الخطبة الأولى: الإنسان والأمل
الخطبة الثانية: الانتخابات النيابية القادمة – عاشوراء الحسين ع

الخطبة الأولى

الحمد لله القائم على كلّ نفس؛ فلا تملك نفس أن تتغيّب عن علمه، أو تأتي بشيء خارج مشيئته، أو تكون لها خاطرة تخفى عليه. ومن أين لمن لا استقلال له ولا استغناء لحظة واحدة، وما هو أقلّ من لحظة في وجوده وحياته، وعلمه عن ربّه أن يغيب عن علمه، أو يتخفّى عنه بشيء من فعله، أو حال من أحواله؟! إن ذلك لمستحيل عقلا، وما استحال عقلا لا يقع أبدا.

الحمد لله المحيط بكلّ شيء علمًا وقدرة، وكل شيء خاضع لمشيئته.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

عباد الله املكوا وعيكم، ولا تخسروا بصيرتكم، ولا تفرّطوا في مصيركم. ومن دخل في طاعة المخلوق، وأغضب الخالق فما له من وعي، وما أبقى لنفسه من بصيرة، وقد أساء لنفسه المصير، واختار لها شقاء الأبد.

وهل من معطٍ خيرًا غير الله، ودافع لشرٍّ سواه؟! وهل ينقذُ من قدره أو يغيث من عذابه مغيث؟! لا شيء من ذلك لأنه لا يكون إلا من الربّ الحقّ، ولا ربّ بالحقّ إلا الله.

تقول الآية الكريمة:{فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ([1]) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ}([2]).

وهناك ترابط بين الملك الحقّ وبين الألوهية، فلا إله إلا من هو الملك الحقّ.

وتقول الآية الأخرى:{قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ…}([3]).

اللهم يا حنّان يا منّان مُنَّ علينا بإخلاص الطاعة لك، ولا تجعل لنا شِرْكًا في طاعتك، وهب لنا صبرًا لا نفاد له، ولا وهن يعتريه على قضائك، واكفنا شرّ ما قضيت، وبارك لنا فيما أعطيت، ووسّع علينا فيما قدّرت لنا من خير إنك على كلّ شيء قدير.

اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا، وتب علينا إنك أنت التوّاب الرحيم. واغفر وتب على والدينا، وكل أرحامنا وقراباتنا، ومتعلّقينا، ومن أحسن إلينا من المؤمنين والمؤمنات وعموم المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات.

أما بعد أيّها الأعزّاء الكرام من مؤمنين ومؤمنات فهذه كلمة تحت عنوان:

الإنسان والأمل:

حين تقوم في النفس رغبة في شيء مما ترى فيه خيرها، ويكون من شعورها أن السعي إليه يحقّقه فهذا أمل. ولو كان الشعور بأن السعي لا يوصل إلى المطلوب فهذا يأس.

ومن الأمل أن ترى النفس أن ظروفًا مبشّرة آتية بما يريح ويُسرّ، ولو توقّعت أن ظروفًا معاكسة ستُعطّل ما قرُب الوصول إليه ربما أدخلها ذلك في اليأس.

والأملُ يبعث الإرادة ويثيرها، ويرفع من مستوى الهِمّة، ويدفع للعمل. وذلك على عكس ما يفعله اليأس في النفس؛ حيث يُشِلّ إرادتها، وفي الجوارح حيث يُعطّل حركتها.

ولكثيرًا ما ساعدت الآمال على تدفّق النشاط، وبلوغ الأهداف الكبيرة، وكثيرًا ما حرم اليأس من الخير.

وإذا تجاوزت الآمال حدّ المعقول، أو حدّ ما عليه القدرة الممكنة ولم يكن منبعث لها إلا من الخيال السارح، والأوهام التائهة أوقعت في خسائر فادحة، وحسرات قاتلة.

وللإسلام اهتمامه بقضيَّة اليأس والأمل في استهدافه لتربية الإنسان التربية الصالحة، ووضعه في حالة من الشعور الصحيح البنّاء، وهدايته إلى الطرق المنتجة السويّة.

ولنتتبع هذا الاهتمام في النصوص الإسلامية في قضية الأمل بشيء يسير من التتبّع.

نظرة الإسلام للأمل:

يعطي الإسلام دورًا مهمًّا جدًّا في تحريك عجلة حياة الإنسان ونشاطه، وإنجاز أعماله الصغيرة والكبيرة، ولو لا الأمل في نفس الإنسان لتوقّفت حركته، وأسِنت حياته، بل غمرها الظلام، ولفّتها طيّات العدم.

وهذان نصّان ينقلان لنا صورة عن هذا الاهتمام للإسلام للأمل، وتقديره لدوره الأساس في حركة الحياة:

عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:“إنما الأمل رحمة من الله لأمتي، لولا الأمل ما أرضعت أمٌّ ولدا، ولا غرس غارس شجرا“([4]).

لِمَ يغرسُ وهو لا يأملُ أيّ جدوى من غرسه؟! ولم ترضعُ ولدها وهي لا تتوقّع إلا موته؟!

أفعال الإنسان تؤول إلى التوقّف إذا كان لا يرجو منها أن تحقّق خيرا له. وبأمل تحقيقها لما يرى فيه مصلحته وصلاحه يجدّ على طريق الفعل باذلًا مضحّيًا صابرًا على التعب.

بين الحركة والخمود أن يكون أمل أو أن لا يكون أمل.

والأمل عند الإنسان في أصله وقيامه في نفس الإنسان ليس من صنعه، وإنما هو نعمة من الله ولطف من ألطافه بعبيده كما يفهم الحديث الشريف السابق.

أمّا كون آمال هذه النفس آمالا صالحة ونافعة، أو فاسدة وضارّة فذلك راجع لما يختاره لنفسه من اتّباع هدى الله، أو هوى نفسه([5]).

وما غرسه الله عزّ وجل في نفوس عباده من حبّ الكمال، وما أنزله من هدى دينه كفيل لمن وعى الدين وأقام حياته عليه، وانصاغت مشاعره وأهدافه وتوجّهاته في ضوئه أن لا تكون آماله إلّا آمالًا حميدة.

فمن أراد أن لا تكون له آمالٌ ضارّة وفاسدة فليس عليه إلّا أن يربّي نفسه التربية الدينية الصالحة.

وعن الإمام عليّ عليه السلام:“الدنيا بالأمل”([6]) فحتى تستمر الحياة الدنيا للبشرية إلى أجلها، وأن تُعمر الأرض إلى أمدها لابد للإنسان من الأمل، وما كان هذا دوره لا يُهمل في التدبير الإلهي الحكيم.

وقد يسعى الإنسان وراء السراب، ويُجهد نفسه في طلبه حينما يتوهّمه أملًا في الاحتفاظ بالحياة. وتوهُّم شيئٍ خيرًا لا يجعله كذلك.

موقف الإسلام من الآمال الدنيوية:

الإسلام الذي يرى في الكلمة عن الإمام عليه السلام([7]) أن الدنيا لا تقوم الحياة فيها من دون الأمل، ولا يتحسّن فيها وضع صحّي ولا عمراني ولا أيّ وضع آخر من الأوضاع النافعة إلّا به لا يمكن أن يُعاديه([8]) ولا يتغاضى عن أهميته، أو لا ينادي به، ولا يدفع في اتجاهه.

ثم إن الأمل المتعلّق بما يصلح به وضع الإنسان، وتسلم به حياته، وتستقيم صحّته، ويتمتع بمزيد من خير الدنيا ورفاهها لا يحتاج إلى دفع كبير، وإلى تحفيز مستمر لحضوره في النفس البشرية بعد أن كانت حاجات الحياة التي تحرص عليها هذه النفس ضاغطة عليها، وبعد أن كان حبّ الدنيا يملأ على النفس أقطارها، ويملك عليها مشاعرها في الأكثر من أبناء الإنسان.

وبعد أن كان المشاهَد من غالب الناس الإفراط في الآمال الدنيوية لا التفريط فيها، والانسياق العملي العارم وراء متطلّبات هذه الحياة لا التخلّف عن السعي إليها، لذلك لا يحتاج هذا النوع من الآمال إلى إثارته بدرجة عالية وإلى كثير من الحثّ والبعث عليه.

ولأن ما يغلب على الناس هو الغلوّ في الآمال الدنيوية، والاندفاعة العملية، وهو غلوٌّ ناقض للهدف الصالح المتناسب مع إنسانية الإنسان، صارف له عن غاية الحياة، لذلك نجد تركيزًا كبيرًا في التوجيه الإسلامي لخطورة هذا الغلوّ، والتذكير بآثاره المدمّرة لمن وقع فيه.

والنصوص المحذّرة من الآمال التي لا نهاية لها فيما يتعلق بالمطامع الدنيوية ومشتيهاتها المستهلكة لحياة الإنسان فيما توجد له بالغة حدّا كبيرًا جدًّا، وهو الواضح من الدين الحقّ، والعقل في القرآن الكريم([9]).

ماذا يقول القرآن الكريم في هذا المورد؟

{ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}([10]).

فلا بد للإنسان من الحذر التامّ من الانسياق وراء الآمال الدنيوية التي تجعل مهمة الحياة أكلا وشربا، وانغماسا في أنواع اللذائذ والمشتهيات من لذائذ هذا البدن ومشتهياته، فإن العاقبة وراء هذا الانسياق، وتوظيف الحياة في هذا السبيل في إغفال لهدفها الحقيقي، عاقبة وخيمة، وخسارة فادحة، وشقاء لا طاقة لأحد به يلقاه الإنسان يوم الآخرة، ويلقى شيئًا منه في الدنيا.

وسيأتي إن شاء الله استعراض لبعض النصوص في هذا التحذير مما كثرت الأحاديث الشريفة له.

اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين.

اللهم اجعلنا من أهل العقل والإيمان لا الجهل والهوى والكفر، ومن أهل التقوى والعمل الصالح لا من أهل الفجور والفساد، ولا ممن تلهيه دنياه عن آخرته، ولا تنسيه آمالها غاية حياته، وممن تعظم في نفسه آمال الآخرة، وتصغر آمال الدنيا يا رؤوف يا رحيم يا كريم.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}([11]).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي لا إهمال في دينه ولا خلل، ولا جور ولا ميل عن الحقّ، وما الحقّ إلّا في دينه، وكلّ خَلْقِه وتشريعه ناطق بالعلم، مفصح عن الحكمة، مظهر للإحاطة، معلن عن القدرة. ما أنكر ذلك إلّا قلب ميّت لا سمع له ولا بصر؛ قلبٌ أفقدته سيّئاته أن يحقّ الحقّ أو يراه، وأن يبطل الباطل أو يميّز بينه وبين الحق، حتى أنه صار لا يدرك من موته نفسه، ولا يشعر من ضلاله بوجوده.

فما من مخلوق يشعر بوجوده إلّا وكان من الضروري أن يشعر بوجود موجده.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

عباد الله قضيّة ينطق بها العقل والدين، وليس من عاقل يختلف فيها مع عاقل وهي قضية تقديم الأهمّ على المهمّ، والتضحية بالمهمّ من أجل الأهمّ، يستوي في ذلك أمر الدنيا كلّ أمرها، وأمر الآخرة في جميع ما يتعلّق بها.

والقضية نفسها جارية فيما بين هذه الدار والدار الأخرى، فأهمّهما يُضحّى لأجلها بالأخرى.

فحينما يكون على الإنسان أن يضحّي بأمر من أجل آخر من أمور الدنيا، أو بواحد من أمرين من أمور الآخرة لضيق قدرته على الجمع بينهما عليه أن يتبيّن الأهمية لأيهما، وما المرجع في ذلك إلا العقل فيما يدركه، وشريعة الله فيما لا يدركه العقل، وما كان هو الأهمّ ضُحّي من أجله بالمهمّ.

ولتحديد الأهم من المهم في الشريعة المقدسة ضوابط يعرفها الفقهاء من خلال علمهم؛ علم الفقه والأصول، وعلى ضوء هذه الضوابط مثلًا يُقدّمون إنقاذ الغريق المؤمن على الصلاة حتّى مع ضيق وقتها؛ حيث إن لها بديلًا اضطراريًّا من القضاء، في حين أنهم يلزمون بالجهاد الواجب حتى مع الاحتمال الكبير لتلف النفس تضحية في سبيل الله، وحفاظًا على الدين.

