استقبال شهر رمضان المبارك 26 شعبان 1434هـ – الموافق 6/ 7/ 2013م

سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم

استقبال شهر رمضان المبارك

26 شعبان 1434هـ، الموافق 6/ 7/ 2013م

مسجد الإمام الجواد بالدراز

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين. من منا من لا يعرف أن به ضعفا، أن عنده عيوبا، أنه يحتاج إلى علاج على مستوى الروح، وعلى مستوى الفكري، وعلى المستوى الشعوري، وعلى المسشوى الإرادي والنفسي، ومن لا يعرف من نفسه ذلك، شهد منه واقعه على أنه لا أحساس له، من كان يحس بنفسه ويعرف شيئا من داخله فإنه لابد أن يعرف أن به عيوبا جمه وأن به عيوبا كثيرة، وأنه يحتاج إلى العلاج. بوجود ضعفنا أننا لا نفقه من ديننا إلا قليلا، بينما أنه علينا أن نفقه من الكثير، نحن ربطنا مصيرنا بالدين، رأينا أن سعادة في الأخذ بالدين وأن شقائنا في الابتعاد عن الدين، والأخذ بالدين يحتاج إلى فهم ونحن نعاني من نقص كبير في فهم الدين، وما من أحد من الأمة كل الأمة وإلا وهو يحتاج إلى أن يضيف إلى فهمه للدين فهما، وإلى فقهه بالدين فقها، فإن فهم الدين وفقه الدين يطوي العمر من غير أن ينتهي، أو يقارب أحد الناس غير المعصومين فهمه، وهذا ضعف. من ناحية روحية يغلب في حياتنا الهمَّ المادي والطموح المادي، والحس بآلام الحس المادي، والفرح بالربح المادي، بينما الصورة أهزل من ذلك بكثير في تعاملنا في جانب الروح وهذا نقص ونقص كبير. أهل النضج، أهل الفهم هم أفرح بالنجاحات الروحية منه بالنجاحات المادية، آلم وأكثر حزنا وأشد حزانا للإخفاقات الروحيه منهم بالنسبة للإخفاقات المادية، تعظم الكارثة المادية عند الناس وهي عندهم هينة، أن يتخلف بعض الشيء عن ورده اليومي أو الليلي يألم كثيرا، أن تخرج منه كلمة سوء يشعر من خلالها أنها لم تقع موقع الرضا عند الله يتألم ألما كثيرا. هذا السبات الروحي نعيشه، والضعف الروحي نعيشه. النفسية مهزومون وكثيرا ما أفشل وكثيرا ما أسقط وأنهزم أمام حالة من الأغراء المادي، وأمام شهوة من الشهوات، بينما المؤمنون الحق يجب أن يقف قويا أمام الاستجابة المسرفة أو الزائدة للمباح عند الشهوة، فلا ينساب وراء الأكل إلى حد أن تستولي عليه الشهوة، فيمسك نفسه تماما أمام الأكل الحلال المرخص فيه، وأمام النكاح الحلال. نحن إرادتنا ضعيفة في هذا المجال فنتعدى الحلال إلى الحرام[1]، وإن لم يكن عندي إخفاقات كثيرة فلدي إخفاقات قليلة. قد يستصعب أحد ما قضية زنا[2]، ولكن ماذا عن الغيبة أليست حراما؟ الغيبة حرام وكم يقع فيها من المؤمنين واقعين وهذا ضعف، فتغلبة الكلمة، وتغلبة رغبة النيل من الناس، ومن كرامتهم وسمعتهم، فعنده خبر غير مدروس وغير موثوق فلا يمكلك نفسه إلا أن يطرحه، وهذا ضعف إرادة، وما أكبر المساحة التي نسجل فيها فشل ذريعا في بعد الإرادة. هذا الضعف المتعدد كيف نرفعه؟بالمجاهدة، ولكن على أي خط؟ حتى الضعف الجسدي، أو الضعف الفكري، أو الضعف النفسي، أو الضعف الإرادي، أو الضعف الروحي، كيف نرفع هذا الضعف؟ هناك مثل أعلى هو الله تبارك وتعالى، فأنجح طريق وأوصل طريق وأكبر الطرق معالجة لكل ضعف، ضعف الفرد والأسرة والمجتمع وفي كل الأبعاد هو الانشداد إلى المثل الأعلى وهو الله تبارك وتعالى، والاسترفاد والاستضائة منه. كيف أصل إلى الله؟ وكيف أعرفه؟ هناك منهج إلهي، وانشدادي إلى الله عز وجل مرة يكون على مستوى القلب بعشق جلاله وكماله وجماله، ومرة يكون انشدادا عمليا بتباع منهج الله وشريعته ودينه وهذا هو الطريق لرفع كل الضعف، وحتى الضعف البدني معالجته ليست بالسم، وليست بالخمر، وليست بالأفيون، وليست بالخمول، فالرياضة البدنية الصالحة داخلة في المنهج الإلهي، فأحيانا يجب عليَّ المشي لو توقفت حياتي على المشي، والدواء الفلاني قد يجب عليَّ تناوله. فالمنهج والعلم الرياضي السليم الذي لا مؤاخذة فيه وأنا مأمور من ناحية شرعية بالأخذ بمؤديات هذا العلم لأبني جسدا، ومطلوبا من الأمة بأن تبني أجسادا قوية وإلا كيف لها أن تتوفر على محاربين؟ هل بالأجساد الواهية أو أجسام خاملة؟ لا. والإسلام يأمر بتعلم ركوب الخيل وتعلم الرماية فهذا ضعف جسد. منهج دقيق من صناعة الله عز وجل وصناعة الله عز وجل لا تخطئ يعالج لك الجانب الروحي، الجانب النفسي، وينمي الجانب الفكري، ويرفع لك مستوى الإنسان فيوصله إلى قوة هائلة من ناحية وجوده الداخلي حتى يقف النبي أي نبي صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أمام الدنيا كل الدنيا وحده ، هم يخالفونه وهو على الرأي الحق لا يميل عنه شعرة، يُهدد بالموت فلا يفيد، يهدد بالطرد فلا يفيد، ويهدد بالحبس فلا يفيد، وفي هذا الجو يشعر بالسعادة وليس بحالة الشقاء، في وسط جو التهديد والوعيد والترصد هو يشهر بالرضا والاطمئنان. صحيح أن هناك خوف على الحياة ولكن الخوف على الحياة لا يعدلُ عنده شيء وهو مطمئن إلى رضا الله سبحانه وتعالى. إبراهيم عليه السلام يلقونه في النار وهو أشد ما يكون. فهذا أصل إليه وأرفع ضعفي بالمنهج الإلهي، وهذا المنهج يعالج لك روحك، ويعالج لي نفسيتي المتعبة وروحي وإرادتي الضعيفة، وعدم مقدرتي على مقاومة المعصية، وانبهاري بالدنيا، وقابليتي الكبرى لأن اُشترى بثمن بخس[3]، فحين يشتريك وحين تبيع عليه دينك. المنهج العبادي المصنوع بالصناعة الإلهية الفائقة الدقيقة التي لا تصلها صناعة يعالج لك كل هذا الضعف، يخرجك من حالة الوهن إلى القوة، كم أعاني روحيا؟ وكم أعاني من خلل فكري؟ وكم أعاني من منهج التفكير عندي ومن السقوط في الإرادة وغلبة اللسان؟ فالمنهج العبادي يعالج لي كل هذه الأخطاء وكل هذه العيوب وكل هذه النواقص. وحين نسأل لماذا نصوم؟ لماذا نصلي؟ لماذا نعبد الله عز وجل؟ نحن نعرف أن الله عز وجل غني عن العبادة، كماله مطلق ليس له حد ولا نهاية، ولا يوجد أي عقل أن يضع له حد -وهو في واقعه ليس له حد- فهو لا يحتاج إلى العباد، ومن يحتاج إلى أحد فهو ناقص وعنده نقص في جانب من الجوانب، وإذا كان تام الكمال فكيف يحتاج إلى أحد!! وكل كمال لغيره هو من عنده. فعبادتنا لله ليس لحاجته لنا، وإذا داخل نفسي أن الله يستفيد من عبادتي وأني أرضي الله بعبادتي لأني أنفعه فأنا كافر لا أفهم شيئا أجهل، وإيماني ليس إيمانا؛ لأني أتهمت الله بالحاجة، والله هو الغني بالغنى الكامل، فلماذا نعبد الله عز وجل؟ أليس الله هو يملكنا؟ أليس الله هو خالقنا؟ ويملكنا، وعيني وأذني وسمعي وبصري وجوارحي وتفكيري وفؤادي وعقلي وكل شعرة عندي وكل خلية وذرة مملوكة له ملكا كاملا؟ والآن هو ينزل عليّض هذا الوجود، فأنا مملوكا له ملكا كاملا فعليَّ أن أطيعه. هذه العبادة الصوم والصلاة والحج وكل العبادات بها انعكاسات على وجودي، فلا يوجد سعادة خارج خط العبادة، فحين تبتعد واحد على مليون ملمتر عن خط العبادة أنت لست على خط السعادة، السعادة الحقيقة أن أخرج من النقص إلى الكمال، تسعد علميا حين يشتد علمك، تسعد روحيا حين تنفتح روحك أكثر على الحقائق وعلى الحق، فالسعادة سرها الكمال، وهذا الكمال أم بالذات ـو بالغير، وكمال الذات كمكنات وكمخلوقات لا نملكه، فكل كمال هندنا هو معطى لنا، وطريق إعطاء الكمال لنا هو العبادة، والمنهج من صنع الله عز وجل، وهو يعرفك ويعرف ماذا يضرك وماذا ينفعك؟ وماذا يبنيك وماذا يهدمك؟ ماذا ينعش روحك وما يقتلها؟ وماذا يصحح إرادتك وماذا يحرفها؟ فيعرف كل دقيقة منك، فحين يضع المنهج يضعه على علم لا يمكن أن يخطئ، وعلى قاعدة من أمانة لا يمكن أن تخون، وعلى قاعدة من الحكمة لا يمكن أن تختل، وعلى قاعدة من الرحمة لا يمكن أن تنقلب لقسوة لمستحق الرحمة. فمنهج الله منهج تربوي مؤمن بدرجة كاملة معصومة، فالعبادة حق عقلي ووجداني وديني لله عز وجل الله بعد أن أعترفنا بانه يملكنا، وأن كل وجدي وحياتي من عنده، وكل دقيقة من دقائق كياني هي من فيضه، فبعد اعترافي بكل هذا فلا يملك عقلي ولا يملك كياني ولا فطرتي من بعد ذلك الدين إلا أن يلزمني بعبادة الله والخضوع لإرادته، فليس عندي تقف في وجه إرادة الله سبحانه وتعالى وإنما لدي إرادة تتبع إرادته سبحانه وتعالى. انعكاسات العبادة تنعكس بعطاء ثر، بعطاء كبير ضخم على وجود الإنسان في كل أبعاد حياته، حتى البعد المادي والجسمي، وأوضاع الحياة، ووضع الأمة الأقتصادي والسياسي والاجتماعي والصناعي، فالعبادة لها تأتثير حتى على هذا الجو فتخلق روحا صحيحة وإرادة خيّرة، وتخلق منهجا تفكيريا علميا دقيقا، وتفجر أفكار الإنسان، ولذلك تجعله يجيد صناعته ويدير اجتماعه ويدير سياسته ويعدل. فالعبادة تعالج أوضاع النفس والعقل والروح وأوضاعنا حياتنا الخارجية، وتبني لنا مدن متقدمة. العبادة تخرج الإنسان من نقص إلى كمال وهذا الكمال ناقص الذي تأخذه إليه، فتخرج من هذا الكمال إلى كمال أكمل، لأن كمال الإنسان ليس نهائي فكلما خرج من نقص إلى كمال احتاج كماله إلى أن يستكمل وإلى أن يزيد ووإلى أن يتمْمْ، فالعبادة تخرجه من نقص أول ونقص ثاني وثالث وترفع وترفع من مستواه، وهذه المدرسة ليست لي أنا الصغير، وهذه الانعكاسات ليست لي أنا الصغير وإنما هي للأنبياء والمرسلين ولرسول الله صلى الله عليه وآله على كماله البعيد البعيد السامق السامق والعبادة كانت تغذيه وتزيده قربا إلى الله وتزيده قربا إلى الكامل، والقرب إلى الله معناه بأن يكون عندك شيئا من كمال، وكلما زاد كمالك اقتربت من الكمال المطلق، فنقص الذات من جهل وسفه وظلم وإرادة ساقطة وتفكير غير منهجي وغير علم زائغ وضلال روحي، فهذا النقص يأخذ بي في الاتجاه المعاكس، ومن أجل الذهاب في اتجاه الله وأقرب إليه فعليَّ أن استكمل واستكمل وكلما استكملت وكلما خرجت من جهل إلى علم قربت إلى الله، وكلما خرجت من ضلال إلى هداية كلما قربت إلى الله، وكلما خرجت من ضعف إلى قوة كلما قربت إلى الله. فالرسل كانوا يتقربون إلى الله بالعبادة فيرتفعون ويزيدون كمالا، فإذا لم يؤدون إلى الله شيئا ولا يؤدون للأنفسهم شيئا فصارت عبادته ليس لها معنى، فلماذا يعبد؟ فعليه بالقعود وكأن الله يقول له أنك كملت ولا حاجة للعبادة، لا، بل تبقى العبادة لها عطائها حتى بالنسبة للأعلى مستويات البشر كمالا. فالعبادة معراج كمال وصناعة للقوة، ومعالجة للنفس والانتصار عليها وتقويم السلوك، ولتصحيح الأوضاع والخروج بذوات الإنسان من الظلمات إلى النور، وللخروج بأوضاع الحياة من الظلمات إلى النور، فالوضع الاقتصادي المتردي ظلمة والوضع الاقتصادي المتقدم نور، والوضع الاجتماعي القلق والمتفكك ظلمة، والوضع الاجتماعي المتماسك واحترام الحقوق والتعاون على الخير فهذا نور وهذا منهج يخرج الذوات من الظلمات إلى النور ويخرج الأوضاع من الظلمات إلى النور. الصوم جزء من المنهج العبادي الإسلامي العام الذي تدخل فيه الصلاة والحج والزكاة والخمس وباقي العبادات، وكل عبادة من هذه العبادات مصممة التصميم الإلهي الذي لا يأتيه عيب ولا يمكن أن يضاف إليه أو يسلب منه شيء لتصحيحه فهو صحيح بالكامل. شهر رمضان له احكام وجوبيه وتحريمة وله آداب وسنن ليست واجبات وإنما مستحبة، فالانعكاس الذي يحصل لذاتي ويحصل لذاتك من شهر رمضان يرجع إلى التقيّد بهذا المنهج وبمقدار التقيد به، فأخذك بخصوص الواجبات والمحرمات فهذا له مردوده الايجابي الكبير، وأضيف إلى ذلك الأخذ بالمستحبات المندوبات فيجد جديدا على ذاتي وأحصل إضافة في كمال الذات، فيترفع مستوى الاستفادة ويرتفه مستوى الهدايات ومستوى التأثر الايجابي بالصوم. فكلما كان الالتزام أدق وأشد وأوسع وأوعى والأخذ بالأحكام أصدق وصار اتباعا للسنن والآداب وأشمل، فكلما كانت الاستفادة أوسع وأكبر وأعمق. وإذا بشهر واحد لو وعيناه ولو صمناه الصوم الحق، ولو أعطيناه حقه فادخله ضعيفا منهوكا متعبا كسيحا، وأخرج منه معافا قويا شديدا، فالروح غير الروح، والنفسية غير النفسية، والإرادة غير الإرادة، والتفكير مختلف، واصدقاء السوء اتركهم جميعا، وكل السيئات أفارقها، وكل الضعف أفارقه، وسابقا كنت أسقط أمام أدنى ضغط للشهوة، ولكن بعد شهر رمضان لو صمت الصوم الحق لخرجت أقوى من كل تحديات الشهوة، وكنت أشترى بخمسمائة دينار وبألف دينار وبقطعة أرض ولكن بعد شهر رمضان أن كنت أصوم صوما صحيحا فالدنيا كلها لا تشتريني، فهذه الصناعة يصنعها شهر رمضان ولكن حيث نعطي شهر الصوم حقه والموسم حقه. النجاح في التعامل مع شهر رمضان في إعطائه بعض حقه والخروج منه بنتائج ايجابيه ملحوظة، وتحقق قرب إلهي من النفس يحتاج إلى أن ندخل شهر رمضان على استعداد، فلا يوجد مدرسة تدخلها بأي مستوى وتنجح! وبلا استعداد نفسي وتنجح! وبلا عدة من صبر وعدة من إخلاص وقناعة بقيمة هذه المدرسة وقيمة دراستك، فدخولك لأي مدرسة ولأي معهد وأنت لست على اقتناع أو أنك لا تعرف قيمته فلا تصبر على صعوبته ولا تتفاعل مع منهج هذه الدراسة التفاعل المطلوب فلا تخرج بنتيجة، فإن بحاجة للدخول أي مدرسة من المدراس أو أي معهد من المعاهد فنتوفر على استفادة كافية فلابد من تناسب مستوانا مع امعهد والمدرسة في منهجها وفي دروسها. فلابد أن نفهم قيمة هذه المدرسة وعطائها وأن لدراستي قيمة أم لا، وهل أقدر هذه القيمة أو لا؟ فهنا قيمة عالية جدا، هنا صناعة ذات صناعة جديدة وقوية وإيجابية وجنة خلد وسعادة أبد، فمن يموت يوم العيد وقد صام شهر رمضان حقا فهنيئا له، فإذا ودع الحياة عن صوم صحيح فهنيئا له. ندخل المدرسة سواء ابتدائي أو إعدادي أو ثانوي أو مرحلة الجامعة أو متجه لدراسة الماجستير والدكتوراه ثم بروفسور أو ما يسمى بدرجة الأستاذية، كم سنة يحتاج؟ وكم عليه أن يبذل من جهد؟ وكم عليه أن يخوض في بحر المعاناة؟ وكم عليه أن يصبر؟ وكم عليه أن ينفق؟ وأن يصبر عليه مجتمعه وأن يصبر عليه أهله؟ والنتيجة هو أن أصبح بروفسور في أي علم من العلوم! بيت ضخم وبستان كبير أو عشرة بساتين، فكم سنة تحتاج؟ وهذه السنوات هل هي سنوات سعادة خالصة؟ لا. فما أن ينتهي من درجة البروفسور إلا وقد بدأت الأمراض -ربما- وتعكر المزاج. هذا عطاء شوط طويل من الجهود على مستوى الدنيا، وهذا درس في الدنيا وليس في الآخرة فهذه نتيجته، وقد ربى عضلات ثم بداء ينحدر الجسد، فلا الرياضة تحتفظ بالجسد، فما أن يترك الرياضة فيقاوم الجسد قليلا ثم يسقط، وربما يتسبب له بانسداد الشرايين. فهذا عطاء دنيوي. أنت تدخل هذه المدرسة وتصبر على منهجها وتتعامل معها التعامل المخلص؟ وهل تدخلها باستعداد؟ تصحيح أوضاع الحياة وأمن ورفاه اقتصادي فهل تعطيه لو صامت الأمة؟ فهذه نتيجة كلها بسيطة وضئيلة ونفسية معتدلة ومرتاحة واطمئنان قلب في الدنيا، وتحمل للمشاق[4]، النفوس المؤمنة الحقة الحقة هي أكبر النفوس تحملا لضغط المصائب والمشاكل، فهو لدية حصانة وحصانته أكبر، وصاحب الحصانة مرتاح. هذا عطاء دنيا كبير وكل الأطروحات والمناهج الدنيوية لا يمكن أن تحققه على مستوى الدنيا، ولننظر لهذا العالم وهو يموج وتعصف به المشاكل، فمنذ طفولته إلى يومه هو مهموم وتحاصره الأحداث والمشاكل. المنهج الإلهي في الدنيا عطاءه هذا ولكن عطاء الدنيا كله لا يساوي شيئا في الآخرة. شهر واحد يقفز بمستواي قفزة عالية وينقلني كوني من أهل النار إلى كوني من أهل الجنة، فهذا العطاء أي مدرسة توفره؟ لا يوجد غير الإسلام. فكيف نستعد لشهر رمضان؟ فدخلونا بنفسية غير قادرة على التحمل، ونفسية مربوطة بالمعدة فما أن تخوي المعدة قليلا من النار أحس بأني سأموت، وسأنصرف عن العبادة وسأظل أفكر متى يأتي المغرب لأفطر! فإذا دخلت شهر رمضان بفكر لا يعرف شأن الذي فرض عليّ شهر رمضان، وأصوم وأنا لي عليك منا وجميل، فأنا أصوم لك، فهذا صوم ينحدر بي، وأنا لا أقول ذلك بلساني ولكن شعوري في الداخل يقوله، وهذا الصوم أمنّ به على الله أو أشكر الله به؟ وأنا جائع هل أشكر الله أن وفقني لهذا الجوئع الهادف والواعي والقاصد الذي يرفع درجتي، وأعطاني الجسم الذي يتحمل الجوع قليلا ما وأعطاني الصبر، أو أني سجلت الجنة على الله عز وجل؟! فما المطلوب مني؟ فأنا أصلي وأصوم وكأنك تمنّ على الله بصلاتك وصيامك، فصومك وصلاتك هذه اضرب بها الحائط فهي تدخل النار وليست الجنة. فحينما أدخل شهر رمضان بهذا المستوى من التفكير المنحرف، وأدخل غير شاكر فهذا ليس عبادة، فالاستعداد لابد أن أصحح تفكيري، وأعتبر أن تكليف الصوم نعمة من الله، “وأن تصوموا خيرا لكم لو كنتم تعلمون”[5] فليس هناك علم. هل عندي صبر على العبادة في شهر رمضان وعلى قراءة بعض الأدعية والتلاوة مع تفاعل؟ وهل عندي فهم مما أقراء؟ أم أن القراءة هي لقلقة لسان؟ فما أنك وضعت نفسك على الطريق وتقصد بالقصد الإجمالي بأنك تتقرب وتتمثل لأمر الله عز وجل فلك نصيب، ولكن لكي تتحصل على نصيب كبير لابد أن تفهم ماذا تقول ولديك روحا تستقبل ما تقول وهذا يحتاج إلى إعداد وكما يقال تخلية وتحلية، فالتخلية معناه أني ممتلئ بالعيوب والنواقص والانهزامات وممتلئ عادات سيئة، فهذه الأشياء تحتاج كنسا من الذات لتتخلص منها، فهذه فضلات ضارة جدا تقتل كفضلة البطن إذا حبست تقتل، فهذه الفضلات تقتل الروح وتقتل الإرادة، فلابد لي قبل شهر رمضان أن أخرج من سيئاتي وعاداتي السيئة وأن أبدل سيرتي وهذه هي التخلية، فأخلي الذات وأبعد عنها العيوب وأفصلها عنها بالمجاهدة القوية. وأما التحلية فأعطيها زادا جديدا نظيفا طاهرا يرفع من مستواها، فإن كنت أصلي باستعجال فعليّ أن أعدل من صلاتي، وأن كنت مؤخرا للصلاة عن وقتها فلأصليها في وقتها، وأن كنت لا أذهب للصلاة في المسجد وصلاتي في البيت فلأذهب للصلاة في المسجد، فلتخرج من ضعفك وبهذا يكون الاستعداد لشهر رمضان المبارك، وإذا دخلنا بنفسيات متعبة وأفكار منحرفة فقد يأتي صومنا في بعض الفروض بآثار سلبية عكسية كشعوري بالمنّ على الله عز وجل من خلال صومي. شهر رمضان فرصة عبادية تمر في موسم خاص، والصوم متاح طوال أيام السنة إلا ما استثني ولكن لشهر رمضان خصوصيته التي ذكرها الدين من حبس الشيطان ومضاعفة الأعمال وتنزل القرآن فيه، فهذا جو مصنوع ولا تحصل عليه طوال أيام صومك، فالجو في ظاهر الساحة خصوصا في مثل بلداننا يكون جوا عباديا، وهذا يساعد بدرجة كبيرة، ففي المسجد ذكر وفي البيت ذكر، وترى ذاك قبل بلوغه صائم ومشدد على نفسه، فهذا يعطيك درس ويعطيك قوة روحية، فهذا طفل وأنت بجسمك الضخم الكبير والصوم عندك فيه مجاهدة وذاك منهك، فهذا جو خاص. هذا الموسم الشريف الكبير العطاء له خصوصيته، وعلينا أن نتهيئا له بتجديد فكري وروحي وتجديد إرادة، والخروج ما استطعنا من حالة الإهمال والغفلة بشأن وقيمة الدين والنفس، والنفس عزيزة حين تعز بالله عز وجل ولا قيمة لها حين تنفصل عن الله عز وجل. فلنطب بجد واجتهاد الخروج من ذل المعصية إلى عز الطاعة، ولبتداء المشوار بدرجة أكثر جدية من الآن لنستقبل شهر رمضان بدرجة من الكفاءة. [1] الكلام حول مجموع المسلمين، وحتى مجموع المؤمنين. [2] والحمد لله نحن بعيدون عنه. [3] وأي ثمن كبر في نظري في الدنيا هو ثمن بخس. [4] لا يوجد دنيا مريحة بالكامل، فلابد من متاعب دنيوية، ولكن هناك نفس تتحمل ونفس لا تتحمل. [5] سورة البقرة، الآية .