آية الله قاسم في خطاب يوم العاشر: إذا قالت لك الشهوة: أنا شهوة، هل تقول لها أنا حسيني؟

إذا أردتم وعيًا سياسيًّا ورساليّة نادرة فاطلبوا ذلك من الحسين
آية الله قاسم: إذا قالت لك الشهوة: أنا شهوة، هل تقول لها أنا حسيني؟

قال آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم، في خطاب ألقاه عصر يوم العاشر من المحرم لعام 1433 ه، أثناء موكب عزاء الدراز، إن يوم عاشوراء “يوم النصر في الشهادة، والفتحِ في القتل في سبيل الله”، كما وصفه سماحته بـ “يوم المقتل والمولد والحياة، نعم هو يوم مقتل ولكنه يوم الحياة، يوم حياة الإسلام، يوم حياة القرآن، يوم حياة الإرادة الإنسانية الإيمانية، يوم حياة العزّة والكرامة، هو يوم لحياة الأمّة، ولحياة الإنسانية جمعاء”.
وفي حين شدد آية الله قاسم على أن “الانتماء للحسينِ (عليه السلام)، بمقاومة وساوس النفس وشهواتها، وضعفها وضغطها، وهواها في الخلوات والانتشار، حين نجتمعُ وحين ننفردُ بأنفسنا، الانتماء للحسين لمقارعة كلِّ ظلم وكلِّ استكبار وكلِّ طغيانٍ في الأرض”. سأل: “إنّ الظلم يتحدّاك، وإنّ الهوى يتحدّاك، وإنّ الشيطان يتحدّاك، وإنّ قوى الإغراء، والتهديد والوعيد، والتهويل تتحدّاك، فهل تصمد؟ هل تبقى حسينيًّا؟ إذا قالت لك الشهوة: أنا شهوة، هل تقول لها أنا حسيني؟ قولوا: لبيك يا حسين. قولوا لكلِّ رغبة ساقطة ولكلِّ شهوةٍ سافلة ولكلِّ فرصةٍ شيطانيةٍ مُغرية – قولوا لها -: نحن حسينيّون فوق كلِّ ذلك”.
وأضاف مخاطبًا الجماهير الحسينية “إذا أردتم وعيًا سياسيًّا ورساليّة نادرة فاطلبوا ذلك من الحسين ويوم الحسين (عليه السلام)، إذا أردتم صمودًا وثباتًا على الحقِّ لا يردّكم عن ذلك صعوبةٌ أو موت فتعلَّموا الصمود والثبات من الحسين ويوم الحسين (عليه السلام)، إذا أردتم التحرُّر من الدنيا وكلِّ ما تضغط به على العقل والدين والضمير فخذوا أعلى دروس الحريّة من الحسين ويوم الحسين (عليه السلام)”.

وهذا نص الخطاب مكتوباً:
حُيِّيتَ عاشوراء الحسين (عليه السلام)، يا يوم الدم الزكي القاهر لسيف الضلال يوم انتصار الإرادة المؤمنة على بطش الظالمين، يوم الثورة المرعبة على عرش الطغاة من شياطين الأرض، يوم العزِّ والإباء، والشموخ والكرامة، يوم التضحية والفداء، والبذل الواعي السخيِّ في سبيل الله، أنت يوم «القتلُ أولى من العار»، يوم «هيهات منّا الذلّة»، يوم «لا أعطي بيدي إعطاء الذليل»، أنت باعث أمّة الإسلام بعد موت، مولدٌ ثانٍ للإسلام، معلِّمٌ للإنسان في أجيالها، مُلهمٌ للثورات، مصحِّحٌ للفكر، للشعور، للإرادة، مُعيدٌ للأمّة للمسار الصحيح.

معك يا يوم الحسين (عليه السلام)، في إيمانك المُشِعِّ، في فكرك المتوقّد، في سياستك الرشيدة، في ثوريّتك المشتعلة، في صبرك العظيم، في شموخك البعيد، في عزَّتك الغالية، في هدفك الإلهيّ المقدّس.

معك يا يوم الحسين، في كلِّ كلمة قالها الحسين (عليه السلام)، في كلِّ موقف وقفه، في كلِّ إشارة من إشاراته، في كلِّ رأيٍ أبداه، وفي كلِّ رأيٍ ألمح إليه؛ لأنّه الإمامُ الحقُّ، الذي لا يُبارح الحقَّ، والحقُّ لا يُبارحه.

حُيِّيتَ يا يوم النصر في الشهادة، والفتحِ في القتل في سبيل الله، يا يوم المقتل والمولد والحياة، نعم هو يوم مقتل ولكنه يوم الحياة، يوم حياة الإسلام، يوم حياة القرآن، يوم حياة الإرادة الإنسانية الإيمانية، يوم حياة العزّة والكرامة، هو يوم لحياة الأمّة، ولحياة الإنسانية جمعاء. بذل الإمام الحسين (عليه السلام) دمه الغالي من أجل أنْ يبقى دمُك، وليبقى دمُ كلِّ إنسان، ولتبقى كرامة كلِّ إنسان محفوظة مصونة.

يا يومُ تهتزُّ لذكراه عروش الطغاة الجبّارين، يا يومًا لتخريج الثوّار والشهداء في سبيل الله، ممّن لا يُبالون الموت وقع عليهم أم وقعوا عليه، يا يومُ لازال يُعِدُّ الأجيال ليوم الثورة الكبرى ونصرة المُنقذ العظيم، يا يومًا مِنْ خِرِّيجيه مَنْ ارتعدت له فرائص الكفر العالمي، وارتجفت دول المستكبرين، يا يومًا مِنْ خِرِّيجيه مَنْ هُزمتْ على يده إسرائيل، وأذاقها الذُلَّ والهوان، يا يومًا هزمْتَ على يد الحرِّ والعبدِ، الشيخِ والشابِّ، الرجلِ والمرأةِ، كلَّ شهوات الدنيا وسحرها، بوعي الآخرة وحبِّ الله وقيادة الحسين (عليه السلام)، يا يومًا لم يُبقِ فيه خوفُ الله في نفوس صفوةٍ من رجالٍ ونساء أثرًا في تلك النفوس لأيِّ خوف، ولم يترك رجاؤه سبحانه فيها مزاحمًا لأيٍّ من رجاء، يا يومًا يحتاجه تاريخُ هذه الأمّة، وتاريخ كلِّ الأمم، لَإنْ أبكيتَ يا يوم عاشوراء وأقرحتَ قلوب المؤمنين، إلّا أنّك يوم الفخر والعزّ والشموخ في نفس كلِّ مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة، يومٌ لتعليم الإيمان والثوريّة والصبر والتضحية والصمود.

يا رجال الأمّة ونساءها، يا شيوخ الأمّة وشبابها وناشئتها، إذا أردتم أنْ تكونوا أقوياء فكونوا على ذِكرٍ من الحسين ويوم الحسين (عليه السلام)، إذا أردتم أنْ تكونوا مُضحِّين فاستلهموا روح التضحية من الحسين ويوم الحسين (عليه السلام)، إذا أردتم وعيًا سياسيًّا ورساليّة نادرة فاطلبوا ذلك من الحسين ويوم الحسين (عليه السلام)، إذا أردتم صمودًا وثباتًا على الحقِّ لا يردّكم عن ذلك صعوبةٌ أو موت فتعلَّموا الصمود والثبات من الحسين ويوم الحسين (عليه السلام)، إذا أردتم التحرُّر من الدنيا وكلِّ ما تضغط به على العقل والدين والضمير فخذوا أعلى دروس الحريّة من الحسين ويوم الحسين (عليه السلام)، إذا أردتم عشق الشهادة النابعة من عشق الله فإنّه يقدِّمه لكم حيًّا وفيًّا الحسينُ ويومُ الحسين (عليه السلام).

الانتماء للحسينِ (عليه السلام)، لإيمانهِ، لعلمهِ، لفقههِ، لهداهُ، لتقواهُ، لثوريّته، لمدرسته، هو للانتصار على الأعداء، للانتصار على النفس، للانتصار في كلِّ الساحات. إنْ كنتم تطلبون نصرًا في ساحة المعركة مع النفس، ومع كلِّ الأوضاع الجاهليّة، ومع كلِّ المغريات، ومع كلِّ التوعُّدات والتهديدات والتهويلات، فخذوا إرادةً وعزمًا وتصميمًا من إرادة وعزم وتصميم الحسين (عليه السلام) *(لبيك يا حسين).

