آية الله قاسم مع عوائل الشهداء: نحن لسنا طلاب أمننا فحسب.. وإنما أمن كل أهل الأرض

آية الله قاسم: نحن لسنا طلاب أمننا فحسب.. وإنما أمن كل أهل الأرض

كلمة سماحة آية الله الشيخ عيسى قاسم دامت بركاته في اللقاء السنوي مع عوائل الشهداء الكرام الذي نظمته جمعية الوفاق في منطقة سار – 17 يوليو 2013م:

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من النفس الأمارة بالسوء، اللهم إني أسألك سلامة النية وحسن العمل.

أخوتي الأعزاء عوائل الشهداء الكرام أحييكم تحية الاسلام، وأرفع لكم تهانيّ الصادقة على ثباتكم على طريق الحق والعطاء في سبيل الله.

أبارك لكم هذه الأيام السعيدة الكريمة، التي أنتم فيها ضيوف على موائد الله، موائد كتابه الكريم وفريضة الصوم هذه الفريضة التي تأخذ بنا إلى آفاق رفيعة تقرب بنا من رضوان الله تبارك وتعالى.

{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} (سورة البقرة / آية 126).

كرهٌ للنفس، لما للنفس من تعلق بالحياة، لما لها من عشق للبقاء على الأرض، وهي تعيش زهرة الحياة ونضارتها، مغريات الأرض، تمتع الإنسان بالشعور بالحياة، أمله، طموحه، يخيفه خسارة كل ذلك، المتمثلة في الموت في حساب من حساب النفوس.

القتال الكره، قد ينقلب إلى شيء محبوب، الموت المهاب قد يتحول إلى أمنية، النقلة من هذه الحياة الدنيا قد تكون أملاً، متى أحب الموت؟ متى أسعى بقدم ثابت إلى النقلة من هذه الحياة؟ متى يعانق الإنسان الموت مسروراً؟ هل من تصور للحظة يعشق فيها الحي أن يموت؟ أن يفارق هذه الحياة؟ إذا كان الحي لا يرى حياة غير هذه الحياة ويرى النقلة منها إلى موت أبدي فإنه لا يمكن على الاطلاق أن يحب هذه النقلة.

إذا لم أرى حياة أكبر في الموت من هذه الحياة، بداية حياة سعيدة رغيدة ثرة، بآخر نفس ألفظه من هذه الحياة فإنه لا يمكن أن أقبل أن أموت وأسعى بقدم ثابت للموت.

الموت يتحول أمنية لنفس رأت أن حياتها في الموت، رأت أن لا شيء يحقق لها أقصى ما تتمناه غير الموت، وذلك حين ترى أن الموت في رضوان الله، وأن رضوان الله أكبر من كل شيء، حين ترى أن لحظة أن يخِرّ الجسد مضرجاً بدمائه على الأرض تبدوا حياة جديدة غنية ثرة مجيدة تعيشها الروح، لحظة أن يسقط الجسد على الأرض تبدأ الروح رحلتها في آفاق السعادة الأبدية لتتخلص من كل لحظة فيها شعور بنقص، وغبن، بدونية، بخسارة، بخوف، بفقر.

آمن بالله وحدة، بقدرته، بعظمته، بما وعد به الشهداء من جميل وعده، آمن بجنة، آمن بصدق كلمة الله، بصدق وعد الله بأنه لا إله إلا الله، آمن بما وعد الله من آخرة، ومن جحيم أعده لعصاته، وجنة لأهل طاعته، هنا تتمنى أن تموت على طريق الله وأن تنال الشهادة في سبيل الله وتعانق الموت لتحيا حياة سعيدة أبدية خالصة.
يومياً يستقبل باطن الأرض ممن على ظهرها الكثير، ويومياً يشد خلق كثير الرحال الى الآخرة، ويومياً تحفر قبور وتودع جنازات، ومنها ما يساق لجنّة ومنها ما يساق لنار، وحين تتيقن بأن طريقك طريق الجنة، وأن لا شيء في هذه الحياة يساوي ما في الجنة يتحول الموت إلى أمنية، والشهادة إلى لحظة أمل كبير.

يومياً يخوض ناس كثيرون معارك، ويومياً يحدث قتل كثير، أفواج تقتل في سبيل الله، وأفواج تقتل في سبيل الشيطان، وليس من أحد يبقى على هذه الأرض، وما خلق على الأرض إلا لينتهي، وما وجد إنسان على هذه الأرض إلا ليموت، الموت لابد منه، متنا على الفراش أو متنا في سوح الجهاد، متنا بسيف عادل أو بسيف ظالم، ولا يستوي موت على فراش وموت آخر في ساحة جهاد، وما يستوي قتل بسيف ظالم وسيف بغي مع قتل بسيف عدل، المقتول بسيف العدل إلى النار والمقتول بسيف البغي إلى جنة.

وعلى الراشدين وأهل الرشد، وأهل الوعي والبصيرة أن يختاروا طريق الشهادة على طريق موت الفراش، على أن موت المؤمن في فراشه شهادة، وموت الكافر في ساحات القتال موت خبيث. والمهم أن تسقط في ساحة القتال أن تكون نيتك خالصة، وكانت اللحظة الأخيرة لك في هذه الحياة، لحظة بدن يسقط مضرج بدمه، أو لحظة موت على فراش، المهم أن تصدق النية مع الله بأن تسير في طريقه.

أئمة، وأولياء ماتوا على فراشهم وهم في مقدمة المجاهدين، وكثيرون هم الذين يموتون مهشمين ومبضعين وهم إلى نار، عليك أن تضع قدمك على طريق الشهادة، وأن تتجه بقلبك إلى طريق الشهادة، أن تصدق الكلمة مع الله عز وجل ولا تألو جهداً في سبيل خدمة الدين وإصلاح الأرض، حين تفعل ذلك مت على فراش أو مت تحت ظل السيوف، مت دماً سيالاً أو في فراش ناعم فأنت شهيد. وحين يجتمع لك أن تموت على نية الشهادة وتموت بسيف البغي فقد جمعت بين حسنيين.

علينا نحن الملأ المؤمن إن شاء الله أن لا نهاب الموت، وأن لا نتلكأ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعن قول كلمة الحق، وعن مجاهدة الظلم خوفاً من الموت والشهادة، وعلينا نحن الملأ المؤمن إذا استشهد عندنا شهيد أن نفرح لشهادته وأن نشكر الله على شهادته، وأن نفاخر به لا للدنيا، ولا للظهور فيها، وإنما نفاخر به حيث اختاره الله عز وجل أن يموت على هذا السبيل.

وهنيئاً لأم ولدت ابناً من أبطال الدين والايمان والعقيدة، الأبطال الذين يختارون سبيل الله سبيلاً، وتنتهي حياتهم في هذا السبيل، وتنتهي حياتهم ليسجلوا شهداء، هذه أم عليها أن لا تبكي، بل تزغرد لا أن تولول، لها أن ترفع رأسها أمام الخلق وتخر ساجدة لله شكراً لا أن تحزن.

كنتِ متقدمة في السن أو دون ذلك فليس لك أن تحزني لشهادة ولدك ولعله يكون شفيعاً لكِ،
إذا كان الآخرون كل الآخرين كل أصحاب المبادئ كل أصحاب الأطروحات، الكثيرون من طلاب الدنيا يموتون في سبيل دنياهم، كثيرون الذين يذهبون من هذه الحياة عن حق أو باطل، إذا رخصت نفس أهل الأرض عليهم في سبيلها، فأنتم يا طلاب الآخرة، أنتِ أيتها الأفئدة المتصلة بالله لابد أن تكون الشهادة في سبيل الله أمنية معشوقة.

إذا كان الموت لابد منه، والمسافة بين موت أحدنا والآخر ليست طويلة، وما من أحد ودّع ميتاً إلا وسيوّدع، وما من حيٍ دفن ميتاً إلا وسيدفن، وما من حياة تدوم فلماذا أبخل بنفسي على الشهادة؟ لماذا أبخل بهذا الدم الذي اذا سقط في سبيل الله أحيا الأرض، زراعتها، صناعتها، أوضاعها الانسانية، قبل ذلك يحيي القلوب، والأرواح، ويرتفع بمستوى الإنسانية كلها.

الدم الذي إذا سال غذّى الحياة، وأنقذ الحياة من السقوط، ونبه الأفئدة، وأيقظ الأرواح، واستوى بطريقة الحياة، دم حق له بكل اعتزاز وبكل ثقة أن يسقط على الأرض رخيصاً.

يخرُّ الجسد لحظة الشهادة لتحلق الروح، ويموت البدن حال الشهادة لتكبر حياة الروح، وتتفجر عن مستوى جديد، ولتعيش أفقاً جديداً عن حياة المحدودية الضيقة والوضاعة والتنافس على الرخيص والانغماس في شهوات البدن.

هناك لذائذ روح لا يمكن أن تقاس بها لذائذ البدن، يعيش بعضاً منها أصحاب الصلوات الخاشعة، والصوم الصادق، أصحاب الذكر الواعي لله سبحانه، يعيشون هذه الذائد في هذه الحياة، وأما هي في مستواها الذي لا يمكن أن نملك له تصوراً فتبدأ من لحظة الشهادة. الروح تبدأ في انطلاقتها الكبير، وأكبر انفتاح على الحق والحقيقة، تبدأ الروح عيشها للطمأنينة الكاملة والراحة الكاملة عند أول لحظة للشهادة، تنتهي حياة بدن، وتبدأ حياة روح مضاعفة، ومكبّرة، وممتدة.

والشهادة رداء للحياة الكريمة وللحياة العادلة، لابد لتلك الحياة منه، والأمة التي تريد المجد والحياة، والعزة عليها أن لا تبخل بمن تقدم من شهداء.

وأمة الإسلام أمة الشهادة، والشهادة بعيدة كل البعد عن فكرة العدوان، وعن فكرة الظلم، وعن فكرة الاسترخاص بقيمة الإنسان، الشهادة لا تجعلنا مفجرين، ولا تجعلنا إرهابيين، ولا تجعلنا أهل عنف، الشهادة تعني أن تكون ملئنا روح الاصلاح، روح التغيير الإيجابي، روح الانتصار للعدل، ولإنسانية الإنسان، الانتصار لقيم السماء.

نحن هنا ومن منطلق إيماننا لابد أن نكون أسخياء بأنفسنا وبدمنا في سبيل الله من دون أن نفرط في دمنا بغير طريق الله، ومن دون أن نفرط بدم غيرنا، ونحن لابد ان نكون انضباطيين، ونتأدب بأدب ديننا، ونتعلم من سيرة أئمتنا، نحن ندائنا من أجل الإصلاح، ندين التفجيرات، وندين نشر الرعب، ونبذل في سبيل أمننا الشامل، وفي مقدمته أمن ديننا وأمن أعراضنا، أمن ديننا وأعراضنا مقدم على أمن أجسادنا، ونحن لسنا طلاب أمننا فحسب، وإنما نحن طلاب أمن أهل الأرض كل أهل الأرض، ونطلب الانقاذ الروحي والفكري، الأمن الفكري والروحي والخلقي والانساني لكل إنسان على وجه الأرض.

وإذا كنا ندين أنفسنا لأقل ذنب، ونقف مع أنفسنا موقف المحاسبة الشديدة وندخل معها في حرب لا هوادة فيها لخطأ تخطئه في حق إنسان، فلا يمكن أن نتأخر في المطالبة بحقوقنا، ولا يمكن أن نتساهل في مس شرف امرأة من نسائنا، لابد أن نكون مثالاً في الإباء، مثالاً في الشهامة والعزة والكرامة.

بما تهددنا دنيا الظلم والعدوان؟ بأن تسفك لنا دماً؟ إن دمنا في سبيل الله لرخيص. كم سأعيش على هذه الأرض؟ كم ستعطيني من عمر في ذل وهوان؟ لا أقبله، أريد منقلاً مرضياً لله سبحانه وتعالى.

اللهم لا تبقنا مزيداً من العمر نضل فيه ونغوى، اللهم إن كان موتنا هذه اللحظة هو ما يحقق رضاك فخذ بنفوسنا هذه اللحظة.

على أهل الظلم والعدوان أن يعرفوا أنهم إن كانوا حريصون على دنياهم، بأننا أشد حرصاً على آخرتنا، فإذا هانت عليهم أنفسهم في سبيل ديناهم، فنحن تهون أنفسنا في سبيل آخرتنا. ولا يرجوا أهل الباطل من إقدامهم على الموت من بعد موتهم خيراً، أما أهل الحق فكلهم رجاءً للخير من بعد الموت، وهذا ما يجعل للموت في حياة المؤمن أمنية.

ويهون الموت ويحلو الموت ويعشق الموت كلما شفت النفس، وطهر القلب، وصحة الروح، ونقاء الفؤاد بشفافية الروح والقلب وصفاء النفس، تكون ذات الإنسان عارفة بالله، مؤمن حق الإيمان بالآخرة، وعندئذ ترى وهي في الدنيا ما لها في الآخرة فتهفو إليه يمتد عنق الانسان إلى الآخرة طالباً لها.

لماذا كانت لحظة فرحة؟ لحظة الشهادة عند أهل كربلاء؟ ولماذا كانت تهون كل الدنيا والشدائد والتحديات على نفوس الأنبياء والمرسلين؟ لأمر واحد لقد صفت أنفسهم، وبقيت فطرتهم حية، فصلت أفئدتهم بالله عز وجل، أخذت كلمة الله في أفئدتهم موقعاً مكيناً، لم يخالجهم شك في وعد الله، ولم يخالجهم شك فيما وعد الله به عباده الصالحين، حينئذ هان عليهم كل شيء في سبيل الله.

الطريق إلى تخفيف وطأة الموت على النفس، والطريق إلى تحول الشعور من الخسارة في الموت إلى الربح أن نعرف الله، ونصحح علاقتنا به.

أنتم أيها الأخوة والأخوات، أهل لأن تعشقوا الشهادة، وأهل لأن تحملوا راية الاصلاح، وأهل للإصرار على طريق الحق، وأنتم بعيدون كل البعد ما عليه أهل الفهم الخاطئ للإسلام.