مواضيع الخطبة :
الخطبة الاولى : كيف نكون أقوياء؟ وكيف نربح الحياة؟
الخطبة الثانية :
1.إلى أيّ جامعيين نتطلّع؟
2.أين وطن نريد؟
3.إلى أي أمة نطمح؟
4.إلى أي أمن نحتاج؟
5.بأي حقوق نطالب؟
6.بأي انتخابات نرضى؟

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي خَلَقَ الخلائق أجناسها، وأنواعها، وأصنافها؛ وكلّ ما لها من أفراد، وكلُّها تزخر بأسرار الخَلْق، وعجائب الصُنْع، وآيات الدقّة شاهدة بالابتداع والقدرة، والعلم والحكمة، وتمام الإحاطة وإعجاز التدبير من الخالق العظيم.

ولا شيء منها إلّا وهو يعلن عن فقر نفسه، والحاجة إلى ربّه، واستسلامه إليه، واستغنائه به عمَّن سواه.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

عبادَ الله من طلب الغنى فالله أغنى غنيّ، ومن طلب القوة فالله أقوى قويّ، ومن طلب العزّ فالله أعزّ عزيز، وطالب أيّ غنًى، وأيّ قوّة، وأيّ خير إنما يجده عند الله، ولا يجده عند غيره.

فليطلب العبادُ الخيرَ من الله، ولا يطلبوه من غيره، ومن كان خيرك بيده وشرك بيده وكلّ أمرك بيده كان المحتَّمُ أن تكون طاعتك وعبادتك له لا لغيره، ولا مقسومة بينه وبين سواه.

عباد الله اتقوا الله، وأخلصوا الطاعة والعبادة له.

اللهم اجعلنا لا نشرك بك أحدًا، ولا نعبد سواك، ولا نطيع مخلوقا في معصيتك، ولا نتوقّف عن معصية أي عبد من عبيدك في طاعتك لنقضي شيئًا من حقّك، ونسعد برضاك والسعادة التي لا تنال إلّا من فضلك.

اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

أما بعد أيّها الأعزّاء من المؤمنين والمؤمنات فعنوان الحديث:

كيف نكون أقوياء؟ وكيف نربح الحياة؟

بالقوَّة يكون التقدّم، ويكونُ النجاح، وفاقِد القوّة فاقدٌ للحركة، وفاقد الطاقة لابدّ أن يُراوح مكانه.

ولكلٍّ مجال من مجالات الحياة متطلّبه من نوع وآخر من أنواع القوّة بصورة متميّزة إلى جنب ما يتطلّبه التقدّم في جميع المجالات من مصادر مشتركة للقوة.

الإنتاج الفكريّ السويّ المتقدِّمُ يتطلّب موهبة فكريَّة متميّزة، واستقامة في منهج التفكير، وجهودًا مضاعفةً صابرة، والجهد البدني المكثّف والذي يُعطي نتاجًا كبيرًا لابد له من قوة عضليّة كبيرة.

وكلٌّ منهما وأيُّ تقدّمٍ ونهوض للإنسان بمستواه في أيّ بُعْدٍ من أبعاده، ومجالات حياته لا ينال إلَّا بقوة الإرادة، ولا قوّة لإرادة لمن ضعف أمام نفسه، وفقد الصمود أمام ما تشتهيه وإن خالف دينه وعقله وتشخيصه لما فيه مصلحتُه.

ضعف الإرادة، والخَوَرُ في الهمَّة يقعد بالإنسان عن الحركة وإن آمن بجدواها اللازمة وحتّى لو آمن بضرورتها.

وواجدُ القدرة البدنيّة على مشي مائةِ كيلو متر لا يمشي لواحدٍ في المائة منها حين يخونه العزم، ويعتري إرادته الوهن.

ولو قويَ أحدُنا أمام نفسه انتصارًا لفكره الوازن، ورأيه السديد، وتشخيصه للموقف الصائب من الفعل أو الترك لاحتملت هذه النفس ما كانت تُحدّث به صاحبها من عدم القدرة على ما يتطلّب من معاناة وجهد ومكابرة التّعب. ومن قويَ على مواجهة مشتهيات النفس مما يرى فيه هبوطًا لها، وخسارة شرف ودين، ووقوعًا في المفسدة كان القويّ الشديد أمام ما يريده الآخرون من أي من ألوان الانحراف عن جادّة الحق، وما فيه رضا الله. فكن القويّ في العزيمة أمام نفسك تكن كذلك أمام سوء غيرك.

