آية الله قاسم: يبقى الإنسانُ محتاجاً لهدايات القرآن.. ومسؤوليّتُه على كُلّ جيل

في الحفل الختامي لمسابقة “إقرأ” القرآنية السادسة
آية الله قاسم: يبقى الإنسانُ محتاجاً لهدايات القرآن.. ومسؤوليّتُه على كُلّ جيل

إسكان عالي :

أكد سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم على أنّ “كُلّ جيلٍ يتحمّلُ مسؤوليةً أمام الجيلِ اللاحِق، بحيث أن يوصِلَ إليه وعي القرآن، ورُشد القرآن، وفهمَ القرآن الذي امتلكه، والسلوكيّاتِ الرشيدةَ التي بناها في ضوءِ فِكرِ القرآن، وفهمِ القرآن، وإشعاعِ القرآن.

كما اشار سماحتُه إلى أنّ “مسؤوليةُ نقلِ هذا الوعي، وهذا الرشد، وكل الإضاءات القرآنية المملوكة للإنسان من خلال إنسان هذا الجيل، من خلال تعامله الواعي مع القرآن، واجبٌ أن تٌنقل إلى الجيلِ اللّاحِق. وأنت أيُّها الجيل الحاضر سيكون لك حظ كبيرُ ثوابٌ الجيلِ القادم إذا قدّمت لهُ كلُّ هذا”.

جاء ذلك خلال كلمته التي ألقاها في الحفل الختامي لمسابقة “إقرأ” القرآنية السادسة، والتي تنظمها “جمعية إقرأ لعلوم القرآن”، وذلك يوم الجمعة 25 ذي القعدة 1433هـ الموافق 12 أكتوبر 2012م، في مأتم القائم (عج) بإسكان عالي.

وفي ختام الحفل تم تكريم الفائزين بالمسابقة، والتي اشتملت على مسابقة حفظ القرآن للبراعم والناشئين واليافعين والشباب والكبار، ومسابقة التلاوة للصغار والكبار، ومسابقة الأذان والتي تضاف للسنة الأولى، بالإضافة لمسابقة الأفلام القصيرة. وقد توزّعت فصول المسابقة على ثمان ليالي متتالية بمشاركة مجموعة من العلماء والمشايخ.

وإليكم نص كلمة سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم كاملة:

أعوذ بالله من الشيطان الغويِّ الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين..

بسم الله الرحمن الرحيم
{ألم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)}

صدق مولانا العليُّ العظيم

كتابٌ من العليمِ الخبير، اللطيفِ بعباده، الذي لا تخفى عليه خافيةٌ من أمرهم ولا من أمرِ الكون كُلّه. كتابٌ أُنزل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليُتلى أجود تلاوة، ليُحفظ أتمّ حِفظ، ليتتلمذَ عليه الفكرُ البشري أدقّ وأدوم تتلمُذ، ليُأخذ به تمام الأخذ في حياة الإنسان العملية، في مستواها الفردي والأسري والاجتماعي، وعلى مستوى الإنسانية بكامِلِها.

في كُلّ بُعدٍ من أبعادِ هذه الحياة، وفي كلّ حيثية من حيثياتها، هذا ليس لوقتٍ ولأمدٍ محدود، وإنّما مادام إنسانٌ يعيش على وجهِ الأرض، ذلك لأن مسيرة الفكر البشري تبقى دائماً مسبوقةً للقرآن الكريم، ولأن حاجة البشر لهدايات الله عزّ وجل لا تتوقّفُ عند حَد.

يتقدّمُ الركبُ الحضاريُّ على يدِ حركة الإنسان، ويبقى دائماً محتاجاً لهدايات القرآن، ولتسديد القرآن، ولدفع القرآن، وتبقى أسئلةٌ بشريّةٌ متعددة ومتجددة، لا يملك الفكرُ البشريُّ أن يجيب عليها، ولا يجيبُ عليها إلاّ القرآن الكريم.