الانتماء للحسينِ (عليه السلام)، بمقاومة وساوس النفس وشهواتها، وضعفها وضغطها، وهواها في الخلوات والانتشار، حين نجتمعُ وحين ننفردُ بأنفسنا، الانتماء للحسين لمقارعة كلِّ ظلم وكلِّ استكبار وكلِّ طغيانٍ في الأرض. إننا نعيش معركة دائمة مع النفس، ونعيش تحدّياتٍ صعبةً في ما يجب علينا من الالتزام بأحكام شريعة الله، وهزيمة الهوى والشيطان والنفس الأمّارة بالسوء، والتطهُّر والتوقِّي من الفواحش، وفي هذه المعركة الدائمة الواسعة يَختبرُ الإنسانُ مدى ذكره لله سبحانه – هل تنجح في المعركة مع الهوى، في المعركة مع وساوس الشيطان، في المعركة مع كلِّ ضغوطات النفس، في المعركة مع كلِّ ضغوطات الخارج، في المعركة مع جاذبية الجمال الظاهريِّ المادّيِّ؟ هل تنجح في كلِّ ذلك؟ وإلى أيِّ مدى تنجح؟ أنت هنا تختبر مدى ارتباطك بالله وارتباطك بالإمام الحسين (عليه السلام). إنّها ليست معركةً مع بُعدٍ واحد، هي معركة الحياة الشاملة، معركةٌ في داخل النفس، وفي داخل الأسرة، وفي داخل القرية، وفي داخل الأمّة، وفي إطار الإنسانية بأكملها. إنّ الظلم يتحدّاك، وإنّ الهوى يتحدّاك، وإنّ الشيطان يتحدّاك، وإنّ قوى الإغراء، والتهديد والوعيد، والتهويل تتحدّاك، فهل تصمد؟ *(هيهات منّا الذلّة)، هل تبقى حسينيًّا؟ *(لبيك يا حسين)، هل إذا قالت لك الشهوة: أنا شهوة، هل تقول لها أنا حسيني؟ قولوا: لبيك يا حسين. *(لبيك يا حسين). قولوا لكلِّ رغبة ساقطة ولكلِّ شهوةٍ سافلة ولكلِّ فرصةٍ شيطانيةٍ مُغرية – قولوا لها -: نحن حسينيّون فوق كلِّ ذلك. *(لبيك يا حسين).

في هذه المعركة الدائمة الواسعة يَختبرُ الإنسان مدى ذكره لله سبحانه، وجدّيّة إيمانه، وصدق انتمائه للحسين (عليه السلام)، واتخاذه له قدوةً وإمامًا.
الحسينُ (عليه السلام) الذي رضيناه إمامًا، هو إمامٌ لنا في أيِّ شيء؟ في العزّةِ، والكرامةِ، والجُرأةِ، والشجاعةِ، والإقدامِ، والثوريّة، وهو إمامٌ لنا في الفقهِ والشرفِ والطُّهرِ والتنزُّه من كلِّ المُحرّمات والفواحش، وما يُغضبُ اللهَ سبحانه، وفي خشيته من ربِّه وتقواه وجميل صفاته، إمامٌ لنا في كلِّ كلمة، إمامٌ لنا في كلِّ خطوة، إمامٌ لنا في كلِّ فكرة، إمامٌ لنا في كلِّ شعور، إمامٌ لنا في كلِّ موقف، إمامٌ لنا في كلِّ علاقة. هل نتّخذه لنا إمامًا بهذه السعة؟ في هذا الأفق الكبير؟ أم نُقوقع إمامته في البُعد الثوريِّ أو البُعد السياسيّ فقط؟ – فلنتخذه إمامًا (عليه السلام) في كلِّ خطوة، وفي كلِّ فكرة، وفي كلِّ شعور، وفي كلِّ موقف، وفي كلِّ علاقة -. إنّه إمام في كلِّ أبعاد الحياة، إنّه إمام في كلِّ أبعاد الفكر، إنّه إمام في كلِّ أبعاد النفس، إنّه إمام للدنيا وإمام للآخرة.

لا تنسوا الحسين (عليه السلام)
لا تنسوا الحسين (عليه السلام) فإنّه لم ينسكم – «أبد والله ما ننسى حسيناه» – * (أبد والله ما ننسى حسيناه)، لا تنسوا مدرسته، لا تنسوا خطّه فتنسوا أنفسكم، وعزّتكم، وقيمتكم، ودينكم. مَنْ جهِلَ الحسين (عليه السلام) جهِلَ الدين، لا تجهلوا ذلك فتجهلوا الله (تبارك وتعالى)، ومَنْ جهِلَ الله كان من الأخسرين، الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة، فالتمسوا الهدى واطلبوا النجاة بالانتماء الصادق للإمام الحسين (عليه السلام) * (لبيك يا فقيه).
اللهم اجعل لنا قدم صدق عندك مع الحسين وأولاد الحسين (عليه السلام). عظّم الله أجوركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هامش:
* ( هتاف الجماهير).