ولكي تكونَ لأحد النّاس شخصيّةٌ صحيحةٌ تستقيم على الطريق الذي آمن به عن دينٍ حقٍّ، وعقل سليم لابد لها من أن تمتلك القوّة الإراديّة الناهضة بثقل المواجهة لتحدّيات الحياة التي لا تخلو منها حياة إنسان وإن تفاوتت بين النّاس.

وكثير مما يُتعب اليوم يُريح غدًا، وكثير كذلك مما يريح اليوم يُتعب فيما بعده. فلا تستجب أيها الإنسان لكل ما تجد فيه راحة آنيّة قبل أن تفكِّر فيما قد يُعقبه غدًا مما لا تُطيق، ولا تُقدِم على كلّ ما فيه مشتهى النفس قبل التبصُّر في نتيجته، ولا تتثاقل عمّا تجد فيه تعبًا مما ترى أنه مربح لك في غدك.

لا يُسرع أحدُنا الركض، ولا يلهث وراء كلّ أمنية تعرض في النفس من أمنيات الدّنيا بغضّ النظر عمّا تتسبّب فيه.

فلأفكِّرْ أولًا في قيمة هذه الأمنية وما قد تؤدّي إليه من أذى دنيًا أو آخرة، ولأوازنْ بين ما سأنال من لذّة من إقدامي على ما أرى فيه لذّة، وما تُعرِّضُني إليه هذه اللذة من آلام، وما ستوقعني فيه من خسارة دنيا أو آخرة.

وإذا كان لخسارةٍ من خسائر الدّنيا، أو مصيبة من مصائبها أن تستوجب عقلًا العدول بالنفس عن لذّة من لذائذ المادة، وما يتّصل بها أو قاربها وإن عظمت، فإنّه لا خسارة في حكم العقل كخسارة الآخرة، ولا تردُّد له فيما تستوجبه من التراجع عن أيّ لذة من لذائذ هذه الحياة. ولا تسامح عقلًا في حكمه برفض أيّ لذة مهما كبرت وهي مُوقعة في خسارة أخرويّة أو مصيبة من مصائبها. ذلك لأن أدنى خسارة أخروية لا تعوّض عنها أكبر لذة من لذائذ هذه الحياة.

وبالغَ في قيمة الدّنيا من أعطاها قيمةَ طرفة عينٍ بالقياس إلى حياة الأبد التي هي الآخرة([1])، وإذا كان هذا هو شأنُ الحياة الدنيوية بكلّ قرونها، فما أحقر مدّة يحياها الفرد على هذه الأرض بالقياس إلى حياة الأبد!! ومن بعد ذلك ماذا يبقى من قيمة اللذّة من لذائذها العابرة أمام خسارة من الخسائر الأخروية المقيمة الفادحة؟!!

النفس إذا وعت وأبصرت وقويت إرادتها لا يمكن أن تُقدم على لذة تنتهي بمرض من الأمراض المؤذية في الدّنيا([2])، وإعاقة من إعاقاتها، ولا لذهاب سُمعة وسُقوط شرفٍ في الناس، وفضيحة من فضائحها.

وهي أصرم في الامتناع من لذة مغرية تجلب لها سوءًا من سوء الآخرة.

والنفسُ البلهاءُ، والضعيفة في إرادتها، والمهزومة أمام الشّهوات لا رادع لها عن الإسراع إلى أيّ لذّة عارِضة وإن توقّعت فيها هَلَكتها.

وكل من غلبته نفسه كان مغلوبًا لغيره، مهزومًا أمام قوّة الآخرين وما يريدون به.

علينا أن نعرض كلّ لذة تُزيَّنُ لنا([3]) على العقل والدّين والوجدان السليم قبل أن تتعلّق بها النفس التعلق الشديد فتأسِرنا.

علينا أن نملك الإرادة أمام النفس، لنملك الإرادة أمام غيرنا.

اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

{وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}([4]).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي هدانا لحمده، وأذن لنا في الثناء عليه، وأرشدنا لذكره، ووفّقنا لطاعته على أنه لا حمد لنا كما يستحقّه، ولا ثناء يفي بحقّه، ولا طاعة مما هو أهله. وكيف يبلغ المخلوقون المحدودون ما عليه شأن الخالق المطلق في جلاله وكماله؟!

وكيف يفي الشكر بحقِّ من لا ينقطع عطاؤه حال ذكر المُعْطَين وغفلتهم، وحال ما يكونون على طاعةٍ له أو معصيةٍ؟!

وكيف يكون ذلك وشُكرهم يستوجب منهم الشُّكر، ويزيد المنّة عليهم منّة؟!

وكيف يتم الثناء عليه سبحانه وهو لا يُدْرَكُ كنهه، ولا تُعدّ آلاؤه، ولا تنقطع نِعَمُه؟!

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

عباد الله إنّ الله تبارك وتعالى كتب على العباد حقوقًا فيما بينهم وجعلها من حقّه، وهو محاسِبٌ عليها، ومعاقبٌ على الإخلال بها.

وقد شدّد على حقّ المؤمن على المؤمن، لشرف رابطة الإيمان، ولشأن عبده المؤمن عنده، وكرامته عليه، فلا تنسوا الحقوق بينكم وارعوها تكونوا قد أدّيتم حقًّا من حقِّ الله، ويضاعف لكم الثواب.

ألا فلنتّق الله حقّ تقاته، ومن تقواه رعاية حقّ المؤمنين.

اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأمنائك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس يا ربّ العالمين.

عبدك وابن عبديك، الموالي لك، الممهِّد لدولة وليك القائم (عجّل الله فرجه)، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرًا عزيزًا مبينًا ثابتًا دائمًا قائمًا.

أما بعد أيها الأحبة في الله فهذا عدد من الأسئلة، وهي أسئلة الشعب، وله نفسِه إجاباته الواضحة على أسئلته:
1.إلى أيّ جامعيين نتطلّع؟
2.أين وطن نريد؟
3.إلى أي أمة نطمح؟
4.إلى أي أمن نحتاج؟
5.بأي حقوق نطالب؟
6.بأي انتخابات نرضى؟

1. الجامعيون الذين نتطلّع إليهم([5]):

حَمَلَة علم وخبرة، يتمتعون بكفاءات عالية تواجه تحدّيات الزمن في العلم، ومختلف الميادين، متحلّين بالإيمان بالله سبحانه، والخُلُق القويم، وروح التقوى، والجدّ في العمل الصالح، وخدمة المجتمع والاخلاص للوطن. يحتفظون برجولتهم، لا يبيعون دينهم بشيء، ولا يُساومون عليه أحدا، ولا تنازل لهم عن عزة، ولا تساهل لهم في عفّة، ولا يعرف التميُّع إلى شاب منهم أو شابة سبيلا، ولا يجد شيء من ذلك إلى نفسيّتهم منفذا.

حماةُ دين وكرامة وحرية واستقلال وطن. لا يرضون لشعبهم تمزُّقًا، ولا لوطنهم فتنًا، ويصرون على وحدة شعبهم ووطنهم، ولا يرضون بظلم الإنسان للإنسان، ولا بشيء من ظلم وسوء أو فساد في الأرض كل الأرض.

أهل جِدٍّ وفعالية صالحة، وحركة مثمرة، وقدرة على الإسهام العلمي والاكتشاف، والاختراع، والابداع.

الدراسة عندهم ليست تلقّيًا أعمى مستسلمًا لكل ما يُملى ويُسمع أو يُقرأ. الدراسة عندهم تبتني على البحث على الحقيقة، والتمحيص فيها، فإذا ظهرت كذلك كان الخضوع لها. وهم ممن يرُدّ الزيف، ويُناقش الشبهة، ولهم المحاكمة العلمية الموضوعية للأفكار، والمشاركة الإيجابية في الانتاج.

2. الوطن الذي نريد:

وطن يُحترم فيه مواطنوه، ويُعترف لهم بكلّ حقوقهم اعترافًا يُصدّقه الفعل. وطنٌ لا يُمارس حاكموه التفرقة بين أبنائه، وتفتيت وحدته، وبعثرة نسيجه، وخلق التشتُّت والفجوة والعداوة بين فئاته وطوائفه، ولا تُسحق فيه حقوق أبنائه لحساب سُكّان جدد يستوردون للإضرار بأهله، والإستعانة ضدّ شعبه([6]).

وطن إرادة حاكميه من إرادة الشعب، وسياستهم السياسة التي يرضاها، والكلمة الأولى في بناء مؤسساته وإدارة شأنه العام هي كلمة الشعب.

وطن لا يُهجَّر مواطنوه ويستورد مكانهم البديل الذي يُغرق هذا الوطن في المشاكل، ولا يُحوج ظلم السياسة لأبناءه أن تُّذِلَّ تلك السياسة الحاجةُ إلى الاستعانة بحكومات من قريب أو بعيد لمواجهة الشّعب، والبطش به، ولا للاعتماد الدائم على الدعم المالي الخارجي بما يعنيه ذلك من التبعيّة في القرار وفَقْد الإرادة أمام إرادة الداعمين.

وطن غير ضاغط على مواطنيه، ولا يتطلّع أحد من أبنائه استغناء به إلى جنسية من الجنسيات الأخرى، ولا يُفتّشون هنا وهناك عن فرصة تُنقذهم من مشكلات الوطن، ولا يرى المواطنُ في الهجرة من وطنه مُؤمِّنًا له من خوف أو شُحٍّ أو تضييق في دين أو دنيا، أو مذلّةٍ يعاني منها في وطنه.

3. الأمة التي ينتمي إليها هذا الشعب، ويعتز بها هي أمته العربية والإسلامية، ولا يعتز بشيء إعتزازه بالإسلام، يطمح هذا الشعب أن تكون أمّته إسلامية حقًّا، مسلِمةً صدقًا لربها، محتكمة في كلّ علاقاتها وحياتها إلى دينه، مستعيدةً كرامتها واستقلالها ومكانتها ووحدتها وسبقها لكل أهل الأرض من الأمم الأخرى، من عودتها الجدية الصادقة لهذا الدين العظيم المنقذ، الذي بنى لها يوم أن أسلمت أمرها إلى الله، وارتبطت حياتها بمنهجه الحق عِزَّها ومجدها وقوتها، وحقَّق لها مالم يُحقِّقه أيّ منهج من مناهج الأرض لأمة من الأمم، وقد فقدت قوّتها ومكانتها وسبقها يوم أن تخلّت عن هذا الدين وانفصلت حركتها عن مقتضى عقيدته، وعن فقهه، وأخلاقه وغايته.

شعبنا وكل شعوب الأمة، والمعني الشرائح الواعية من هذه الشعوب، تتطلّع إلى هذه الأمة الواحدة القوية المتماسكة العزيزة المهابة الهادية المشعّة السبّاقة المنتصرة، وكما كانت يوم أنْ كانت تعرف الإسلام، وتنتمي إليه انتماءً صادقا بكلّ كيانها وحركتها.

4. الأمن الذي يحتاجه هذا الشعب وكل الشعوب الأخرى هو أمنُ نَفْسٍ وعرض ومال، وأمن دين وحرية وكرامة، أمن لقمة وكسوة ومأوى، وصحة وعلاج، أمن حاضر ومستقبل.

وعلى أهمية الأمن المادي بكلّ ما له من مجال إلا أنه لا يكفي أبدًا عن أمن الدين والشرف والحرية والكرامة.

وكل الأمن لا يتم له وجود، ولا ينحفظ إذا لم يكن عدل وقيم إنسانية كريمة، ودين قويم، وحكومة صالحة، وسياسة رشيدة مهتدية بهدى الله، سائرة على منهجه القويم، تحترم الخالق العظيم وتخشاه، وتتجه بالناس إليه، وتحتكم في علاقاتها وحركتها لشريعته، ومن احترامها لله تحترم عباده.

5. مطالبة هذا الشعب بالحقوق مطالبة شاملة لكل حقّ من حقوق الشعوب، وما أكثر حقوق الشعوب على حكوماتها!!

وأول هذه الحقوق أن لا تُفرض عليه حكومة رغم أنفه، وأن لا يكون إهمال من السياسة لإرادته، وأن لا تتنكّر لانتمائه ودينه وقيمه، وأن لا يُقاد قود العبيد إلى حيث يريد له الحاكمون، ولا يُساس بالعصا كما يُساس العبيد المستضعفون من قِبَل الأسياد الظلمة.

