آية الله قاسم في برنامج “الممهدون”: نحتاج دراسة ميدانية للمجتمع المستهدَف للتزكية

آية الله قاسم في برنامج “الممهدون”: نحتاج دراسة ميدانية للمجتمع المستهدَف للتزكية

الدوار الرابع :
قال سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم، خلال كلمة توجيهية ألقاها في جمع من منتسبي مشروع “الممهدون” إنه “حتى نتوفّر على الحكمة، وتكون دعوتنا دعوة حكيمة، وموعظتنا موعظة حسنة، نحتاج إلى تخطيط، نحتاج إلى توزيع عمل، نحتاج إلى تنسيق، نحتاج إلى دراسة ميدانية للمجتمع المستهدَف للتزكية، أن نشخص نقاط الضعف، نقاط القوة، ماذا نريد أن نعالج؟ من أي منفذ ننفذ؟ من أي بداية نبدأ؟ بأي جماعة أولاً نتصل؟ أين القلوب والعقول الأقرب للتجاوب معنا؟ بأي الحاجات نبدأ؟ إلى آخره”.

وأوضح سماحته “هذا يحتاج إلى دراسة موضوعية ميدانية، دراسة الأساليب، وتخيّر الأدوات في التزكية، والتعليم، وأن نحسن الاختيار بعد أن ندرس الموضوع الخارجي، ندرس الفئات، ندرس العقول، ندرس القلوب، التوجهات النفسية، الثغرات، المشاكل التي ممكن أن تعترض، إلى آخره، وبعد أن ندرس الأساليب أيضا بعد ذلك تأتي محاولة حسن الاختيار لكل ما هو أحسن من هذه الأمور”.

وهذا نص كلمة سماحته:

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغويّ الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لا بُد لكلِّ مجتمع من المجتمعات الإنسانية، بل لكل تجمع من التجمعات الإنسانية، كبُرت دائرتها، اتّسعت، ضاقت، من فئة رائدة. هذه الفئة الرائدة على المسار الإنساني لا بدّ لكل مجتمع وتجمّع إنساني منها.

نهضة الجميع لا تكون في وقت واحد، ولا بمستوىً واحد؛ الخلفية لذلك أن مستويات الناس متفاوتة، وكما تعيش الفئات الإنسانية الحاجة لبعضها البعض في كل الأمور فكذلك هو الأمر في أمر النهضة، في أمر الوعي، في أمر قفزة الشعور، في أمر أخذ موقعٍ جديدٍ في مسار الإنسانية وفي الحضارة الإنسانيّة.

الفئة الرائدة تكون أمام كل الفئات، تأخُذ بها إلى الأمام، فهي تحتاج إلى مكونات قد تفتقدها الفئات الأخرى، أو أن الفئات الأخرى تفتقدها فعلاً. أن يكون هناك تميُّزٌ في الرؤية والتفكير، لا يعيش الناس مستوىً واحد من وضوح الرؤية الأساسي في هذه الدنيا، والتي بمقدار أصالتها وتأصّلها في النفس، وبمقدار تركُّزها ووضوحها عند الذات، ذات الفرد أو ذات الجماعة تكون حركة الحياة.

لا بدّ من رؤية كونيّة واضحة، ومتجذّرة، وحقانيّة. فتلك هي الرؤية التي تمتلك القدرة الهائلة على الدفع بمستوى الحياة، هي القدرة الهائلة على إعطاء القدرة للذات الإنسانية في حدود الفرد، وفي حدود الجماعة والمجتمع على الحركة الصاعدة القويّة المنتجة، بمقدار ما عليه قيمة رؤيتنا الكونية صدقًا وكذبًا، عمقًا وتسطّحًا، تركّزاً في النفس وغير ذلك، تكون الاندفاعة وتكون الحركة صحةً، وقوةً، واستمرارًا.

هذه الفئة الرائدة..
كلما كانت أكبر توفراً على رؤية كونيّةٍ صحيحةٍ، وصادقةٍ، ومتأصلةٍ، كلّما كانت أقدر على الحركة في ذاتها، وعلى تحريك المجتمع الذي تعيشه الجماعة التي هي من بينها إلى الأمام وعلى الخط الصحيح، وكلما ارتُقِب لها أن تكون حركتها أقوى وأنشط وأكثر استمراراً وأهدأ، فهذا عنصر مهم، عنصر أن نتميز، أن نتوفر بكثافة وتركُّز على رؤية كونية صحيحة، وليس من رؤيّةٍ كونيّةٍ صحيحةٍ إلا واحدة؛ هي رؤية أن هذا الكون كله لا يسير اعتباطاً، لم يأتِ اعتباطاً، لم يأتِ جزافا، ولا عبثا، ولم يأتِ من فراغ، ولم يأتِ من قوة جامدة، أتى من العزيز الحكيم، الكامل بالكمال المطلق تبارك وتعالى، وأن هذا الكون تحت هيمنة الله عز وجل، ويحمل هدفاً ليس فوقه هدف، وغايةً أسمى ليس مثلها غاية، وأن هذا الإنسان – وهو جزء من هذا الكون – من أهم عناصر هذا الكون، من أهم موجوداته، وهو يتحمل أمانةً كبرى في هذا الكون، وعليه أن يسعى لتلك الغاية، فتكون حياة الإنسان هادفة هُنا، واعيةٌ، ومرتكزة على هدف صحيح، وهادفة، وقادرة على الفعل والإنتاج، في حين أنها تكون نظيفة، وشفافة، وطاهرة.

مع التميُّز في الرؤية والتفكير للفئة الرائدة يأتي التميز في الشعور. شعورُ هذه الفئة وفي ظل الرؤية الكونية الصحيحة يأتي راقيًا، يأتي مُنفتحًا، ويأتي نزيهاً، ونظيفاً، وطاهراً، ويأتي حسًّا غنيًّا بالحس الغَيري والاجتماعي، منفتحاً على هموم الغير، على مصالح الغير، على مشكلات الغير، متطلعاً دائما إلى مستقبلٍ أكبر، إلى مستقبلٍ أكثر ازدهاراً، إلى مستقبلٍ أقدر على الشهادة بتميّزات الإنسان، بقابليات الإنسان، برسالية الإنسان، بهادفيّة الإنسان، بمكنون ما عليه مخزون مواهب الله عزّ وجل في هذا المخلوق الفريد على وجه الأرض، الفريد في مستواه، الفريد في هادفيّته، الفريد في وعيه، الفريد في رساليّته.

هذا الشعور الغني
بالحس الاجتماعي الغيري يجعل هذا الإنسان لا يعيش لذاته وفي قوقعة ذاته، منحبساً في همومنا وآمالنا، وطموحاتها الضيّقة، إنما يعيش في حالة انفتاحٍ دائم على هموم الجميع، وحين يستهدف أن يطوّر فهو يستهدف لا أن يطور حياته فقط، وإنما يأخذ على نفسه أن يطور مع ذلك حياة الآخرين، وإن كان لا تطوير لحياة الآخرين إلا بأن تطور ذاتك وتطور حياتك، يأخذ على نفسه أن يغير ما حوله إلى ما هو أحسن من ذلك، وإلى ما هو أكثر تلاءماً مع دور الإنسان لما هو إنسان، ومع سعادة الإنسان في الدنيا، ومع سعادته في الآخرة، أن يطور نفسه، أن يطور غيره، أن يطور كل أوضاع حياته، في الاتجاه الذي يتجه بكلّ ذلك إلى الله سبحانه وتعالى، مقتبساً من جماله، وجلاله، وكماله.

هذه الفئة الرائدة تكون دائماً أكثر نباهةً من غيرها لبادرة المشاكل، لأول ما تطلع، وقبل ما تطلع المشكلة برأسها في المجتمع. هذه الفئة الرائدة تكون على حسٍّ غزير، ووعيٍ شديد، ونباهةٍ بالغة لما يخبئُ المستقبل – ولو القريب، وأحيانا البعيد – للمجتمعات، وما يترقب المستقبل أن يفاجئ به هذا المجتمع من خير أو شر، لذلك هذه الفئة تكون أكثر تبكيراً في معالجة مشكلات المستقبل، في مطالعة المستقل، في قراءة المستقبل، في الإعداد للمستقبل، تكون توقعاتها للمستقبل، وفي ضوء رؤيتها الكونيّة الرئيسة، وفي ضوء رؤيتها الميدانية الثاقبة، وفي ضوء اهتماماتها وحسّها الغيري، تكون بالكثير قريبة من الصواب، وتأخذ بالتحضيرات للمستقبل بصورةٍ مبكّرة.

من مقومات هذه الفئة – إلى جنب ما سبق من التميز في الرؤية، والتفكير، ومن التميز في الشعور، ودرجة النباهة -، قوة الإرادة. الفئة الرائدة لابد أن تكون شديدة الإرادة، الفكر، والنباهة، والشعور الغزير بالمشكل، يحتاج كل ذلك إلى مُكمل لكي تكون في الخارج؛ والمكمّل هي الإرادة القوية العازمة، التي لا تتردد، ولا تصاب بالتلكؤ، والانكماش، والاندحار أمام أي معترضٍ على الطريق، وأمام أي تحدٍّ من التحديات.

الإرادة القوية القادرة على المواجهة، القادرة على مُناهضَة المشاكل التي تصحبها الصبر، وتمثل درجةً عالية من الصمود، هذه الإرادة لابد منها لفئةٍ تريد أن تتقدم سائر الفئات، وأن تغيّر ما بالواقع من سوء، وأن ترتقي به إلى مسافاتٍ متقدمةٍ واسعة.

قوة الإرادة..
تاريخ ما صنعهُ قوياً، وما صنعهُ متقدماً، إلا فكرٌ ثاقب، ونباهةٌ عالية، وإرادة قوية. فقدُ عنصرٍ من هذه العناصر، فقد الحس الغيري، والشعور الاجتماعي، والحس الرسالي، والحس الغيري، أنضجُ ما ينضج، وأعلى ما يعلو، وأوسع ما يتسع في ضوء الحس الرسالي المرتبط بدين الله عز وجل، والذي يحمّل هذا الإنسان مسؤولية الإصلاح، مسؤولية صلاح نفسه، وإصلاح غيره، والنهوض بمستوى الحياة.

أنتم تطلقون على أنفسكم – من أخوة وأخوات – أنّكم “مُمهِّدون”، وأرجو أن تكونوا مُمهّدين، ممهّدون، معلّمون، مربّون، ممهّدون لأي شيء؟! تُعَلِّمون أيّ شيء؟! تربّون على أيّ خط؟! نحتاج إلى التمهيد لتغيير أنفسنا، لأنْ نجد أنفسنا فوق ما نحن عليه الآن، فوق ما نحن عليه الآن فعلًا، وحقًا، وصدقًا، لا ادّعاءً وتصوّراً واهمًا، أن نعدّ أنفسنا لمواقع جديدة متقدّمة، تأخذها ذواتُنا في مستواها العلمي، وفي مستواها الإرادي، وفي مستواها الشعوري، وفي مستواها المثالي، في همّتها العالية، في إرادتها القوية المِمْضاءة.

أوّل ما يجب أن نُمهّد له، هو هذا المستوى لذواتنا، هو هذه الحالة الجديدة المتقدمة دائماً في حياتنا. لا نستطيع أن نمهد لأي خيرٍ في هذه الحياة ما لم نأخذ بهذا التمهيد في داخلنا ولداخلِنا، ونمهدُ لمجتمعٍ أكثر تقدّمًا، لقرية، لمنطقة، لمجتمع، لأمة أكبر في مستوياتها مما هي عليه حالها الحاضر، علينا أن نأخذ على أنفسنا في عملية تمهيدٍ جادٍّ لأنْ تجد هذه الأمة لها موقعاً أكبر من موقعها هذا، عليكم أن يمتدّ بكم الطموح والأمل المصحوبُ بالجدِّ والعمل، لا لتغيير منطقتكم، ولا تغيير مستوى البحرين إلى ما هو أكثر إيجابيةً، وأكثر تقدماً، وأكثر رضاً إلى الله عز وجل، وإنما إلى أن تتغير الأمة كل الأمة على خط تقدمها وصعودها.

حين لا تكبر الهِمم ولا تعظُم الطموحات ولا تمتد الآمال، تقصر الخُطى، وتقلّ الهمّة، ويفتر السعي. من أجل حركة نشطة، من أجل همة عالية، ومن أجل سعي حثيث، لا بدّ أن يكبُر الطموح، ويمتد الأمل، وانتكاسةٌ كبرى أن يمتدّ أمل، أن يكبُر طموح، ويصاحبه فتور، ويقارنه خمول، لا بدّ مع امتداد الأمل وتعاظم الطموح من إرادة قوية وعنيدة، تتوازى مع ما عليه امتداد الأمل.

ممهدون لرفعة الذات، ولرفعة القرية، ولرفعة المجتمع، ولرفعة الأمة، وممهدون ليوم الظهور الأكبر، وهو يوم ظهور إمامنا القائم (عجل الله فرجه)، وهو يوم المعركة الكبرى بين الحق والباطل، ويوم الامتحان الأشد لصلاح الصالح، ولإرادة المُريد، ولوعي الواعي، ولإسلام المسلم، وإيمان المؤمن، إنه لمحكٌّ وهو المحك الأشد لما عليه دعوانا من الانتماء للإسلام والارتباط به، والاعتزاز به. فما لم نمهّد لمجتمعاتنا لأن تقف موقف الثبات، وموقف الصمود، وموقف الاستقامة لذلك اليوم فلابد أن نخسأ، ولابد من أن نندحر، ولابد من أن نصاب بالهزيمة.

ممهدون لسعادة المجتمع الإنساني في الدنيا، والأهم من ذلك هو التمهيد للآخرة. التمهيد في هذه الحياة لأنْ يسعد هذا الإنسان في الآخرة، لأنْ نلقى الله عز وجل راضياً عنّا، لأنْ ننال من كرامة الله عز وجل، وفضله وإحسانه ما يحقق لنا السعادة الكاملة التي لا يمكن أن يعرف طعمها غير إنسانٍ مكتمل، غير إنسان وفق في عمله إلى أن ينال رضوان ربّه تبارك وتعالى.

أنتم معلمون..
معلمون لهذا الإنسان ما فيه خيره، وليس من خيرٍ لهذا الإنسان إلا في علمٍ لم يشُذّ عن دينه، ولم يتخلَّ عن أخلاقيات الدين، وعن هدف الدين، وعن الغاية التي كتبها الله سبحانه وتعالى على عباده في هذه الحياة.

معلمون وحاجتنا للعلم كثيرة ومتعددة، ولكن مجتمعاتنا أفقر ما تكون إلى علم الدين، إلى معرفة الدين، إلى هدى الدين. علوم الدنيا بما ورائها من مغريات المادة، ومن حاجاتٍ دنيوية، تدفع الناس دفعًا، وتعطيهم من طاقة الصبر ما تعطيهم على طريق طلبها، ويبقى علم الدين محتاجاً إلى حسٍّ أخروي، محتاجاً إلى نفوسٍ ليست مشدودةً بما يقعُد بها عن التضحية، وعن نسيان الذات، وعن الترفع عن كثير من الحاجات، ومحتاجة إلى نوع من النباهة، نوع من الحس الأخروي، وتوكيل الله سبحانه وتعالى بما يعطيها العزيمة الكافية، والصبر الشديد، والتضحية العالية في سبيل طلب علم الدين، اتّسع طريقه أو ضاق، درّت معها الدنيا أو شحّت.

مُربّون، والتربية منها صالح وغير صالح، التربية: ربى، نما، ارتفع، تضخّم، ما كبر حجمه. فالتربية في أصلها تكبير حجم، النبتة تكبر في الاتجاه الصحيح وفي الاتجاه غير الصحيح، الشعوب تكبر، أمريكا كبيرة، روسيا كبيرة، تربت قوّتها، الآن هي نتاج تربية طويلة، ومجاهدة، وصبر، والتربية أعطت، ولكن أعطت شيئاً من الخير وكثيراً من الشر، أعطت قوة في جانب وضعفاً في جانب، أعطت وجوداً يثير في الدنيا الكثير والعديد من المشكلات، ويخلق المتاعب للشعوب الأخرى ولنفسها، وتلك الحضارات تُتعِب نفسها بنفسها أيضاً؛ هذه تربية.

وما قال به القرآن الكريم ليس هو التربية، وإنّما التزكية، والتزكية تعني شيئًا إضافيًا مصححًا أومضيقًا لمعنى التربية. التزكية هي خصوص التربية الصالحة، والنماء الجيد، وكيف يكون النماء جيداً وصالحاً؟! كيف تكون العملية التربوية تزكية؟!

أمران لابد منهما
لكي يكون العمل التربوي زاكيا، ومزكَّياً، طاهراً، ومطهَّراً، راقياً، ومرقَّيا، ما هما العنصران؟!

1) عنصر موافقة الحق الموضوعي، موافقة الواقع، أن تكون الأفكار أفكاراً ذات مصداقيّةٍ واقعية – ذات مصداقية – موافقة لما عليه الحق. فطرتك ليس بها باطل، كل فطرتك حق. فيك دافع أكل؟! حب الأكل عندك دافع، يحتاجه وجودك أو لا يحتاجه؟! هل يمكن أن تقوم حياة بلا دافع أكل؟! هذا حق أو غير حق؟! حق؛ لأنه لا تقوم الحياة إلا به، له غاية حق، الدوافع تماشي فكر الحق.
2) على مستوى الأفكار: فكرة توحيد الله عز وجل؛ لا إله إلا الله. فكرة يمليها واقع الأمر، يمليها الحق الخارجي، هذه انعكاس لما عليه الحق في كل الكون، ما ينتهي إليه كل حق، وهو الحق الحق، الحق الأصل، هذا انعكس في نفسك بفكرة توحيد الله تبارك وتعالى،
الإحساس باليوم الآخر، لو لم يكن هناك يوم آخر عند الله يمليه العقل مع هذا، وعدل الله مع هذا نستطيع أن نقول عنه حق.

الإحساس باليوم الآخر. لو لم يكن هناك يوم آخر عند الله عزّ وجل يبلغها العقل مع هذا، وعدل الله مع هذا، وإحسان الله مع هذا لكان هذا باطل ووهم، ولكن بما وراءه من تلك الخلفية فهو حق.

نأتي للدوافع:
التزكية تتم بعنصرين: أن تكون الأفكار حقانيّة – تمثّل حقًا -، وأن تكون غاية الفكرة غايةً بنّاءه، غاية صالحةً، تحتاجها الحياة، تحتاجها استقامة الذات.

هذه الدوافع ينظر إليها أنها حقانية أو غير حقانيّة فيما تفضي إليه من غاية، فيما ترتبط به من غاية. دافع الأكل، والشرب، الجنس، حب الملكية، حب السيطرة، كلّها دوافع لو درستها لوجدتها أنها دوافع تحتاجها الحياة، ولا يمكن أن تستقيم الحياة إلا بها، دافع الخوف، دافع الرجاء، أنت بدون الخوف لا يمكن أصلاً أن تعيش، (سيارة تأتي تسير وسرعتها 140 كم في الساعة، وبينك وبينها مسافة بسيطة، وتقف وأنت لست خائفًا؟!). الخوف ضروري، فلذلك يكون حقاً بلحاظ ما يرتبط به من غاية، الفطرة لا تحمل إلا حقاً في أفكارها، وفي دوافعها، دوافعها المعنوية مثلًا نحن مفطورون على بغض الظلم، طوارئ خارجية قد تجعلنا نميل إلى الظلم، ضرورات خارجية مثلا، أو فساد تربية، وإلاّ أصلاً الإنسان أقرب إلى العدل منه إلى الظلم، ولذلك الطفل الذي المحايد تمامًا الذي ليس له مصلحة في نزاع طفلين آخرين، يتألم للمظلوم على حساب الظالم، والإنسان لا يساوي بين الإحسان والظلم في شعوره، الإنسان المحايد للحادثة لا يساوي في شعوره بين محسن، وعادل، وظالم.

فالفطرة كتاب صادق في كل ما في الحياة. دافع الجنس ضروري، لا تقوم الحياة بدونه، ولكن لا يطغى، المنهج الإسلامي مزكٍّ ومكملٌّ له، فتجد هذه الدوافع أوجد الله لها منهجاً تربويًا يصنع الإنسان ويزكيه، ويضعه على الطريق.

فأقول: ونحن نتحدث عن “المُمهِّدون”، ونقول عن نقطة التربية: وينبغي أن تكون تزكيةٌ، والتزكية تتم بتبنّي الأفكار الحقة ذات الغايات الهادفة الصحيحة، هذه الغاية التي نسعى إليها بنّاء أو هدّامة؟ فدائماً تكون غاياتنا غايات سليمة، وراقية، وصحيحة، حتى نكون ممهدين بما يقبله الإسلام.

ماهي القبلة أيها الإخوة والأخوات؟!
القبلة هي الإسلام، القبلة لكل ممهّدٍ، لكل مشتغل في التربية الصالحة، لكل معلمٍ يريد الخير، القبلة هي الإسلام، (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)، ملاحظون؟! الدين مرتبط بالفطرة، هذا الدين فطرة، والفطرة كلها حق، ولا يوجد أي تعارض بين الدين وبين الفطرة، ولا أي نبذ ولا إهمال من الدين لشيءٍ من الفطرة، لا في أبعادها المعنويّة ولا في أبعادها الماديّة الحسيّة، كل شيء من الفطرة منظور إليه من الإسلام، ومقدَّر وموضوع في محله اللائق، ومكانته المناسبة في المنهج الإسلامي التربوي الصالح.

(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)، وجهُك فكرك، وجهُك همك، وجهُك هدفك، وجهُك كل إحساسك، وجهُك كل توجهك، أين هدفك؟! لأي شيء ينشد فكرك؟! ينشدّ حسّك؟! طموحك؟! أملُك؟! خوف الخسارة؟! كل انشدادك يكون للدين، لماذا؟!

لأنك به، بمقدار ما تنال منه، بمقدار ما تبتعد عنه، بمقدار ما تقترب منه، ببعدك عنه الشقاء كل الشقاء، بالاقتراب منه السعادة كل السعادة، لن ينال أحدنا خيراً على غير خط دين الله تبارك وتعالى، لا يمكن أن يعرف الإنسان رقياً، ولا رفعةً، ولا سمواً، إلا بالارتباط بخط الدين، (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً) بلا مَيل، (مو شوية فرصة لو دنيوية، ومالت بالعنق، وأخذت بالالتفات، واجتذبت الهم)، ولا فتنة هنا من أي نوع استوقفت.

(حَنِيفًا): مستقيماً، بلا ميل إلى يمين ولا إلى يسار، العين متجهة، القلب متجه، الفكر متجه، كل شيء متجه على خط الدين، بلا ميلٍ أصلا، وهذا صعب طبيعي، واستقامة صعبة، فالتواعدات، المغريات، والضغوط الاجتماعية، والضغوط الأسرية، ألوان من الضغوط، وكل ذلك يُطلب منا أن نستقيم على طريق الدين، (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)، وتنتظر تبديل لخلق الله؟! لفطرتك؟! من خلق آدم إلى هذا الحين، الإنسان هو الإنسان إلى هذا الحين، يتغير تغيرا سطحيا، تتغير معلوماته، ولكن أصوله هي هي، ركائز وجوده، الإنسان هو هو، هويّته الإنسان ومقوّماتها هي هي، لا يوجد شيء جديد في الإنسان أصلاً في أصوله ومرتكزاته، لا شيء يتغير، في جانب يضمر بالتربية وفي جانب يظهر بالتربية، ينشط، يخمل، أنشّط فكري، ينمو، أمّا الأصول فهي هي، وإذا لم يتبدّل هذا الإنسان فدين الله أيضا لا يتبدل، بدّل الإنسان يتبدّل المنهج، الإنسان ثابت فلا بد أن يثبُت المنهج الصالح لإيصاله إلى غايته، الموضوع ثابت، والغاية ثابتة، كيف تريد أن يتبدل المنهج؟! لا يمكن تبديل المنهج، هذا خطأ.
(لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)، الدين القيّم يقوم بالحياة الصدق، يوصلك للغاية، ينهض بمسؤوليات الحياة، منتجٌ لا يخلق لك مشاكل، هو دين الله الموافق للفطرة، والذي هو من الفطرة، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، ولذلك مع شيوعية ومع رأسمالية، ومع أكثر من ألف منهج، ما هو الطريق؟!

(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ)، يأخذ الصورة الأولى للكتاب، للقرآن الكريم، التي تشدهم إليه، ويسمعون منه ما لم يسمعوا من آيات أخرى، من كلام آخر؛ فيلفتهم إلى عظمته، وإلى أنه ليس من صنع البشر.

(يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، يربطهم الكتاب، يجعلهم أهل كتاب، مسيرتهم منشدّةٌ إلى الكتاب، إلى كتاب يعرفونه، يعلمونه، يأخذون منه علماً، ويقفون على علوم جمّة منه، والحكمة، من الأسرار الكبرى النظرية والعملية التي تضعهم دائما على طريق الحق، وطريق الغاية الصحيحة، وتجعل تصرفهم دائماً – في كل أمورهم – التصرف الحكيم، القادر على تجنب الأخطاء، الموصل إلى الغاية، المنسجم مع العدل، ومع المستوى الإنساني الرفيع.

(وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)، فالممهدون ينشدّون إلى علم الكتاب في حركتهم، علينا في أي تمهيد وأي إعداد أن ننشدّ إلى آيات القرآن الكريم، إلى علم الكتاب، إلى الحكمة التي يدعو لها الكتاب، طريقنا في التزكية، منطلقنا في الإعداد هو هذا الطريق، ووصولنا إلى القبلة وهي الإسلام بانشداد إلى الكتاب، بتعلمه، بتدارس حكمته، ببث حكمته، بالارتباط العملي بحكمته.

التعامل:
(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيَّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ)، تزكية، وليس تربية فقط -كما سبق الكلام عنها-. يأتي التعامل، كيف؟! (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن)، هنا يأتي دور التخطيط، حتى نتوفّر على الحكمة، وتكون دعوتنا دعوة حكيمة، وموعظتنا موعظة حسنة، نحتاج إلى تخطيط، نحتاج إلى توزيع عمل، نحتاج إلى تنسيق، نحتاج إلى دراسة ميدانية للمجتمع المستهدَف للتزكية، أن نشخص نقاط الضعف، نقاط القوة، ماذا نريد أن نعالج؟! من أي منفذ ننفذ؟! من أي بداية نبدأ؟! بأي جماعة أولاً نتصل؟! أين القلوب والعقول الأقرب للتجاوب معنا؟! بأي الحاجات نبدأ؟ إلى آخره.

هذا يحتاج إلى دراسة موضوعية ميدانية، دراسة الأساليب، وتخيّر الأدوات في التزكية، والتعليم، وأن نحسن الاختيار بعد أن ندرس الموضوع الخارجي، ندرس الفئات، ندرس العقول، ندرس القلوب، التوجهات النفسية، الثغرات، المشاكل التي ممكن أن تعترض، إلى آخره، وبعد أن ندرس الأساليب أيضا بعد ذلك تأتي محاولة حسن الاختيار لكل ما هو أحسن من هذه الأمور.

غفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.