كما أن الأرض لا تستطيعُ أن تنفصل عن الشمس – وإلاّ مات نباتها وحيوانها وإنسانها وما بقيت حياةُ جسدٍ على الأرض -، فكذلك هي محتاجة إلى شمس الهداية من السماء لتبقى روح، ولِتجِدَ هذه الروح حياتُها، ولِتنشَطَ حياةُ هذه الروح، ولتجدَ هذه الروحُ سبيلها إلى الغاية، وغايتُها الكمال، ولا كمالَ إلّا على خطِّ الله، ولا يُعطيكَ هداياتِ هذا الخط إلاّ القرآنُ الكريم، وما نتجَ عن هذا القرآنِ الكريمِ من فِكر.

فإذاً تبقى الحاجةُ إلى القرآن مُستمرّة، وتبقى مسؤوليةُ الأجيالِ – كُلِّ جيلٍ أمام نفسه – أن يتعلّم القرآن، أن يتبصّر القرآن، أن يتبحّر في القرآن، أن يتعامل مع القرآن تعامُلاً ليس مثلهُ جديّة مع أيّ كتابٍ آخر – التعامل مع القرآن يجب أن يفوق التعامل مع أيّ كتابٍ آخر – جديّةً، وتواضعاً، واستسلاماً، وإخلاصا.

وكُلّ جيلٍ يتحمّلُ مسؤوليةً أمام الجيلِ اللاحِق، بحيثُ أن يوصِلَ إليه وعي القرآن، ورُشد القرآن، وفهمَ القرآن الذي امتلكه، والسلوكيّاتِ الرشيدةَ التي بناها في ضوءِ فِكرِ القرآن، وفهمِ القرآن، وإشعاعِ القرآن.

نقل الإسلام إلى الجيل الآخر مسؤوليةٌ لا غِبار على ضرورتها ووجوبها في الإسلام، فيما يقدّمُه القرآن من وعي، فيما يفرضه من عقيدة، فيما يطرحه من منهج، فيما يدل عليه من غاية، فيما يسعى إليه القرآن من بناء الإنسانِ الكامل.

مسؤوليةُ نقلِ هذا الوعي، وهذا الرشد، وكل الإضاءات القرآنية المملوكة للإنسان من خلال إنسان هذا الجيل، من خلال تعامله الواعي مع القرآن، واجبٌ أن تٌنقل إلى الجيلِ اللّاحِق. وأنت أيُّها الجيل الحاضر سيكون لك حظ كبيرُ ثوابٌ الجيلِ القادم إذا قدّمت لهُ كلُّ هذا.

ذَلِكَ الْكِتَاب..
إسمُ الإشارة للبعيد. وما مدى بعدُ الكتاب سموًّا، رفعةً، صوابيّةً، دِقّةُ، هدىً، نورا. لا يملكُ أحدٌ أن يضعَ لرفعةِ الكتاب وسموِّهِ سقف، وإلّا كانَ يستطيعُ أو كانت له محاولة يمكن أن يُعترفَ بها في محاولةِ الوصولِ إلى الكتاب.

ذَلِكَ الْكِتَاب.. يعني فوق ما نعقِل من مستوى، هو مستوىً فوق ما نتصوّره، فوق ما نتعقّله، فوق ما تصلُ إليه خبرتُنا، تجربُتنا، علمُنا، رُشدُنا.

ذَلِكَ الْكِتَاب.. هل من كتابٍ آخر يشاركُهُ ذلك المستوى؟ كلُّ كتابٍ سماويُّ رفيع بلا إشكال، رفعةً لا ينالُها الإنسان، ولكن الكتبَ السماوية السابقة أصابها ما أصابها، وإلاّ ليس من كتابٍ سماويٍّ فيه شائبةُ ضلال، ولا شائبةُ قُصور، ولا شائبةُ إهمال.

ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ..
لا ريب فيه، لا أقلّ من نفي الرّيب عن الكتاب، وأنه من الله، وأن له مستوىً لا ينالُهُ البشر، ولا يمكن أن تصل إليه التجربة البشرية، لا أقلّ من أنّه لو اجتمع الإنسُ والجنُّ على أن يأتوا بمثله ما أتوا به. فهل يبقى من بعد ذلك ريبٌ في الكتاب، ريبٌ في أنّه كتابٌ من الله، أنّه كتابُ رحمةٍ لا تتحصّلُ إلّا من خلاله.

هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ..
كتابُ الله هدى لكلّ الناس – على مستوى الشأنيّة – يملكُ الكتابُ الهداية لكل إنسان، لكلّ جيل ولكلّ أمّة، لكنّ الهُدى الفعليِّ للكتاب إنمّا يتوفّرُ للمتّقين.
لله هدايةٌ في الإنسان هي هدايةُ الفطرة، وهداية الفطرة مركوزة، ومغروسة، وقائمة في كلّ نفس، إلاّ أن الاهتداء الفعلي، والاستفادة الفعليّة، والتنوّر الفعلي بهداية الفطرة يحتاجُ إلى نوعٍ من التعامل الجاد مع هذه الهداية، ومع استفادةٍ جديّة مع هذه الهداية؛ احترام الفطرة، الأخذ بنور الفطرة، عدم التنكُّر لها، عدم الوقوف في وجهِ هِداياتها.

القرآن هو كذلك.. القرآنُ كلّهُ هداية، وكلّه نور، ولكن يبقى مسؤولية الإنسان أن يفتح بصرهُ، أن ينفتِحَ ببصيرتِهِ، أن ينفتِحَ بقلبِهِ، بروحِهِ، بفكرِهِ على وعي الكتاب، المشاعِر التي تنبُت في ضوءِ فكرِ الكتاب، أن يأخُذ بنوعِ السلوكِ الذي يدلُّ عليهِ الكتاب؛ حينَ إذٍ تحصلُ الهدايةُ الفعليّةُ لمَن تعاملَ مع الكتاب بهذا التعامُلَ الجدّي.

هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ..
إن لم نؤمن بالغيب – والغيبُ هُنا فيما يستقربهُ هُنا صاحبُ الميزان، فيما يستعينُ به على ما ذهب إليه بدلالة السياق -، حيث أنّه عندنا في الآيات الكريمة هُنا {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} وهذا إيمانٌ بالوحي، يعني إيمانٌ بالرّسُل والرسالات، وما تحمُلُه الرسالاتُ من وحي؛ فهذه الآيات الكريمة تغطّي عقيدة الرسالة {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}.

إيمانٌ بخطّ الرسالات كلّه، ولا يصدٌق التواضعُ لله، ولا يصدقُ تعظيمُ الله، وإخلاصُ الدين، والخروج من قفص الذات، ومن جحيم الذات، ومن قوقعة الذات، حتى يكونَ إيمانُ الإنسانِ المؤمن وعلى حَدٍّ واحِد بآخِرِ نبيٍّ وهو وليُّ نبي؛ وإلاّ كُنّا اليهود الذين يؤمنون بما أُنزِل بشرط، ويؤمنون بالرسولِ بشرط أن يكون منهُم ولِعِزّهِمُ القومي.

{وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} هذا هو الإيمانُ الصادق بالرسالات، {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} يُغطّي عقيدة اليوم الآخِر؛ تبقى عقيدةَ التوحيد {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}.