6. الشعب يريد انتخابات نيابية، ويريد المشاركة الجادة في انتخاب نوابه، وأن لا يفرضوا عليه فرضا، فأيُّ انتخابات تُرضيه ويطمئن من خلالها بأنَّ النواب نوابه، وأن الصوت صوته، وكلمتهم كلمته، وأنهم يسعون لتحقيق مطالبه، ليندفع بقوة للمشاركة في هذه الانتخابات؟!

أي انتخابات تُقنع الشعب بصحة مشاركته وتدفعه طبيعتها لهذه المشاركة بقوة؟ هي انتخابات تنطلق من منطلق صحيح وبدايتها بداية صحيحة، والبداية الصحيحة لانتخابات مقبولة، ومُرحَّب بها تعتمد التوزيع العادل للدوائر على فرض تعدُّدها، وترى أنَّ أصوات المواطنين الناخبين قيمتها الانتخابية واحدة.

والبداية الصحيحة تعتمد على قانون إنتخابي يأخذ بإرادة الشعب لأنه هو المنتخِب، والمجلس الإنتخابي إنما هو لتمثيله، وقبل أن تتكوّن الجهة التمثيليّة للشعب عن طريق الانتخاب يكون النظام الإنتخابي متوافَقًا عليه بين المعارضة التي يرى فيها الشعب تمثيلًا له وبين جهة التنفيذ وهي الحكومة. وما لم يكن ذلك تكون الانتخابات فاقدة لبدايتها الصحيحة.

هذه هي الانتخابات التي يمكن أن لها أن تُنتج النتيجة التي يتطلّع لها الشعب، وتُغريه بالمشاركة تطلُّعًا منه للخروج من النفق المظلم، والمحنة القاسية، واستردادًا لشيء من حقوقه المضيعة، وحريته المهدورة، وكرامته المصادَرة، وإلا فلِمَ يشارك؟!([7])

هل يشارك الشعبُ في الانتخابات ليعلن الشرعية القانونية كاذبًا على نفسه، لانتخابات خُطَّ لها أن توصل أغلبية من موالاة الحكم للمقاعد النيابية، وآخرين من نوّاب الدينار، والراتب الباذخ، والتسلق للمناصب على حساب مصلحة الشعب، حيث يقدّمونها ثمنًا لما يطمحون إليه من مال ومناصب؟! إذًا ليس هو الشعب الواعي، ولا الشعب الذي يحس بآلامه ويعرف مصلحته من مضرته.

وهذا الشعب ليس كذلك.

فحتى تكون انتخابات يُتوقع لها النجاح، وإقدام الشعب على المشاركة، لابد أن تراعي إرادة الشعب منذ بدايتها، وأن تكون صحيحة ومرضية للشعب، وهذا واضح كل الوضوح عند الأطراف جميعها.

ونتمنى لهذا البلد كل خير وعزٍّ وكرامة والأمن والسلام، ولكل بلاد المسلمين، وأن تتمتّع شعوب الأمة بالاستقرار، والأمن، والرخاء، ولا يكون شيءٌ من ذلك إلا بالعدل.

اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

اللهم ارأف بهذه الأمّة وارحمها بردّها إلى إسلامها، وتوفيقها للأخذ بما أمرتَ به، والنبذ لما نهيت عنه، واعطها الرشد الذي يُنقذها من الانحدار، وتعلو به على سائر الأمم.

اللهم ارحم شهداءنا وشهداء الأمّة وموتى الجميع، وفكّ أسرى هذه الأمة، وسرّح سجناءها من سجونهم، واشف جرحى الأمة ومرضاها، وردّ غرباء الأمة سالمين.

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}([8]).

[1]- هل دنيانا كلّها، من أوّلها إلى آخرها، في كل عمرها تُساوي لحظة واحدة بالقياس إلى حياة الأبد؟ لا، لا تساوي.
[2]- لذّة ساعة تُعقب سرطانًا مميتا، هل تقدم عليها؟!
[3]- وتشتهيها النفس.
[4]- سورة العصر.
[5]- الكلام كلام الشعب.
[6]- أي شعب الوطن.
[7]- وأقول بأن الشعب يريد المشاركة/ والمشاركة الجادة في الانتخابات لأنه ما تحرّك إلا ليصل لإنتخابات عادلة نزيهة. فحين تكون هذه الانتخابات عادلة نزيهة فلا داعي لأيّ دعاية من دعايات الانتخاب التي تدفع بالمواطن إلى المشاركة.

[8]- 90/ النحل.