الخطبة الأولى: لذائذ الإنسان متفاوتة
الخطبة الثانية: مواجهة الإرهاب – البحرينُ سياسةً ومنهجًا – الطلاب والدراسة

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي يجد العقلُ رشدَه بمعرفته، والقلبُ هداه بذكره، والنفسُ زاكتَها بعبادته، ولا سبيل لسعادة دنيا ولا آخرة إلا باتّباع وحيه، وكلّ من حاد عن طريق طاعته سلك طريق الغيّ، واتّبع الشيطان، ووقع في الضلال، وكان من الهالكين.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

عباد الله ما أكثر العِبَرَ وأقلّ الاعتبار؛ في الفقر بعد الغنى عبرة، في المرض بعد الصحّة عبرة، في الذلّ بعد العزّ عبرة، في المشيب بعد الشباب عبرة، في الوهن بعد القوّة عبرة، وفي كلّ تقلُّب من تقلُّبات الأوضاع عبرة.

ما كان حالَ يُسرٍ فانقلب إلى حال عُسر، أو كان حال عسر فانقلب إلى حال يسر ففيه عبرة. وفي كلّ عبرة في النّفس والحياة، ووضعِ النفس ووضعِ الغير للإنسان درس نافع، وفيها حجّة ملزمة له. وهو إما أن يستفيد من الدرس، أو يتحمّل تبعة الإهمال للحجة.

فلنعتبر عباد الله، وما اعتبر من لم يتّق الله، ويقدّم آخرة تبقى سعادتها على دنيا تفنى لذّاتها، وتبقى تبعاتها.

اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين إنك أنت الغفور الرحيم، التواب الكريم.

اللهم بصِّرنا بالدين الذي ارتضيته، والطريق الذي إليه هديتَ، وجعلته موصِّلًا إلى رضوانك، ومؤدّيا لسالكيه إلى جِنانك، واجعلنا من سالكيه، وممن لا ينحدر عنه، ولا يحيد عن ملازمته، ولا تثقل منه الاستقامة عليه يا حنّان يا منّان يا رحيم، يا رؤوف يا كريم.

لذائذ الإنسان متفاوتة:

أما بعد فإن الدنيا لم تُخلق لتبقى، ولا لتُفضي إلى عدم محض يصير إليه الإنسان، وينطوي ذكره به إلى الأبد. الدنيا لم تُخلق جزافًا وعبثا، والإنسان فيها لا ليلهو، وإنما خُلق في الدنيا لحكمة ولغاية أكبر منها. كان الإنسان فيها من تقدير العليم الحكيم للجدّ والعمل الصالح الذي يُعدّه أحسن إعداد ليوم بعثه وآخرته، ويصنعه أجود صناعة لينجو بها من أهوال ذلك اليوم العسير، وشدائده العظام، وتُحقّق له سعادة الأبد.

وتلك صناعة لا تُجيدها مناهج الأرض، وذلك إعداد لا طاقة لمنهج بالتكفُّل به إلا منهج السماء المتلقَّى من وحي الله لمن اصطفى من عباده بعلمه وحكمته.

فإن رغب راغب في ذلك فليس له إلا أن يُخضع حياته لمنهج الله، ويلزم الطريق إليه مستعينًا بلطفه، مستشفعًا برحمته، متعلِّقًا بمدده وهداه. ومن لم يفعل فليس له رغبة صادقة فيما طلب، ومن رغب عن ذلك فقد فرّط، وما تفريطه بمتدارك بعد هذه الحياة، وما فرّط في الشيء الذي يهون. ما فرّط فيه إنقاذ نفسه من عذاب دائم، وشقاء مقيم، وما ضيّعه عليها لا يعدله شيء وهو سعادة الأبد، وما أوقع نفسه فيه إنما هو أكبر خسارة.

ومن شكى من التعب على طريق الله، والاستقامة على منهج دينه، وثقُلت عليه تكاليف شريعته عُرِف من حاله أنه لا يقدّر الآخرة بقدرها، ولا يعرف وزن ما يُتّقى منها، وما يُرغب فيها بما وعد الله به الصالحين من عباده وأهل طاعته مما لم تر عين، ولم تسمع أذن من مختلف النِعم الكريمة، والآلاء السابغة، ولذائذ الخير والطُّهر للعقل والقلب والروح والبدن، وحياة لا تبلى، ونعيم بلا نهاية.

فإن من عرف ذلك، وآمن به لم يشكُ تعبًا من السير إلى الله، ولم يثقل عليه تكليف من تكاليف ربّه، ولم يستوحش من قلّة السائرين على الصراط، ولم تُزعجه صعوبة، ولم تتوانَ على هذا الطريق خُطاه.

وكفى بالسائرين لذّة ونعيمًا أن يعرفوا أن سيرهم إلى الله الجليل العظيم الجميل الكامل المطلق كان نعيمُ آخرة أو لم يكن، وليس في النفوس العارفة بربّها وزن لنعمة ما يزن نعمة معرفته، ولا لذّةَ صفاء ولا سموًّا تلك اللذّة، ولا قدر كلذّة شعورها برضوانه.

فإن يبتغِ أحد لذّة لا تعدلها لذّة، وأمانًا ليس مثله أمان، واطمئنانًا لا يزنه اطمنان، ورضا لا يساويه رضا فليطلب معرفة الله، وليُخلص في طاعته وعباده يجد ما طلب، ويصل إلى ما ابتغى، وما تطلّعت من تلك الغاية الكبرى له نفسه.

وإنّ لنا جميعًا لتجارب من لذائذ البدن في حياتنا الدنيا، ونعرف تفاوت أصنافها، وكذلك مصاديقها، وإنّ لبعضنا لذائذ نفس تأتيها من حلّ مشكل علمي يتصل بعلم من علوم الدنيا، ومن الشعور بالانتصار واكتشاف الحقيقة من حقائقها القريبة، وهي لذائذ تتفاوت في درجاتها حسب ما عليه وزن المشكل، وأهميته في النفس، ومضايقته لها، ولقلّة من الناس لذائذ روح يوفّرها انكشاف الغموض عن حقيقة كبرى ترتبط بالرؤية الكونية، والعقيدة المتعلّقة بالغيب وأصل الوجود وما بعد الحياة، وتريح النفس من قلق يعتريها، وشك ينتابها في الأمر الذي لا ترى ما يوازيه أهمية من بين كل الأمور، كما يوفّرها عمل صالح، وطاعة من طاعات لها تُوفَّق إليه من قبل الله عز وجل، وتجد الإخلاص منها بمقدار في أدائه.

ولذائذ الروح وهي على تفاوت كذلك مثلها مثل غيرها من لذائذ بدن، ولذائذ من فكر لا يعرفها إلا من عاشها. والذين عرفوا اللذائذ الثلاث، ولا يمكن أن يساووا لذةٍ منها ولذة تأتي من سرور الروح ورضاها إثر تبلور حقيقة من حقائق العقيدة، وطاعات من طاعات النفس لله، وإخلاصها في أدائها.

والذين يعيشون حالة الشهود القلبي لله سبحانه، والمعانقة لمعرفته هم الأعظم في هذه اللذة، وأولئك على درجات حسبما عليه سعة القلب لذلك الشهود والمعانقة لمعرفة الخالق العظيم.

وتعالى الله عن أن ينال قلبٌ تمام معرفته، أو يُقارب إدراك كنهه([1]).

ويوم لا يغيب الله عزّ وجلّ عن القلب لحظة، ولا تغيب معرفته، وتكبر معرفته لربّه، ويعظم ذكره له لا يفارقه الأنس، ولا ينحسر عنه السرور بالشعور بالرضا، والاطمئنان، ولا تغيب عن الروح اللذّة، وذلك ما يكون عليه المؤمنون يوم القيام.

اللهم صلّ وسلم وزد بارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم

اللهم اجعل أرواحنا موصولة بذكرك، وقلوبنا نيّرة بمعرفتك، وقدّم في نفوسنا الآخرة على الدنيا، وانفِ عنا التردّد بين ما فيه رضاك ورضا غيرك، وأعنّا على طاعتك، وحبّبها لنا، ورغّبنا فيها دون معصيتك، فإنّك إن تفعل ذلك نكن من المرحومين عندك، وما فقد خيرًا أبدًا، وما نال الشرُّ مَنْ رحمته يا أرحم من كل رحيم، ويا أكرم من كل كريم.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}([2]).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي يفوق حمده حمدَ الحامدين، وتتجاوز نعماؤه شكر الشاكرين، ولا يبلغ الثناء جليل شأنه، ولا يفي الشكر بعظيم منّه، ولا تُعدّ آلاؤه، ولا يُستقصى إحسانه، ولا تُحيط معرفة بكنهه، وكلّ طاعة من طاعاته لمنفعة المطيعين، وكل معصية من معاصيه ضررها على العاصين، هو أجلّ من أن تنفعه طاعة، أو تضرّه معصية.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

اللهم صل على محمد وآل محمد حبيبك المصطفى خاتم النبيين والمرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصدّيقة الطّاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين، الأئمة الطاهرين المصطَفَين: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصّادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن عليّ العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.

أما بعدُ فليس من عبدٍ من عبيد الله إلا وهو طالبٌ خير نفسه، ولكن كثيرًأ ما يخطئ العبد معرفة ما فيه خيرُه، وما هو الطريق إليه.

ودور الدين أن يُشخِّص للإنسان موارد الخير، وموارد الشرّ مما يجهل هذا الإنسان، ولا يحيط به، وأن يُحدّد كيف ينال الإنسان هذا الخير، ويُكفى ذلك الشر. ولا هُدى للإنسان في ذلك غير هدى الدين، ولا بديل عنه له، ومعرفةٌ صحيحة يُخالفها العمل لا تُحقّق خيرا، ولا تُنقذ من شر، وهي حجّة على صاحبها ما وقعت منه مخالفة له.

فما بعد هذا عباد الله إلا أن يطلب العبد معرفة صحيحة أولها معرفة الربّ سبحانه، وأين يُروّض النفس على طاعته، ويُلزمها تقواه، ويُحلّيها بها.

اللهم زيّنا بزينة الطاعة لك، وحلّ نفوسنا بتقواك، ولا تزلّ لنا قدمًا عن طريقك، ومتّعنا بهداك، واحفظ عقولنا من الذهاب، وتفكيرنا من الانحراف، وشعورنا من المرض، وسلوكنا من العِوج، يا من عليه المعوّل، وهو على كل شيء قدير، يا من لا يردّ سائليه، ولا يخيّب من أمّله.

اللهم صلّ على محمد وآل محمد حبيبك المصطفى وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

أما بعد فهذه عناوين:

مواجهة الإرهاب:

أصبحت مواجهة الإرهاب الذي أسَّست له دولٌ وجهاتٌ لا يُخطئها النظر، وروّجت لها فتاوى لا تخفى، ولا يشتبه أحدٌ في مصادرها وهي معلِنةٌ عن نفسها، وغذّته الأموال الطائلة، والخطط المحكَمة كيدًا بالقوى الخيّرة، وانحرافًا بصحوة أمتنا، ويقظة شعوبها، وسحبًا للبساط من تحت قدم حركات الإصلاح والتغيير، وإحباطًا لثورة الأمة وشعوبها، وتخريبًا للنتائج الكبيرة التي كان يُترقّب أن تجنى منها، وتترتب عليها.

أصبحت مواجهة هذا الإرهاب الذي زرعته ونمّته القوى الظُّلامية الماكرة في الأرض ضرورةً في نظر العالم يفرضها الواقع، وتأخذ قناعة عامّة تشمل حتى الدول التي أسسته ورعته بأموالها وخططها، بعد أن تعملق وتمدد، وبدأ حريقه الهائل يتهدد صانعيه ومشعلي ناره.

على أنَّ هؤلاء فيما يظهر ليسوا جادين في القضاء عليه كل الجدّ وإنما المستهدف لهم إضعافه بما يضمن حمايتهم، ويبقيه تحت سيطرتهم لتوجيهه حيث يريدون، ووقت ما شاؤوا.

وبغض النظر عن ذلك كلّه، فهناك على مستوى التصوّر مواجهةٌ للإرهاب للإجهاز عليه، أو إضعافه بصورة مؤقتة، وأخرى بصورة دائمة تتمتّع بالثبات، ولكلٍّ منهما آلياتٌ وأدوات.

وإذا أمكن إيقاف الإرهاب أو إضعافه مؤقّتًا من خلال الشدة وأساليب القوة، فإنَّ تحقيق ذلك بصورة دائمة أو على المدى الطويل يتطلّب تجفيف منابعه بالكامل، وبصورةٍ مستمرة، ولا يتمّ من غير ذلك.

وأكبر منابع الإرهاب، ومشجعٍ ومُمدٍّ له بالمال والرجال هو الإرهاب الذي تُمارسه حكوماتُ الأمة في حقِّ شعوبها، واستبعادها لها، وحرمانها، وسرقة جهودها، وتهميشها السياسي، وسياسة التمييز، وزرع الفرقة في صفوف الأمة، ومناقضة الدين، والتنّكر لأحكامه، وعمليات التحريف له، والتي تُمارسها هذه الحكومات على مرأًى ومسمعٍ من الأمة. هذا إلى جانب فتاوى التكفير الذي لا ندري هل ستتوقف أو لن تتوقف.

وإرهاب دولٍ للشعوب، ومعاداتها لصحوة الأمة، والكيد بدولٍ أخرى هو الذي أحوجَ هذه الدول التي تخرّجت على يدها صناعة الإرهاب إلى الاستعانة بهذه الوسيلة المدمِّرة.

إنه لا يمكن الإيقاف النهائي للإرهاب بحقّ والإجهاز عليه ما استمرت سياسة الدول في اضطهاد الشعوب، وإفشال تطلعاتها في الحرية والكرامة، والتمتع بكامل حقوقها، وسيمدّ الإرهاب دائمًا بفعل هذه السياسة ما يمدّه بالمال والقوة والرجال من أبناء الشعوب الغاضبة من حكوماتها.

والحكومات لا يخفى عليها هذا الأمر، ولا تنتظر من أحدٍ أن يُلفِت إليه نظرها، ولكنّها هي نفسها تريده، ولو أرادت الإجهاز حقًّا على الإرهاب الذي يتطلب منها العدل مع الشعوب، والاعتراف لها بما لها من حقٍّ لمنعها من ذلك شيطان الهوى، والغرور، وروح الاستئثار والاستكبار، والتبعية الذليلة التي تعاني منها للأجنبي الذي لا يريد خير هذه الأمة.

البحرينُ سياسةً ومنهجًا:

للسياسة في البحرين كأيِّ سياسةٍ أخرى اهتماماتها، ولكن ما أضرّ أن يكون من أبرز اهتماماتها ما يُطالعنا به الواقع من دلائل عملية صارخة على استهداف إضعاف الشعب، والحرص على منع توحّده، وإضعاف من ترى توهُّمًا فيه عدوًا لها فتعاديه، كما تراه عدوًا لها حسبما يُخيّل لها.

ما أضرَّ أن تعادي دولةٌ شعبها في مصالحه ومقدساته، ومَقدُراته، ومُقدّراته، وتاريخه، وتعمل جاهدة على مستويات متعدّدة على إضعافه وتهميشه وحرمانه، وتعمد إلى محو آثاره، والتزوير لما يتّصل بهويته، مما يعني ويأخذ مستوى الحرب الشّاملة إلى من تحتاجه([3])، ويحتاج إلى إخلاصها في البناء للوطن المشترك، والإشادة بمعالم المجد في تاريخه.

وإلا فكيف تأتي سياسة التهجير، وإسقاط الجنسية للبعض، والتسبب في هجرة العقول والكفاءات للبعض الآخر، وطلب جنسيات أخرى، ومزاحمة مصالح المواطنين، وخدماتهم الضرورية بالتجنيس السياسي غير المسئول والإضرار بالكثير بسببٍ من المستورَدين، والتضييق على شعائر الدين، وقطع الأرزاق، والزج بالأعداد الهائلة في مقابر السجون، والإقصاء السياسي، والحرمان من المشاركة السياسية، والعقاب الجماعي، والتشهير الآثم من غير وجه حقّ، والإعلام المضادّ، وإطلاق الألسن البذيئة بالسبّ والشتم للرّموز والمقدسات والنيل من العقيدة، ومسخ التاريخ وتزويره ومحو آثاره، وغلق مواقع الإشعاع الفكري، والتعدّي على مؤسسة سياسية أو ثقافية بعد مؤسسة؟!

كيف تأتي سياسةٌ لا تترك أمر دينٍ ولا دنيا لشعبها إلا نالت منه، وأضرّت به؟ أفلا يعني ذلك كلّه حربًا شاملة وقاسية على هذا الشعب؟!

ونحن نتكلم عن شعبٍ بكامله بعيدًا عن لغة الطوائف والمكوِّنات لأنه في نظرنا شعب واحد؛ حاضره واحد، ومصيره واحد، وظلمُ بعض منه ظلمٌ للكلّ، ولا ينعم بحياة رغيدة إلا بأن يعيش الأخوّة الصادقة الوطنية على الأقل.

على أنَّ هناك وحدة أكبر وأعظم وأنبت وهي الوحدة الإسلامية لأبناء هذا الوطن العزيز.

ثم أيرى أحدٌ ممن يعقل أنَّ مثل هذه السياسة وهي تمارس هذا كله وتستمر عليه، جادّة في دعواها إرادةَ الإصلاح، وانتخاباتٍ نيابية عادلة ناجحة، ومشاركة شعبية واسعة انتخابًا وترشيحًا؟([4])

كيف يُتخذ طريق معاكسٌ تمامًا لغايةٍ يقصد إليها عاقلٌ حكيم لو كان جادًّا في إرادته، ولم تكن دعواه على خلاف ما يضمره؟!

ما يحصل على الأرض من السلطة تزهيدٌ في المشاركة لا ترغيب، وطردٌ لا ترحيب، واستبعادٌ لا دعوة.

لكي تكون الدعوة جديَّة، والدعوة حقيقيَّة، لابد أن لا يكون شيءٌ من هذا الواقع المرير الظالم، وأن لا يكون التخطيط للانتخابات مُنتِجًا حتمًا بطبيعته النتيجة التي تكرّس الواقع المظلم السابق المرير، وتُمثّل تثبيتًا للمُشكل الذي خلق شرخًا كبيرًا بين الشعب والسلطة، وأزّم الأمور.

وهل من الدعوة الجادَّة للمشاركة في الترشيح والانتخاب أن يُصادَر مشهد الخميس ذو المنارتين (مسجد الخميس) لأنه تابعٌ لدائرة خاصّة من دائرتي الأوقاف، وتُلغى مسجديّته لتحويله إلى وجودٍ متحفيٍّ، ومعلم سياحيٍّ ليفقد وظيفته العبادية التي لا مسجديّة بدونها، تحويلهِ من مسجد يُذكر فيه اسم الله ويُتلى كتابه الكريم آناء الليل وأطراف النهار إلى مكانٍ يرتاده الجُنُب والحائض وعابدُ الوثن?!

يُحوَّل من مسجدٍ يتمتع بالقدسية الدينية والاحترام إلى قاعةٍ تملؤ جنباتها قهقهات الفُجّار والسُّكارى والكفَّار بما لا يُبقي له حرمة ولا شأنًا ومكانةً مما يرضى الدّين، أيكون هذا ممّن جدّ في دعوته للناس بأن يُشاركوا في انتخابات يريدها؟!

إنَّ تاريخ هذا البلد على خلاف تاريخ البلدان الأخرى لا تُثبته الوثائق الدامغة من مثل الوثائق التي تتعلّق بهذا المسجد الشريف الضارب في القِدَم في تاريخ البحرين والأمة المسلمة، وقد تكرر من الصُّحف المحلية ذكرها، تاريخنا لا تثبته هذه الوثائق ولا تحميه من التشويش والتزوير والطَّمْس. تاريخنا في هذا البلد لا يُثبته ذلك، ولا الوقائع الماضية ولا الحاضرة، إنما تصوغه وتُغيّره وتستبدل عنه صورةً مختلَقةً، وتمحوه القرارات الرسمية، وهوى السياسة وأمراضها.

الطلاب والدراسة:

ما من علمٍ نافعٍ من علوم الدين والدنيا إلا ويُحبّ الإسلام للإنسان أن يطلبه ويتحلّى به، والإنسان مدعوّ بكل قوة من دينه أن يتسلّح بكل ما يمكنه من هذا العلم ليكسب القوة لنفسه ولأمته، وذلك من أجل إحقاق الحقّ، وإبطال الباطل.

وبالنسبة للعلم الدنيويّ الذي يضرّ الأمة فقده، ولها طريقٌ مشروعٌ إليه، يجب عليها وجوبًا كفائياً أن تطلبه، وتتوفّر عليه ما وجدت إلى ذلك سبيلا.

وهي مسؤولية يتحملها كلّ جيل من أجيال الأمة حتى لا تضعف في يومٍ من الأيام، ولا تتعطّل مصالحها، ولا تصعب حياتها، ولا تكون مسبوقة من إحدى الأمم فتقع تحت الحاجة إليها، ويقلّ شأنها.

ومن هنا لا يسع طلابنا الأعزاء من منطلق دينهم أن يتوانَوا عن طلب العلوم النافعة، والتنافس عليها، وتحقيق السَّبْق فيها، ولا يُلتمس لهم عذرٌ مطلقًا في هذا التواني وعدم الجد ما لم تكن ضرورة بالغة مانعة.

وإذا كان لا عذر في هذا المجال، فإنه لا عذر بصورة أشدّ وآكد عن طلب ما يتقوّم به دين المسلم ويفرضه الضروريُّ من معرفته عقيدةً وعبادةً ومعاملة، ويكون محلَّ التكليف الفعلي، وما هو من محلّ الابتلاء من الناحية العملية، إذ لا علم كعلم الدين أهمية ومسؤولية وربحًا مما يترتب على العلم، ولا ضمان لربحٍ لعلمٍ من علوم الدنيا إذا انفصل عن الدين الحق، وعلمه وهداه، وانطلق بصاحبه بعيدًا عن تقوى الله، بل الأمر أكبر من هذا حيث تتحوّل العلوم الدنيوية المنفصلة عن وعي الدين وفهمه وتربيته إلى كارثة على مكتسبيها وعلى المجتمع الإنساني كلّه.

اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا لامؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم

اللهم ارزقنا الصدق منا في القول كما أمرت، وحسن العمل كما قضيت، وإخلاص النية كما أوجبت، والبُعْدَ عن الزور والبهتان، وعن كل ما تكره يا علي يا عظيم، يا رؤوف يا رحيم

اللهم ارحم شهداء الأمة، ورد غرباءها، وفك سجناءها وأسراها، واشف جرحاها ومرضاها، وآمنها بأمانك، وسلّمها بسلامتك، وعافها بعافيتك من كل سوء.

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}([5]).

[1]- القلبُ؛ قلب كلّ مخلوق يُصعق قبل أن يصل إلى تلك المعرفة.

[2]- سورة التوحيد.

[3] – وهو الشعب.

[4]- أفعلًا تريد الحكومة هذه المشاركة؟!

[5]- 90/ النحل.