وإذا لم يكُن إيمانٌ بالله، فأين النّور؟ أين الانضباط؟ أين الهُدى؟ أين الخوفُ الذي يحملُ على الاستقامة؟ أين الرجاءُ الذي يدفعُ صاحبهُ إلى الامتثال؟ أين الحبُّ والعشقُ الذي لا يدّخرُ معهُ صاحبُهُ شيئاً ممّا رخُص عليه أو غلا إلاّ أن يضحّي بهِ في سبيلِ المحبوب؟ وماهي دوافع السلوك؟ ليست دوافع السلوك إلّا حُبْ، رَجاءْ، خوفْ، السلوكُ المُستجيب هو هذا – دوافعهُ حبٌّ، رجاءٌ، خوفٌ -، فلا هداية، ولا مشاعر عالية سامية، ولا نيّة سليمة، ولا سلوك فيه استقامة إذا لم يكُن إيمانٌ بالغيب. لا تنصنِعُ النفسُ طاهِرة، وشفّافة، وقويّة، ومُهتدية، ومُستقيمة إلاّ في ضوءِ الإيمانِ بالله تباركَ وتعالى.

كون من سماء وأرض، أرض من شجر وحيوان، تدفع لماذا؟ إلى لم يكن وراء هذا الكون موجودٌ كامِل، بكمالٍ مُطلق. هو الله – وهذا اللفظ يعني كما يقولون: الذّاتَ المستجمِعةَ لكلِّ صِفاتِ الكمال، صِفاتِ الجلالِ والجمال -، إذا لم يكُن ذلك الخالقُ العظيم، الكامل بالكمال المُطلق، فمن أين ينكسرُ غرورُ الإنسان؟ ومن أين يهتدي؟ وكيف يستقيم؟

هُناك فِطرة، لكنّ الفطرةَ تذوبُ أمام الشهوات. وكما فينا فطرة هداية، فينا دوافعُ ماديّة تشُطُّ بنا عن الطريق – وهي غلاّبةُ في الأكثر -؛ مع تنزُّل الهدايات الإلهية، ومع نداءات الأنبياء، ونداءات المُصلحين والشهوةُ غالبة، والدوافع المادية تصرعُ أصحابها – تصرعُ هذا الإنسان -.

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ..
إيمان مُعلّق في الفكر، إيمان بلا برنامج عملي عبادي – بالمعنى الخاص وبالمعنى العام – هذا الإيمان لا يصنع. حتى يصنع الإيمانُ بالغيبِ هذا الإنسان، حتى تأخُذ قضية التوحيد بخُطى الإنسان إلى ربّه سبحانه، إلى حيثُ يجدُ كمال، وإلى حيثُ يجدُ سُموّه لابُدّ من منهج عملي يأخذ بكُلِّ خُطوةٍ من خطواتِ الإنسان في كل مساراتِ حياته، وفي كلّ أبعادها إلى الله سبحانه وتعالى.

فيأتي هُنا دورُ الصلاة، وهي إقامةُ صلاة وليس أداءُ صلاة {وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ}، الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر بالدرجة الكاملة هي صلاةٌ قد أقامها صاحِبها، الصلاة المُؤدّاة يمكن أن تُعطي شيئاً من الاستقامة، ولكنّ الصلاة التي تُعطي كلّ أثرها الكبير، الكريم، الصّنّاع، الخلاّق، هي صلاةُ من أقامَ الصلاة.
هذه علاقة مباشرة مع الله عزّ وجل، تتمثّلُ في إقامة الصلاة. هُناك علاقة لله عبر عبادِه، عبر التعامُل مع عبادِه {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} ما هذا الرزق – الله أكبر -، ما أكثر هذا الرزق، قد يكون رزق مال، قد يكون رزق علم، قيد يكون رزق جاه، قد يكون رزق قوةٍ عضليّة. الإنفاق لا يقتصِرُ على المال، وإنّما يشملُ كلَّ وجوه النِّعم التي يعطيها هذا الإنسان. ولا مُجتمعَ صالحاً يمكنُ أن ينشئ من غيرِ هذا الإنفاق؛ لا تُبنى المجتمعات بأن يقبضَ كلٌّ على ما في يدِه.
الإنفاق.. إنفاقُ العلم، إنفاقُ المال، إنفاقُ القوّة الجسدية – في مثل الجهاد، في مثل خدمة المؤمنين -، إنفاقُ الجاه، الإنفاقُ النافِع بكُلِّ وجوهِه؛ مسألة ضروريّة جداً لبناء أيّ مَجتمعٍ قويٍ صالح.

