نص كلمة آية الله قاسم للمرشدين وإداريي حملات الحج في ملتقى “قوافل الناسكين”

نص كلمة آية الله قاسم للمرشدين وإداريي حملات الحج في ملتقى “قوافل الناسكين”

الدراز :

قولُهُ تباركَ وتعالى: “وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ” [البقرة: 125]

جعلنا من موقع العلم اللا متناهي، والعظمة اللا محدودة، والحكمة التي لا يمازجُها جهل، والقدرة النافذة، والمشيئة التي لا تُرد. “وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ”.. وهو جعْلُ لا تأتي أيّ محاولةٍ على إلغائه، ولا تملكُ أيّ قوةٍ ردّه، ولا أيّ حيلةٍ أن تفشله. جعْلُ تحتاجه البشرية، ويقومُ به أمرُها، وتستقيم به مسيرتها.

“جعلنا البيت”.. والبيوت مأوىً – مآوٍ خاصة-، البيوت عادةً هي مآوٍ للأبدان، يُطلب فيها الستر وتُطلبُ فيها الراحةُ والاكتناد، تؤدّي وظيفة الوقاية والحماية لأجساد الناس، أما هذا البيت فله شأنٌ أكبرُ من ذلك. بيت هو مأوى الفكر البشري، الروحُ الإنسانية، قلبُ الإنسان، مأواهُ ومرجعهُ يأخذُ منه هُدى، ويأخذ منه التوجّه الصحيح، ويهتدي به إلى أن الخطّ الحاكِمَ في الأرض والذي يضمن للإنسان أن يعلو به كلّ علوٍّ مُمكنٍ له، ويرقى به إلى أقصى حدٍّ مُمكنٍ له، أن هذا الخط مرتبطُ ببيت الله الحرام.
بيتٌ هو بيتُ فكرة قبل أن يكون بيت طينٍ وحجارة، بيت قضيةٍ قدسية هي محور كل القضايا قبل أن يكونَ شيئاً آخر، بيتٌ عرفهُ أنبياءُ الله ورسلُه وأئمةُ الدين، وتمحورت قلوب أولياء الله حوله، بيتٌ تعتمدُ على الارتباط به صناعةُ التاريخ الصحيح.

“مثابة” بمعنى مرجع – مِن ثاب يثوبُ ثوباً – فالقلوبُ لابدّ أن ترجع لهذا البيت لقضيّتهِ، أن تتمحور حول القضية والفكرة التي يرمُز له، التي أقيم من أجل تركيزها في قلوب الناس وعقولهم، ومن أجل أن تتجلّى في سلوكهم وأوضاعهم.

“للناس”.. وليس لأمة العرب ولا لأمة العجم، ولا لشرق الدنيا ولا لغربها فحسب، للناس كلِّ الناس، لأن كلّ الناس يحتاجون لهذا البيت يحتاجون إلى وعي قضيته، إلى الالتفاف حول فكرته، إلى الخط الذي يريدُ للإنسان أن يرتبط به. الناس كلّهم في شرق الدنيا وغربها عبيدُ الله، وكلّ عبيدِ الله محتاجون لله، وهذا البيتُ رمزٌ للصعودِ لله عزّ وجل والانشداد إليه والارتباط به.

إنه أمن، ومن غير هذا البيت والفكرة التي يرمزُ لها، والقضيةِ التي يركز عليها، والإسلام الذي ينشدُّ إليه، ويشيرُ إليه، لا أمن في الأرض. كلُّ محاولات الأمن في الأرض فاشلة إلاّ أن يكون انشداد الإنسان لهذا البيت للإسلام الذي يرتبطُ بهذا البيت.
الأمنُ قضيةُ سراب على مستوى الفكر وعلى مستوى الشعور وعلى مستوى الحياة، والأبدان، والأعراض، ما لم يكن انشدادٌ صادقٌ لهذا البيت، وللخط الذي يدعو إليه هذا البيت، خط التوحيد.

“وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى” ..
كُلُّ هذه الآثار تحتاج إلى ما يفعلها، وكل هذا الانشداد يحتاج إلى مصداقية. تمحور مثابةُ البيت مثابة، أن يُتّخذَ البيتُ مثابة، أن يُطلب منه الأمن لابدّ من تفعيلِ الانشداد للبيت، وأخذ الارتباطِ للبيت مصداقيته الحقّة من التزام خطِّ العبادة، من إعطاء هذا البيت وظيفته الحقيقية. ووظيفته هي وظيفةٌ في خدمة التوحيد، وظيفةٌ توحيدية تشدُّ العقول والقلوب إلى الواحِدِ الأحد، وتقضي على كل ألوان الشرك والتعلق بأيّ قوّةٍ أخرى، وتوقيرِ أيّ قوةٍ أخرى ما لم يكن في توقيرها توقيرٌ لله أساسا.

“وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ”..
تطهيرٌ من كلّ لوثٍ مادّي، من كلّ رجسٍ مادّي، من الأصنام، الأصنام الحجرية، والخشبية، والبشرية، من كل المحاور التي يمكن أن تقعَ في قلبِ إنسانٍ خطأً بديلاً عن الله سبحانه وتعالى. تطهيرٌ شاملٌ كامل، لا يُبقي لأحدٍ هيبة إلاّ من هيبةِ الإيمان، هيبةِ القربِ إلى الله عزّ وجل، هيبة العبادة إليه. كُلُّ التوقير وكُلُّ الخضوع، وكلّ التضرّع إنما هو لله سبحانه وتعالى.
تطهيرٌ على كل المستويات وأن يبقى هذا البيتُ بعيداً عن كُلِّ لونٍ من ألوانِ الشركِ، والدعايةِ لأيٍّ من البشر مما يعطي لأحدٍ وزناً في قبالِ وزن الله، في قبالِ عظمة الله، في قبالِ كمالِ الله المطلق.

الحجُّ لِمَن..؟!
بعد هذا إذا كانت الآية الكريمة تقول: “أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ”، فلِمَن الحج؟
الحجُّ لمن يحمل روحَ الاستعدادِ للتّطواف، للركوعِ، للسجود، لعبادة الله تبارك وتعالى. الحجُّ للمتعلّقين بالله، للذين يطلبون الله، للذين كُلُّ قصدهم لله سبحانه وتعالى. الحجُّ لِمَن عندَهُ فطرة نقيّة تجعلهُ يشعرُ بالحاجة الشديدةِ لله عزّ وجل. يعيشُ حالةً من الجوع الروحي، من ظمأ القلب، من ضياعِ النفس، لا تجدُ ما يسدُّها إلاّ في الانشداد لله، والتعلُّقِ به.

الحجُّ لِمَن وعى عبوديته، ووعى شيئاً من عظمة ربوبيّة الله تبارك وتعالى، ولِمَن رأى أنّ كل شيءٍ ممّا سوى الله، ومن سوى الله إنّما هو صفرٌ بلا مددٍ من الله، وبلا عطاءٍ من الله. من وجدَ أن عليه أن يشُدَّ الرّحال وأن يبذُلَ المال، وأن يُعطي من راحته، وأن يقطعَ الفيافي على جملٍ أو حتّى على حمار، أو إذا استطاعَ مشياً في رحلةٍ شاقّةٍ صعبة من أجل إطفاءِ ظمأ الروح، وسدّ حاجة القلب. الحجُّ لِؤلئك الذين يبتغون وجه الله، وليس حجّهم لمالٍ وجاهٍ أو أيّ شيءٍ آخر.

هل الحجُّ للمازحين؟
(أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)، ثم يأتي الحجُّ للمازحين؟ للعابثين؟ للمفسدين؟ للبطرين؟ لمن تتعمّدُ التكشّفَ في الحج من أجلِ أن تُغريَ الشباب؟ لمن يبحثُ في الأسواقِ عن فتاةٍ يتعلقُ بها وتتعلّقُ به؟ لمن تسترخي لغتُه في الخطابة للنساء من أجل أن تجتلبهُن؟ من أجل من يمدّ بصرَهُ لأعراض الآخرين؟

من أجل ما يأتي مما سمعتهُ من صورة مفزعة جداً ينقلها ثقةٌ لا أشكُّ في كلامه: أنّ أربعة أو ثمانية، أربعة شباب وأربع فتيات، في فندُقٍ في المدينة، في جلسة متقابلة، والمائدة لعبُ آلة القمار، وإن كانت من غير مقامرة، أربعة شباب – في الصورة الأقرب في ذهني – تقابلهُم أربع فتيات من البحرين، والمائدة لعب ورقة القمار، وفي حملة من حملاتنا، كلّم المؤمنُ – المشاهدُ – المرشد، قال: أنا قلتُ لهم وهذا مارسوهُ في مكّة!

أيصُحُّ هذا؟ أينبغي أن يجري؟ هنا ليست مسؤولية مرشد وحده، ولا رئيس قافلة وحده، المسؤولية تمتد من المرشد إلى رئيس الحملة والقافلة وإلى كل حاج، طباخ، أي مشارك، صغير، كبير، امرأة، رجل، لابدّ أن يُطرد الأربعة من الحملة، لابد أن يرجعوا إلى البحرين، هم في المدينة خاصّةً يرجعوا إلى البحرين، لابدّ من حزم بهذه الدرجة، لابدّ من الحزم.

أقدس موسم، من أقدس المواسم، موسم شهر رمضان وشهر الحج، موسم مقدّس على مستوى لا يُشق فيه قرآن ولا سُنّة، ثم يأتي فيه هذا الاهتراء وهذا التسافل، وهذا الانفلات؟ هذه معصية أو معاداة لله؟ مرّة تكون المعصية عن ضعف، قد يعصي الإنسان عن ضعف، لكن لمّا يحمل الإنسان نفسه، تحمل الفتاة نفسها إلى الحج لتُفسد، ليٌفسِد، هذا ماذا يعني؟ ألا يعني عداوة للإسلام؟ مضادة لله؟ محاولة إفساد وإفشال لهذا الموسم الكريم؟ محاولة تمييع، نشر الباطل، نشر الرذيلة، ثم يسكت المسلمون، أيّ إسلامٍ هذا؟ أي حجٍّ هذا لك وأنت تسكُتُ على مثلِ هذا، أيّ غيرة إسلامية؟.

يجب أن يهُبّ الجميع، ويقف الجميع الموقف الحازم الحاسم الرادع. نحن نصرخ في وجه أمريكا، نصرخ في وجه أوروبا كلّها، لموقف من مثل هذه المواقف، هذا موقف لا يقلّ عن ذاك، موقف مفشل من الداخل، متآمر من الداخل، وإذا كانت عقليته خفيفة هذا الشاب أو الشابة – أنا لا أعرفهم أصلاً، ولا أعرف الحملة، لم أسأل عن الحملة لأن ليس لي شغل، ولا أريد أن أشوّه سمعة الناس ولا أريد أن أحمل سمعة سيّئة عن الناس، لم أسأل عن الحملة، ولا رئيسها، ولا الشاب ولا الشابة، أنا أتكلم كلامًا مفتوحًا، يجب عليَّ وعلى غيري، ارتكبه ولدي أو بنتي، أو ارتكبه ولدك أو بنتك – هذا لا يصح، ولا يصح للحجاج أن يسكتوا عليه بأيّ وجهٍ من الوجوه.

الحجُّ لِمَن استطاع، لِمَن هو مؤهّل، وعازم أن يتطوّف بالبيت الحرام أن يكون من الرّكعِ السجود، وليس للعابثين المفسدين.
كلّ أيام المسلم عبادة، وأيّ لحظة من لحظاته فيما هو الأكمل، وفيما هي الوظيفة الأصل، أن توظّف في الخط العبادي بأي لونٍ من ألوان النشاط المرضي لله سبحانه وتعالى وليس في قالبٍ محدودٍ متحجّر – هذا مفروغٌ منه -، ولكن هناك مواسم عبادية لها تميّزها كموسم الحج وشهر رمضان المبارك، مما يعطي فرصةً كبيرة لما لذلك الموسم من أجواء روحانية عالية ومهيّئة إلى أن تُكثّف العبادة، وإلى أن يكون الانشداد الواعي والجاد إلى خط العبادة بصورةٍ اوضح وأكبر.

الحسُّ الإيماني في الأيام العادية له حيويّته، لكنه على كل المستويات من هذا الحس لابدّ ان يزداد هذين الموسمين، ولابدّ أن يكتسب حيوية جديدة، ويكون له حضوره الأشد. هذا ومع الجو المساعد الخارجي تمتحن الروح هنا، فإلى أيّ مدى تعطي النفس، ويعطي هذا الإنسان من اهتمامه، وارتباطه، وانشداده بخط العبادة؟ فتكون كل تصرّفاته مراقبةً لنفسه بصورةٍ أشد وأقوى، فيحاول أن تكون محاولته أن لا تصدُرَ منهُ كلمةٌ إلاّ بقصدِ العباديّة، ولا يحدثُ منه موقفٌ إلاّ بقصدِ العباديّة، وأن تكونُ كلُّ ساعاته ولحظاتهِ على خطِّ العبادة.

ما هو المطلوبُ الأولُ في الحج؟
مطلوبٌ وعيٌ إسلاميٌّ عام، مطلوبٌ حِسٌّ سياسيٌّ نابه، مطلوبٌ رُقيُّ في الذوق الإيماني.. إلى آخرِهِ. هذا يمكنُ أن تلتفِتَ إليه وظيفة الإرشاد، لكنّ شيئاً يسبقُ صحّة الحج، حج المُكلّف.

أوّلُ ما يُسألُ الإرشاد (عنه) هو تصحيح حج المكلّف، وهناك من يحج للمرة العشرين ومن يحج لأول مرة، مطلوب من وظيفة الإرشاد أن لا يرجع أحدٌ وعليه أن يعيد حجّه أو أن يتحمّل كفّارة أو ما إلى ذلك. هذه الوظيفة في عُنُقِ كلّ مرشد.

وهناك أمران: أنت تغطي بإرشادك الابتدائي مساحةً من تساؤلات المكلّف، ولكن تبقى تساؤلات المكلّف أوسع من كلّ ما تطرحه، وليس كل المكلّفين على جرأة واحدة كافية لطرح السؤال، فكثيرٌ من الناس يحتاجون إلى رفع الحاجز والدفع بهم إلى المبادرة بالسؤال.

فأرى أن من وظيفةِ المُرشدين أن يُثيروا روح التساؤل لدى المكلّفين، ويدفعوا بهم دفعاً للمُبادرةِ بالسؤال، حتى لا يأتوا بعملٍ من الأعمال وهم على تردّدٍ فيه، وأن يطلُبوا في أضيقِ الأوقات وأحرجها – حتى على المرشد – الجواب على السؤال الذي في نفسِهِم ممّا يتعلّق بعملِهم الآني، وليس بالعمل بعد يوم أو بعد يومين ممّا يسعه أن يلتقي بالمرشد قبل فوات الأوان.

هذا مطلوبٌ من المرشدين، وأن يزرعوا هذه الروح، روح المبادرة بالسؤال عندَ كلّ موقفٍ يشعُرُ فيه المكلّفُ الفاقدُ للحكمِ الشرعي بالحاجة إلى السؤال.

هدف الحج هو أن يكون حجًا مقبولًا، وسعيًا مشكورًا، وذاتًا ترجعُ من حجّها أقربَ إلى الله. ترجع من حجّها أقرب إلى الله في فكرها، في اطمئنانها إليه، في رضاها به، في إرادتها، في قوّتها على مواجهة الشيطان الرجيم والمغريات، والمرهّبات. هذا الهدف يجب أن تتمحورَ حولهُ كلّ جهود الحملة، حتى الطبّاخ. من الطبّاخ والمنظف إلى كلّ المواقع، الكل يجب أن لا يأتي منه شيءٌ يُعارضُ هذا الهدف، وكلّما أمكنَ لواحدٍ من هؤلاء أن يأتي بجهدٍ يصبُّ في صالحِ هذا الهدف كان عليه أن يأتي به.

الحجُّ من أجل أن نرجع ببطون ممتلئة؟ بزيادة كيلو في الوزن وكيلوين؟ بالتعارف على الآخرين؟ بخلق علاقات صداقات أكبر؟ حتى نحصل على التفافٍ سياسي أكبر؟. الحجُّ هدفُهُ حجٌّ مقبول، سعيٌ مشكور، ذاتٌ أقربُ إلى الله عزّ وجل.

ديكورات، برامج، طبخ، شكليّات، تعادي هذا الهدف، تُقلّل من فُرص الوصول لهذا الهدف، تُأثّر عليه سلباً، كُلُّ ذلك يجبُ أن يُلغى.

وقفةٌ مع النفسِ في الابتداء مطلوبةٌ من كُلِّ حاج، وإن تكرّر حَجُّه..
يسأل الإنسانُ نفسهُ: لمَ أحُجُّ أنا هذه السنة؟ – يحاسب النفس، يستوقف النفس-، أنتِ تريدين أن تحُجّي، ماذا تقصدين من حجُّكِ؟ من تقصدين؟ ماذا تقصدين؟ أيّ استعدادٍ لكِ؟ لابدّ من استيقافِ النفس حتى يحملها حملاً أكيداً على الهدفِ الصحيح، على طلبِ مرضات الله عزّ وجل. ثمّ لا تكفي هذه الوقفة عن مراقبةٍ دائمة، ومتابعةٍ مستمرة للنفس، فالنفس هواها لا يُؤمَن، وتقلّباتها لا تُؤمَن، وتطلّعاتها لا تُؤمَن، والتطلعات الأكثرِ عند النفس إنّما هي تطلّعاتٌ أرضيةٌ ماديّةٌ شهوانية. ولكثيراً ما تحجبُ الغفلةُ نظرنا إلى الله، وتلُفّ القلب لفّاً سميكاً بحيثُ لا يبقى له منفذٌ ينفتحُ به على ربّه، فلابدّ من مراقبةٍ ومتابعة.

“لِيطّوّفوا…”
تطوافُ حول ماذا؟ حجارة؟ أو تطواف حول قضية؟ وهذا التطواف المتكرّر لماذا؟ لماذا لا يكفي شوطُ واحِد؟ سبعة أشواط طواف، سبعة أشواط سعي. سعيٌ من مبدأ الحياة إلى منتهاها فليكُن، سعيٌ في اتجاه الله عزّ وجل. تطواف حول قضيّة التوحيد، تطواف كلّ حركة الحياة، هذا يعني تطوافنا حول البيت سبعة أشواطٍ، نحن هذا مدارُ حركتنا حول هذا المحور، ومحور حركتنا هو هذا المحور، الإسلام.

ولا شيء من الفكر، ولا شيء من الشعور، ولا شيء من السلوك، ولا شيء من الأوضاع الفرديّة، ولا شيء من الأوضاع الأسريّة، ولا شيء من الأوضاع المجتمعيّة، ولا شيء من علاقاتنا إلاّ وهو مُتمحورٌ حول هذا القضية. ماذا تقول القضية هذه؟ الإسلام ماذا يقول؟ توحيدُنا ماذا يقتضي؟ تطوافي؟! فليعني في نفسي، فليعني في شعوري، في قلبي، في ذهني هذا الأمر، هو أن كلّ انشدادي، وكلَّ ارتباطي، وكلّ حياتي ومماتي، ونُسُكي حول الله عزّ وجل.
حين يكونُ الحجُّ هذا، حين يكون وعيُ بهذا المستوى، وأعلى من هذا المستوى، وتكونُ صحوةُ قلبٍ، وصحوةُ روحٍ تعيشُ هذا الوعي، وحين تكون إرادةٌ بمستوى هذا الوعي تنصنِعُ المعجزاتُ في الأرض، ويأتي إنسانٌ فوقَ كلِّ ما يمكنُ أن تصل إليه حساباتُ الإعدادِ الناجحِ للشخصيّة الإنسانيةِ القويّة الراقية.

غفرَ الله لي ولكُم، والسلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته.