خطاب سماحة آية الله قاسم في الاعتصام التضامني مع آية الله النجاتي ومسحوبي الجنسية

نص خطاب سماحة آية الله قاسم في الاعتصام التضامني مع آية الله النجاتي ومسحوبي الجنسية

باربار :

نص خطاب سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم بالإعتصام العلمائي التضامني مع سماحة آية الله الشيخ حسين النجاتي، والذي أقيم صباح اليوم الأربعاء 23 شعبان 1434هـ الموافق 3 يوليو 2013م، بمسجد الشيخ حمّاد في منطقة باربار.

وإليكم نص الخطاب ..

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.

اللهم اهدنا بهُداك، وتولّنا برعايتك وكفايتك. اللهم أخلص القصد، وأحسن القول منّا، واجعلنا مصلحين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

يجري التأكيد لأكثر من مرّة، أنّ المسيرات والاعتصامات وكلّ مظاهر الاحتجاج التي يمارسها الشعب نختار ألاّ تكون إلاّ سلميةً ومتحضّرة وخاضعة للأحكام الشرعية ومراعية لمصلحة الوطن والحفاظ على الأرواح والممتلكات.

ثمّ إنّه لا يسمح لنا ديننا ولا ذوقنا المتشرّع والمتحضّر، ولا وقتنا ولا جديّتنا – والكلام على مستوى الشعب المعارض، وليس على مستوى شخصٍ واحد، ولا شريحة واحدة -؛ أن يأتي شيءٌ من الممارسات الاحتجاجيّة وفعاليات الحراك السياسي من منطلق العبثيّة والتلهّي، ولا منطلق إبراز العضلات، ولا لتمضية الوقت، ولا للتأجيج والإضرار.

ممارسات الشعب وفعالياته الاحتجاجية لا تتناسب بطبيعتها وواقعها وماهي عليه من مستوى وما لها من محتوى وشيءً من هذه الأمور، ممارسات الحراك السياسي الإصلاحي على يد الشعب لا تأتي إلاّ للضرورة، وممّا يدفعُ إليه ظلمُ السلطة، واستهدافها حقوق الناس، والنّيل من حريّتهم وعزّتهم وكرامتهم وحرمة دينهم. وكلّ النداءات من رموز المعارضة فيها تشديدٌ بأن تلتزم مظاهر الاحتجاج خطّ الشرعية الإلهية، والنمط المتحضّر والممارسة الراقية والسلمية.

والاعتصامات العلمائية – وهذا أحدُها – تقدّم نموذجًا في التزام الهادفيّة والرّزانة والتشرُّع والتحضُّر، والتي تستهدفُ الوقوف في وجه الاستمرار في هدر حقوق الشعب والإمعان في ظلمه، والتعدّي على أوضح الحقوق ومسلّماتها في نظر الأديان والشرائع السماوية والأرضية وفي كلّ الدول والأنظمة والأمم؛ ومن ذل حق المواطنة خاصّةً من النوع المتأصّل الذي أثبتتهُ لغة الواقع العملي على الأرض من خلال ولادة الشخص في تربة الوطن، وولادة أبيه وعددٍ من أجداده بلا تسلُّلٍ غير شرعيٍّ أو مآخذٍ عليه قانونا، ومن غير ارتكاب جُرمٍ فاضحٍ ينقُضُ هذا الحق، بل من غير ارتكاب جرمٍ على الإطلاق.

والتعدي على هذا الحق الجَلي الذي لا مِراء فيه ولا يجهلهُ جاهل، والذي يعني نقضُه زلزالًا أمنيًا في العالم، وفقدًا تامًّا لحياة الاستقرار؛ هو ما أقدمت عليه السلطة في البحرين بشأن عددٍ من المواطنين لم يكتسبوا حق المواطنة عن طريق التكرُّمِ والمنحة، وإنّما أكسبهُم إيّاهُ واقعُ ولادتهم وحياتهم، وولادة وحياة آبائهم وأجدادٍ لهم على هذه الأرض، وسبق أن اعتُرف لهم بهذا الحق بلغة القانون وأعطيت لهم إذعانًا لهذا الحق وثيقة الجنسيّة. وقد أسقِطت جنسية هؤلاء المواطنين الشرفاء وسُحِبت جوازاتهم، وبدأت المضايقات العملية في حقّهم، ومطالبتهم بمغادرة الوطن.

وفي مقدّمة هؤلاء الذين طُلب منهم مغادرة الوطن إنهاءً لأي ارتباطٍ لهم بحق الجنسية الثابت لهُم بلغة الواقع والقانون وشُدّدَ على رحيلهم عاجلا، سماحة “آية الله الشيخ حسين النجاتي” (حفظه الله وأعزّ جانبه)؛ وهو واحدٌ من ألمع الشخصيات العلميّة والدينية والاجتماعية في الوطن، وله خدماته العلميّة والاجتماعيّة المشهودة، ودوره الإصلاحي البنّاء، وهو ممّن تتشرّفُ بهم الأرض التي يسكنونها.

ومثل هذا الإجراء المُصادر للحكم الشرعي والمقرّرات والمعاهدات الدوليّة، وحقّ المواطنة الثابت في كلّ الدساتير والقوانين والدول والأعراف، والمنصوص عليه في الدستور المحلّي؛ لا يجدُ العلماء بُدًا وكذلك أحرارُ هذا الشعب من رجاله ونسائه، من أن تعلو صرختهم، صرخة الرفض والاستنكار والاستبشاع والاستقباح في وجهه، وكذلك صرخة كلّ مسلم وكلّ مُتحضّر وكلّ ذي ضمير وكلّ من يأخذُ بالقانون، ولا بدّ من أن يعمل الجميع ما في جهدهم على إحباطه، والحيلولة ما أمكن دون تنفيذه.

ومن هُنا وعلى هذا الخط، ومن هذا المُنطلق، جاء اعتصامكم أيّها الأخوة الأعزاء؛ الاعتصام الواعي، الهادف، الغيور، الذي لا يرضى بأن يُهان الحقّ أو يُسلم، ويضيّع حقّ المواطنين، وتُداس كرامة الإنسان، ويُسلب حريّته، ويُصادر حقّ الاختيار الثابتُ له.

إنّ تهجير مواطنٍ واحد من أيّ مستوىً من غير حق، إنّما هو تهديدٌ مكشوفٌ لتهجير أيّ مواطنٍ آخر جُزافًا واعتباطًا وتشهيًا، ولعبًا بقيمة المواطنة والإنسانيّة والدين، واختراقًا للدستور والقانون. أمّا إذا كان التهجير لمثل سماحة “الشيخ النجاتي” ممّن هو في مستواه العلمي والاجتماعي وموقعه الديني وخدمته للوطن، وحُرصه على أمنه وسلامته؛ فإنّه يحمل دلالةً أكبر على الاستخفاف بقيمة المواطنين، وقيمة العلم والدين، والدور الاجتماعي النافع، ودلالةً أشدّ على تهديدٍ أوضح وأصرح وأقوى لغةً بترحيل مئات الآلاف من أبناء هذا الوطن الأصليّين بلا مُبالاة، ولا سببٍ إلا ما هو من هوى السياسة وهوسها وجنوحِها وجنونها، ومن أغراضها الدنيئة.

إنّ السلطة بهذه الإجراءات التعسُّفية المتنوعة والمتصاعدة ضدّ الشعب، والاستمرار عليها؛ تصرُّ على سياسة الاستضعاف والاستنزاف والاستفزاز، وتوتير الأوضاع وسدّ كل منافذ الخروج لهذا الوطن من أزمته وأن يجد العافية، كلُّ هذه الإجراءات إعلانٌ عمليٌّ صارخ عن إرادة التأزيم وعن التضايق من الطبيعة السلمية المُحرجة لها والتي عليها الحَراك الشعبي، وعن المحاولة المستمرّة المستهدفة أن يعدل هذا الحَراك إلى مسارٍ آخر، وهو الذي تصرُّ كلّ رموز الحَراك وجماهيره الواعية ألاّ تستجيب له أو تورّط الوطن الحبيب في وحلِه، ويصرُّ الجميع مع هذا على الاستمرار في المطالبة بالحقوق وممارسة الحق في الاحتجاجات السلميّة المتنوّعة في وجه تعدّيات السلطة، وحتى تحقيق المطالب الثابتة العادلة، والوصول إلى الإصلاح الحقيقي والحل المُنصف المُنقِذ للوطن من ورطة الظلم وتردّي والفشل.

وإنّ من أشد ألوان التعدّي وأوجعها وأفقعِها وأمعنها في الاستخفاف بقيمة المواطنين؛ قرار سحب الجنسية والترحيل عن أرض الوطن والخروج على أصل حقّ المواطنة لمن ثبت له هذا الحقُّ واقعًا وقانونا، ومن غير أيّ جُرمٍ يُعطي ولو شيئًا من التبرير لهذا العدوان ويمنحه ولو بعض الشيءِ شيئًا من العُذر.

وهذا التعدّي السافر المُدان ديننًا وقانونًا، وعلى مستوى الضمير الإنساني والحسِّ الحضاري، والمقرّرات الدوليّة والأمميّة والوطنيّةِ عامّة؛ ينال اليوم في البحرين ثلّةٌ من المواطنين الأخيار وفي مقدّمتهم سماحة “آية الله الشيخ النجاتي”، الذي واجه ضغطًا مشدّدًا لإكراهه على الرحيل عن وطنه، المتمسّكِ به على حدّ تمسُّك أيّ مواطنٍ آخر بوطنِه الذي تربّى فيه، وخالط هواه لحمه ودمه، ويعتزُّ به كلّ الاعتزاز.

ونحن ومعنا جماهير هذا الشعب المُحقّة المُنصِفة، كلّنا موقفٌ رافضٌ ومُنكرٌ لهذا العدوان السافر، والاستخفاف بإنسان هذا الوطن، والظلم الكالح الذي تواجهُه هذه الثلّةُ من المواطنين الكرام الأخيار. والشعب كلُّهُ إدراك، وكلُّهُ إحساس بأنّ هدر حقّ المواطنة لواحدٍ من المواطنين يعني سريان هذا التهديد والتعدّي للآخرين.

ومن العجب ولا عجب من كلِّ التناقضات والتهافتات التي تجري على يد السياسة المنحرفة التي يحرّكها الهوى والقصود السيّئة؛ أن يُجنّس من هبّ ودبّ من شرق الدنيا وغربها، وبثمنٍ باهض تدفعُه خزانة الدولة من أموال الشعب، وعلى حساب ضروراته وحاجاته، في حين تُسحبُ جنسيّة مواطنين ثابتي الوطنيّة على صعيد الواقع والقانون، ويحملون جنسيّةً صادقة، ويُطردون ويُرحلّون من وطنهم الذي عاشوا فيه، وعاش أباءٌ لهم وأجداد، ولم يتسلّلوا إليه تسلّل السُرّاق.

سحبُ الجنسية والإكراهُ أو الإجبار على الرحيل عن الوطن، لا يعني خصوص من يمُسّهم هذا التعدّي بصورة مباشرة، إنّه العدوان الذي يعني كلّ مواطن، ويشعرُ منه كل مواطنٍ بالتهديد، ومصادرة حقّه الثابت في البقاء ما عاش على تربة الوطن وأن يكون مدفنُه فيها.

وقبل هذا، فإنّ هذا العدوان في نفسه وبغض النظر عن امتداده للآخرين، هو منكرٌ بشعٌ في ذاته واستهتارٌ بحقّ المواطنة لا يسعُ مسلمًا ولا مواطنًا أن يسكُت عليه أو يسلّم به.

فلا وألف لا، لسحب الجنسيّة من عددٍ من المواطنين، ولتهديدهم والضغط عليهم وترحيلهم، ولا لهذه المعاملة الظالمة غير اللائقة مع سماحة “الشيخ النجاتي” (حفظه الله ورعاه). الكلُّ يجبُ أن يشعُر بإزاءِ ما يحصلُ من هذا العدوان بأنّهُ مُعتدًا عليه، وبإزاءِ ما يحصل من إهانةٍ لسماحة الشيخ بأنّه يُهان.

وإنّ الإخراجُ من الأرضِ وسيلةٌ قديمة اتّخذتها الجهاتُ المقاومةُ للحق، المرعوبة من صوتٍ ناطق بالحقيقة، المنادي بالحريّة الكريمة للإنسان، لغاية طمس الحق، وإجهاض صوت الحريّة، والوقوف في وجه حركة التغيير والإصلاح.

لقد مُورِسَ ذلك في حقّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للحيلولة عمّا شعرت به قريش من عصرٍ جديدٍ لا يُعبدُ فيه إلاّ الله وحده، ويتمتّع ُفيه الناس بحقوق إنسانيّتهم، ويعيشون حريّتهم الهادفة الراقية الكريمة {وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (الأنفال/30)، {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا} (الإسراء/76).

الحبس والقتل والنفي والتجويع، ووسائل أخرى قذرة استُعملت قبلُ، وتُستعملُ اليوم على يد القوى غير العادلة من كفّارٍ ومسلمين في وجه حركة التغيير البنّاء والإصلاح الجاد. ولا يكونُ، ولن يكون إلاّ ما يُقدّرُ الله، والعاقبة للمتّقين.

كلُّ المواطنين الشرفاء وفي مقدّمتهم أنتم أيّها العلماء الواعون الغيارى الصالحون، يرفعون صرخة الاعتراض والإنكار والمواجهة لاستخدام هذه الوسائل الظالمة لوأد الكلمة الحرّة، لإجهاض المطالبة بالحقوق المسلوبة، للتخلُّصِ من بُؤر الإشعاع النافع من مصادر الوعي والعطاء الذي يحتاجه الوطن من أصحاب الفكر المُنتج من المستويات المتقدّمة في موقعها من صفوف الصالحين -هذه الوسائل التي تُستعملُ لقهر شعبٍ بكامله -.

وعلى مستوى القصد الثابت، والموقع الثابت، والمحاولة الجادّة؛ علينا جميعًا أن نطلب لهذا الوطن حياة الكرامة والعدل والأخوّة الإسلاميّة والوطنيّة والإنسانيّة، وأن يكون سعينا دائمًا لأمنه واستقراره، والنّأي به عن عواصف الاختلاف والزلزال المدمّر، وأن نطلب الخير لكلّ مواطنيه وساكنيه، وأن نكون من أخلصِ من أخلصَ لدينه وشعبه ووطنه وأمّته وللإنسان. ومع كلّ كلمة نقولها، وكلّ موقفٍ نقِفُه، وكلُّ اعتراضٍ نعترِضُه واحتجاجٍ نحتجُّه؛ إلاّ وينطلقُ من هذا القصد ويستهدف هذه الغاية.

وما اجتماعنا هنا ومناهضتنا لسحب الجنسية من عددٍ من المواطنين، والموقف غير اللائق الذي يتعرّضُ له سماحة “آية الله الشيخ حسين النجاتي”، إلاّ بظلم هذا الإجراء وتعدّيه على حقوق المواطنة، ولمجانبة الموقف المذكور لكلّ مقاييس الدين والعدل واللياقة والذوق السليم، وواجب التقدير للعلم والعلماء، والعاملين في سبيل الله، والمتشرّفين بخدمة دينه، وحملة الراية للدعوة إليه، وتبليغ كلمته.

نقفُ وإلى الأخيرِ جميعًا نحنُ وكلّ هذا الشعب، في وجه هذا الظلم الطاغي، في وجه هذه الإجراءات التعسّفيّة في خندقٍ واحد مع “الشيخ حسين النجاتي”، مع كلّ المُهجّرين، مع كلّ المسجونين، مع كلّ الشهداء، مع كلّ المضطهدين.

نسألُ الله العلي القدير، النصر والعزّ والكرامة لهذا الشعب الأبي الغيور الكريم، والأمن والسلام والرفعة لهذا الوطن؛ وهو ذو الفضل العميم، والرحمة الواسعة، والمنّ العظيم.

وآخرُ دعوانا أن الحمدلله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.