الإيمانُ بالله عزّ وجل، يرفع، يدفع. يرفع مستوى النفس، يٌعطي هِمّة، يُعطي إرادة، يُعطي شفافيّة للنفس، يُعطي نزاهة، يُعطي دافعيّة عمل، ولكن تبقى النفس البشريّة تتطلّبُ الجزاء، وتخافُ من العقاب.

اللهُ عزّ وجل مالكُ المُلك لا يُعاقِب ولا يُثيب، النتيجة المُطيع قليل؛ أنظُر واقِعنا ولنقارن بين ما يُسمّى بالعمل التبرُّعي مجازاً – في الحقيقية هذا العمل التبرُّعي نسبي بالنسبة إلى الإضافي – بالإضافة إلى الأجر الذي يدفعهُ المُستأجِر البشري. قارن بين هذا العمل وكم يجد من تهافُت من الناس للاشتراك فيه وبذل الجهود، وبين العمل المأجور عليه بأجرٍ دُنيوي – شركة تفتح باب العمل براتب أكثر من راتب الشركات الأخرى، طبعاً تتهافت بلا أدنى إشكال، ويمتلئ السجل من أوّلِ يوم -، والمؤسسات التي تقوم على الجهود التبرُّعية كم تجِد، على كل حال النفس البشريّة تتطلّع إلى الجزاء، وقضية الجزاء بالثواب وقضية العقاب دافعانِ شديدان على خطِّ العمل لهذا الإنسان.

وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ..
وهذا الإيقان فيهِ ضمانةُ استقامة، وكلّما ازداد إيمانُ المرء باليومِ الأخِر كلّما كانت درجة إلتزامِهِ أشد حتّى يبلُغ اليقين باليوم الأخِر، فعندَ إذٍ لا يدّخِرُ شيئاً في سبيل دينهِ إلاّ وبذلَه، ولا يستصعِبُ شيئاً من الدين، ولا تمُرُّ عليه لحظة استلذاذٍ خارجَ إطارِ الدين.

أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ..
محمولون يعني؟ محمولون على الهُدى؟ بحيث هذا المحمل طبعاً لا يميلُ بهم إلى ضلال أصلاً. وأين يصلُ بهم هذا المركب؟ هذا المركب لا يميلُ بهم عن الطريق، وهو هُدىً من ربّهم، ويصلُ بهِم إلى ربّهم تبارك وتعالى، إلى رضاه، إلى ثوابِه، إلى جنّتِه، إلى نعيمِه.

وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ..
وليس غيرهُم – قصر -، يعني أنّه محصور الفلاح في هؤلاء، ولاحظ أوّل الآيات {ذَلِكَ الْكِتَابُ}، وآخر الآيات {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، ماذا صنعَ بهِم ذلِك الكتاب؟ صنعَ أولئِك المفلِحين. كما أنّ الإشارة في الأول للبعيد، وأن مستوى الكتاب لا تطالُهُ يدُ البشر، هؤلاء الجماعة الذين صَنعهم القرآنُ الكريم لا يمكن أن يصِل إليهِم مستوى إنسان؛ {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} فلاحُهُم هو الفلاح الحقيقي، ومنزِلتُهُم لا يُتطّلعُ إلى منزلةٍ فوقُها.

إذا كان هذا هو القرآن، وهذه الحاجةُ إليه، فكُلُّ بذلٍ في سبيلِ القرآنِ رخيص، وكُلّ جُهدٍ على طريقِ فَهمِ القرآن، حفظِ القرآن، تلاوةِ القرآن، العملِ بالقرآن.. قليل.

غفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته