وأن تثير فيه الشجاعة والحرص وتشعره بضرورة السؤال في كلِّ منسك يقوم به، مهما زوّدته من أحكام قد تبقى أمور تستجد في وضعه الفكري، وتستجد أمامه، لا يستطيع أنْ يُجيب عليها، ثمّ إنه لن يستطيع أنْ يحفظ لك كلّ الأحكام التي تطرحها عليه في محاضرة واحدة أو محاضرتين، ذهنيّتك الفقهية المعتادة الممارسة تختلف عن ذهنيّته الفارغة، هو الآن يتلقّى كلامًا جديدًا لدروس جديدة لم يعايشها أبدًا، وحتى الذين تكرّرت تجربتهم مع الحج تبقى لهم شبهات، تبقى لهم مسائل.. إلى آخره. من يرعاهم؟ لا شكّ أنت المسؤول الأول عن رعاية هذا الجانب فيهم.

المسألة الفقهية واضحٌ على مستوى الضرورة، أنْ تُتناول بصورة مغطِّية وكافية. التعمّق غير مطلوب، هناك معلومات علمية تخصصية، والابتلاء بها ليس كثيرًا، وهناك معلومات ضرورية ومعاشة يوميًّا، ومطلوبة بشكل ضروري جدًّا في هذا المنسك أو ذاك المنسك، في هذه الشعيرة أو في تلك الشعيرة من شعائر الحج. الأحكام التي يُركّز عليها كثيرًا هي هذه الأحكام الابتلائية. الأحكام التي لا يُبتلى بها إلّا نادرًا لا يُتخم ذهن المخاطّب بها وإنْ أمكن الإشارة إليها أو التنبيه إليها، يكفي التنبيه الإجمالي على ضرورة السؤال عند أيِّ موقف من المواقف. هو حسن جدًّا أنه عند ممارسة كلِّ شعيرة تُلقى الأحكام الخاصة بهذه الشعيرة في زمن قريب جدًّا من الممارسة، في وقت الممارسة حتى لا تُنسى أو تُغفل.

بُعد الروح ممارسة خارجية في مسار تتجه لله (عزَّ وجلَّ)، بُعد روحي عن الله (عزَّ وجلَّ)، جفاف روحي، قَفْر روحي. هذا – طبعًا – ليس فيه تحقيق لغرض الحج على الإطلاق. على كلِّ حال، الجو الروحي لابد أنْ يُستغلّ في تنشيط جانب الروح، في إيقاظ الروح، في دفعها، في إعطائها قوة إضافية من الكلمة الهادية ومن السلوك الوضّاء، الذي يتيح لها أنْ تنشط وأن تتجه بدرجة أكبر إلى الله (عزَّ وجلَّ)، وليس هناك جو أكثر تناسبًا مع الدرس الروحي واستقبال الدرس الروحي والإجادة في إلقاء الدرس الروحي من جوّ الحج. أنتم تفرّقون بشكل واضح جدًّا بين كلمة تُقال في مرقص وكلمة تقال في مسجد، وإنْ كان للكلمة الهادية المخلصة تأثير في كلّ الأجواء وفي في كلّ الأماكن، ولكن كلمة في سوق تختلف عن كلمة في موسم الحج المهيّأ المعبّأ بدرجات عالية ولو من المظاهر الإيمانية كما سبقت الإشارة إليه. هذا الجو يعطي خاصية للكلمة، يعطي القدرة على إجادة إلقاء الدرس الروحي، يعطي انفتاحًا في النفس لاستقبال الدرس الروحي. البعد الفقهي، البعد الروحي.

علينا أنْ نكتشف الحجاج لا ليوم الحج فقط، وإنما لطول السنة، للعودة إلى أرض الوطن علينا أن نعرف مشكلات شبابنا الفكرية، الغموض الفكري الموجود، الشبهات الفكرية. ينقل لي أحد الإخوان أنّ شابًّا كان مؤمنًا، أحد الشبان الجامعيين ينقل هذا الشيء أن شابًّا جامعيًّا كان له اهتمام إيماني والتصاقه بحالة الإيمان صار مسيحيًّا، ثم – الظاهر – خرج من الدين نهائيًّا، في البحرين، من طلاب الجامعة. خرافات، قرأ الإنجيل، إنجيل تافه في محتواه ماذا ينقله من قناعة للقرآن القناعة للإنجيل؟ موجود ضحالة دينية، ضحالة فكر، ما موجود منهجية علمية، موجودة عواطف، انفعالات، موجود تربية ايمانية ليست قائمة على فكر رصين. لابدّ أنْ نكتشف هناك مختلف شرائحنا، مستواها الاجتماعي، مستواها السياسي، مستواها الفكري، الإيماني، إلى آخره… ليكون لنا من ذلك مادة نستفيد منها هنا في رسم برامج التوجيه والتربية والوقاية والمعالجة.

هذه فرصة عند المرشدين تنفتح هناك بصورة غير موجودة هنا، اللقاء مع مختلف الشرائح، الاقتراب مطلوب – الاقتراب من الناس وليس الاقتراب بالتعرف على الاسم -، بالتعرّف على معرفتهم وليست المعرفة بالاسم، مطلوب الاقتراب، مطلوب المعرفة، مطلوب الدخول إلى حياتهم، لكن ليس الدخول الفضولي، ولا الدخول العدواني، ولا الدخول غير الهادف، ولا المغرض بغرض سيئ، الدخول الشريف الذي يقوم على روح الإنقاذ، روح التصحيح، روح النهوض بالمستوى. علينا أن نعرف الناس لا بالاسم، إنما نعرفهم بفكرهم، بوضعهم الاجتماعي العام محاولين عدم اكتشاف الخصوصيات، وعدم الوقوف على الأسرار الشخصية للإنسان، وإنما مطلوبنا أنْ نعرف ما يصحُّ معرفته للمخلص الموجّه المربي منهم؛ من أجل أنْ ننهض بمستوى مجتمعنا. فرصة هناك لهذا اللقاء لا تتاح هنا إلّا في حدود أضيق تعطي للمرشدين مادة ينطلقون منها حين يرجعون للوطن، إلى تصحيح التوجيه، إلى تدارك أخطاء كان يعيشها المرشد هنا في التوجيه… إلى آخره.

تتمّة لهذه النقطة، هناك مسؤول أبدان في الحج – يعني سلامة أبدان، الحفاظ على أبدان – هذه مهمة يتولّى أمرها رؤساء الحملات ومن نسمّيهم المقاولين وما إلى ذلك. هناك مسؤول أرواح، أخلاق، فهم ديني إلى آخره… هم أنتم. فإذا انعكس تقصير من الناحية البدنية على الحجاج فهو مسؤولية رئيس الحملة وصاحب التعاقد المادي مع الحجاج. أما إذا وُجد خطأ في حج شخص، وجد هبوط مستوى أخلاقي تستطيع أن تحول بينه وبين أن يكون، وجود أخطاء مُعاشة، أخلاقية، اجتماعية في داخل الحملة تستطيع أنت أنْ تتدخل في تصحيحها ولو جزئيًّا، موجود حالة عداوات حالة نزاعات تستطيع أنْ تُجنّب منها، موجود حالة تبذُّل تستطيع أنْ تصدّها، فهذه مسؤوليتك أنت. أنتم مسؤولون عن الجانب الروحي والفقهي للحجاج، وأنتم رسل الدين إلى ذلك الموسم، وحَمَلة أمانة دين الله في هذا الأمر، أنتم لستم تجار مال، ولستم ممن يذهب للنزهة، ولا لغرض دنيوي، أنتم تحملون همّ الدين، وهمّ هذا المجتمع، وهمّ صلاح الأمّة، وأنتم محلّ أمل وثقة بأنكم قادرون على أنْ تنهضوا بمسؤوليتكم، ولكم من الأمانة ولكم من الوعي ولكم من الإرادة ما يجعل المؤمنين يعلّقون الأمل عليكم بصدق.

كلّما توحّد فهم المرشدين حول عبارات فقيه معيّن قد تختلف عليها الأفهام، طبعًا كان هذا أسهل للحجاج. المسألة ليست مسألة توافق خارج القناعة، أتوافق معك على هذا الفهم خارج قناعتي، أو تتوافق معي على هذا الفهم خارج قناعتك، وإنما كلُّ المطلوب هو أنْ نحاول من طريق علمي، من طريق التباحث، من طريق التداول في المسألة، المحاورة، أنْ نصل إلى الفهم الأصح الذي يوفر لنا قناعة مشتركة، وهذا فيه تيسير كثير على المكلّفين الذين يقلّدون – مثلًا – هذا المقلّد.

خلافات المقلّدين – إخوة – تبقى خلافات علمية ولا ندخل في نزاعات التقليد، ولا نسمح لمثل هذه المسألة أنْ تفرق صفوفنا، وأنْ تخلق حالة من الحساسية في النفوس تجاه بعضنا البعض. ننأى كثيرًا – وكلّما استطعنا – عن إثارة خلافات التقليد وعن نزاعاته، وعن الدعوة لهذا من المقلَّدين أو الدعوة لذاك. هذا في صالح دين الله، ولو أخطأ – أنا في نظري هكذا – يبقى إنسانًا مشتبهًا في تقليده خيرٌ من فتنة تمزّق المسلمين والمؤمنين. اشتبه في تقليده أنت يمكن اشتبهت في يوم من الأيام في تقليدك صحّحت تقليدك، هو ليس معلومًا أنْ تبقى أنت على تقليدك، ليس معلومًا هذا، قد يجدُّ لك جديد في أمر تقليدك فكيف أسحب الناس كلّهم إلى تقليدي؟ (…) فلنكن دقيقين وأتقياء في مسألة التقليد أيضًا، بحيث لا نحدث شروخات بين المؤمنين لمجرّد ظنٍّ أو ما إلى ذلك.

آخر نقطة هي أنّ جوّ الحج لم يعد الجو البعيد عن حالة التوتر السياسي، وعن حالة التوتر الطائفي، أجواء الحج صارت مشحونة بأوضاع تشنّجية في البعد الطائفي وفي البعد السياسي، وُجُهات النظر السياسية في الحج من كلِّ الأقطار، متعدّدة ومتضاربة، كلُّ قطر في داخله توجد وُجهات نظر متباينة، وتوجد صراعات سياسية في كلِّ البلاد الإسلاميّة، بين الحكومات والشعوب وبين الأحزاب وما إلى ذلك، والشعوب تنقسم أيضًا – فئة صغيرة فئة كبيرة هذا مو … على كلِّ حال، موجود انقسام في كلِّ الشعوب في هذه المسألة. لو انطلقنا في الحج في مسألة البعد السياسي، كلٌّ انطلق بوجهة نظره الخاصة وأراد أنْ يعبّر عن وجهة نظره الخاصة بشكل مفتوح، ماذا تكون المسألة؟ كيف تكون الأجواء؟ صعبة. ستكون أجواء اقتتال. ستكون الأجواء أجواء اقتتال. لو أن التونسيين نزلوا بوجهتَي نظر، المصريين نزلوا بوجهتَي نظر، ثلاث وجهات نظر، الآن أحزاب في مصر، كثير من الأحزاب أحزاب متوحّدة وأحزاب غير متوحدة في وجهة النظر، ووجهات النظر هذه نزلت في ساحة الحج لتتصارع بالشكل المفتوح العلني المعبِّر تعبيرًا صريحًا وجليًّا، وجهات النظر في تونس، في اليمن، في الخليج، في كلِّ مكان.. كيف يكون الحج يا إخوة؟ تكون معركة أيدي مو معركة ألسن فقط.. ستنتهي معركة الألسن إلى معركة أيدي لا أحد يريد للحج أنْ يكون هكذا.

المسألة السياسية مهمة وهي من قلب الحج. ولكن لا يُفسَد الجو العبادي بالغليان السياسي. والغليان السياسي يجب أن لا يقضي على الحج من ناحية عبادية ويحوّله إلى معسكرات متقاتلة. صعب، الجو سيكون صعبًا جدًّا وسيفقد الجو العبادي، جو الحج أصل لبّه العبادي. هو صحيح فيه بُعد سياسي ولكن يبقى البعد العبادي هو الأول على الأهمية البالغة الشديدة للبُعد السياسي والبُعد الاجتماعي والبُعد الاقتصادي والبُعد الثقافي. كلُّ هذه الأبعاد مهمّة ومحتفلٌ بها في الحج، ومحلّ عناية في الحج، إلّا أنّ المحور هو البعد العبادي. حين نقضي على عبادية الحج بطغيان أيِّ بعد آخر من بُعد اقتصادي، أو سياسي أو اجتماعي إلى آخره أو ثقافي.. حينما نطغى بأيِّ بُعد من الأبعاد التي يهتمّ بها الحج على البُعد العبادي فقد طغينا على ما هو المحور في الحج. لو حوّلنا الحج إلى موسم اقتصادي ينفع المسلمين، وأعطينا الجانب الاقتصادي الأهمية القصوى في الحج على حساب البُعد العبادي وصار البُعد العبادي يضمر ويتضاءل أمام البعد الاقتصادي والجدوى الاقتصادية، هل أجدنا؟ طبعًا لا.. أيُّ بعد آخر يقضي على بُعد الحج، يحوّله إلى ساحة تبتعد عن الجو العبادي، طبعًا الممارسة السياسية في الحج – بحسب تخطيط الحج وبحسب الظروف التي يخلقها الإسلام – النشاط السياسي لا يتصارع، ولا يتنافى ولا يعكر الحالة العبادية، بل بالعكس، حالة تكاملية، ترابطية. كلُّ الأبعاد هذه تتلاقى كتلاقي الجسد الواحد في تركيبته على هدف واحد، وعلى إعطاء إنسان سويّ، هذا الحج! كل العبادات هكذا.. ما فيها تضارب، ما فيها تناقض داخلها. لكن الأوضاع الخاصة طبيعي تنعكس على الجانب العبادي، وكثيرًا ما يُشوَّه الإسلام بسبب ضغط الواقع والتدخّل الواقعي.

فأقول: حسب التخطيط الإلهي للحج، الحج متكامل ومتناسق، وعطاءاته متناصرة.. الاقتصاد يخدم الاجتماع، يخدم السياسة، يخدم العبادة، والعبادة تخدم… إلى آخره. وهذا هو الإسلام.. بس الجو مختلف.. وأقول بأن البُعد العبادي في الحج بُعد يجب أنْ يُراعى، وفريضة الحج يجب أنْ تبقى، وما هو مطلوبٌ يمكن أنْ يُتنازل عنه من أجل ما هو ضروري ولبُّ الموضوع، ولبُّ الأمر. وقلت: التعبير السياسي اليوم الحر مفتوح؟ طبعًا غير ممكن عمليًّا، معناه صراع ملايين المسلمين في داخل ساحة الحج. قلت لكم إذا نزلت وجهات النظر السياسية في كلِّ البلدان لتعبّر عن ذاتها بالتعبير الذي أريده أنا والتعبير الذي تريده أنت، ماذا يحصل؟ تحصل معرركة دامية. وهذا ما لا يمكن أنْ يُستهدف. ونحن طبعًا أحرص الناس، ويجب أنْ نكون أحرص المسلمين على بقاء الحج، وعلى بقاء البُعد العبادي في الحج، والحفاظ على دماء المسلمين.

الجانب الآخر، الجانب المذهبي. أنت لا تثير ولكن تُستثار، أنت لا تتعدّى ولكن يُتعدّى عليك، أنت تَحترم ولكنّك لا تُحترم في مذهبك. ما أمكن الردُّ العلمي والتبصير وجب، وجب الرد العلمي والتبصير وبيان وجه الحق. إذا وصل إلى حد اللغو.. الطرف الثاني واصل حالة لغو – ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ {الفرقان/72} – هذا سبّاب، شتّام، الجواب أسب وأشتم؟ السب والشتم لا يليق بي كإنسان مؤمن، لا يليق بالموسم، موسم حرمة الحج.. لا يليق حتى بالإنسان بما هو إنسان، لن يبني وإنما سيهدم، سينشر لغة التشاتم، ولغة السباب وهي لغة تقضي على الروح الموضوعية والروح العلمية، وتسد كل أبواب التفاهم. لا نختار لأنفسنا أنْ نردّ على الشتم بالشتم والسب بالسب وأن ندخل في فتنة، فضلًا عن أنْ نهزّأ الآخرين في مذاهبهم، وأنْ ننال منها. نحن أبعد ما نكون عن النيل من الناس في عقائدهم بلسان فاحش، بلسان بذيء. إذا كان الطرف الآخر مستعدًّا للحوار، مستعدًّا للبحث عن الحق بحيادية وموضوعية، فنحن هنيؤون بالدخول في مثل هذا الحوار، في ما عدا ذلك والكلام من أجل الكلام ليس من شأن المؤمن.

غفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.