وبعد تبيّن الأهمّ من المهمّ لا توقّف من عقل ولا دين في الأخذ بما هو الأهم يقينًا أو احتمالًا لا يكون معه احتمال الأهمية للطرف الآخر، وأن يُتخلّى عما هو مهمّ من الأمرين.

وأمر الآخرة مقدّم على أمر الدنيا؛ فالتضحية بربح الدنيا من أجل ربح الآخرة([12])، وارتكاب الخسارة في الدنيا من أجل دفع الخسارة في الآخرة هو المأخوذ به عند عدم إمكان الجمع بين الربحين، أو الدفع للخسارتين معا.

وفي تقديم الأهمّ على المهم يقول القرآن الكريم:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ([13])، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}([14]).

وعن سفه وضلال من يقدّم الدنيا على الآخرة بلحاظ ربحهما، أو يدفع خسارة الدنيا بخسارة الآخرة تقول الآية الكريمة الآتية {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ}([15]).

وطالب علم ليرجع إليه فوق علم الله([16]) أو صدقِ نصحٍ أتمّ من نصحه، أو بحثٍ عن علم مثل علم الله، ونصح كنصحه إنما طلب ما هو مستحيل، ولا ضلال كالضلال الذي وقع فيه.

فمن أين لمخلوق أن يكون له ذلك؟!

وما قدَّم عبدٌ من عبيد الله خير دنيا على آخرة، أو استدفع شرًّا من شرور الفانية بالإقدام على عذاب لا يطاق من عذاب خالد في دار البقاء إلّا وظلم نفسه، وكشف عن أعظم سفهٍ هو أعظم السفه، وعن ضلال من أشدّ الضلال الغامر له.

وما لمؤمن بالله عز وجل أن يقع في الخسارة العظمى بتقديم ما لدنيا وإن كبر في العين على ما للآخرة، وأن يدفع ضررًا دنيويًّا وإن عظُم بارتكاب ضرر أخرويّ هو لاقيه.

علينا عباد الله بتقوى الله وطاعته في كلّ متّسع ومضيق، وفي كل رخاء وشدّة، مستعينين به، متوكّلين عليه؛ فإنه لمعين لمن استعان به، وكافٍ لمن توكّل عليه.

اللهم اجعلك مقصدنا، واجعل رضاك مطلبنا، ودينك مرجعنا، والمصطَفَين من لدنك قادتنا، وانصرنا على من ظلمنا، وعلى كلّ مضلٍّ غويّ أثيم، وعلى كل معتدٍ ظالم لئيم يا مجيب لمن أحسن الدعاء، وأخلص التضرّع إليه، والاستغاثة به يا جواد يا حنّان يا كريم يا رحيم.

اغفر لنا ربنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

ربّ صلّ على عبدك وابن عبديك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والصادق الأمين، وعلى عليٍّ أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصدّيقة الطّاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين: حججك على عبادك، وأمنائك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصّادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن عليّ العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس يا ربّ العالمين.

عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرًا عزيزًا مبينًا ثابتًا دائمًا قائمًا.

أما بعد أيّها الأحبّة في الله فإلى هذا الحديث:

الانتخابات النيابية القادمة:

لا أريد أن أضيف جديدًا في الكلام عن هذه المسألة، وليس حولها من جديد، وكلّ ما فيها يكاد يكونُ مكشوفًا، ويكاد الكلام أن يصل إلى حد الإشباع، وقد يكون إلى حد الفضول فيها.

وكلّ ما أريد أن أقوله بهذا الشأن هو أنَّ الموالاة التي ترى لنفسها الإعلان بكل صراحة عن تأييدها لهذه الانتخابات، والحكومةَ التي تنادي وتدعو وتدفع بكل قوة للمشاركة فيها، ونرى أنَّ كلًّا منهما لا يرى لأحدٍ من المعارضة أن يؤذي داخلًا فيها ترشُّحًا أو انتخابًا([17])، هذه الموالاة والحكومة عليهما معًا أن تعترفا للمعارضة بحق بيان الرأي في الانتخابات محل الكلام علنًا وبصراحة وأن لا تسمح أيٌ منهما لنفسها بأذًى لمن كان رأيه عدم المشاركة وخطأها([18]).

ولأيّ انتخابات نيابية مع اختلاف الرؤية أو المطلوب منها بين الحكومة والمعارضة تقييمان لا تقييم واحد:

تقييم ينظر إلى واقع القيمة الذاتية لها بلحاظ ما يُمثّله المجلس الناشئ عنها في قدرته على التغيير النافع، وإحداث نقلة في الأوضاع من الجور إلى العدل، ومن التخلُّف إلى التقدُّم، ومن الانحراف إلى الاستقامة، أو عجزه عن ذلك، أو أخذه باتجاه تثبيت وتركيز وتشديد الأوضاع الجائرة([19]).

والنتيجة لأي انتخابات تصب كل مقدماتها وتمهيداتها وأجوائها، ويصب التخطيط لها في صالح هذه النتيجة أو تلك لا تخفى على ناظر.

أما التقييم الآخر فهو بلحاظ النجاح أو الإخفاق الإعلامي المستثمر لما يكون عليه وضع الانتخابات بغض النظر عن نتيجتها من التجاوب الشعبيّ وعدم التجاوب معه، وهذا التقييم يتبع أمرين معًا لا أمرًا واحدًا فقط:

مدى المشاركة الشعبية، ونسبة المشاركين إلى المقاطعين، ومستوى المترشّحين ونوعيتهم وهو أهم بكثيرٍ من عدد من يترشّح، بل كثرة عدد المترشّحين مع تدني المستوى وعدم مشاركة النخب يعني سلبية لا ايجابية بالنسبة لقيمة الانتخابات أي انتخاباتٍ في أي بلد([20]).

وكلما ارتفع المستوى الثقافي والاجتماعي للمترشحين والجهات المؤسَّسية المعارضة الذين يمثلونها ويمثلون قطاعات واسعة من خلالها من أبناء الشعب ومعارضته، وقناعة هذه القطاعات بالانتخابات وجدواها كلّما مثّل ذلك رصيدًا ضخمًا من الناحية الإعلامية في صالح الانتخابات الدافعة لهذه المشاركة([21]).

وكلما كان العكس بالنسبة لوضع المترشحين كلما فقدت الناحية الإعلامية التي تريد أن تستدل بالانتخابات على رضا الشعب وتفاعله وقناعته بها ما يمكن أن تستند إليه في الوصول لهذا الهدف، وعانت من فشلٍ ذريع مكشوف في هذه المحاولة.

وعن إبداء رأيك أو رأي أخيك في الانتخابات، وهي تهم الجميع، عليك وعليه الاعتراف بحق الآخر في ذلك، كما يرى كلٌ منكما لنفسه ذلك، ويطالب بأن يُعترف له به([22]).

أما الإرهاب من هذا الطرف أو ذلك الطرف والتعدّي على المقابل([23])، فرأينا فيه حاسمٌ جازمٌ متكررٌ مرارًا، وعبّرنا عن ذلك بالإنكار والشجب والتنديد، وبيان المفسدة والمضرّة، وأيّ تفجيرٍ أو حرقٍ لسيارةٍ أو غيرها لأيٍّ من الناس من معارضٍ للانتخابات أو كان ذلك من أحدٍ محسوبٍ على السلطة لتشويه المعارضة فهو إثمٌ فاحش، وزعزعةٌ لأمن البلد([24]).

وما من فاعلٍ للغير ضررًا من غير حقٍّ، وتعصُّبًا للرأي إلَّا وتحمّل إثم ما يفعل، وهو ملاقٍ عدلَ الله سبحانه في محكمة القيامة، والله هو العدل الحقّ الذي لا يفوت عدلَه ظلم ظالم لمظلوم من خلقه.

عاشوراء الحسين عليه السلام:

ليكن إحياؤنا لموسم عاشوراء إحياءَ المؤمنين الواعين المتّقين، وإحياءً عن فهمٍ صحيح لثورة الإمام الحسين عليه السلام، مراعاة لأهداف الدين([25])، وأحكام الشريعة المقدسة، وعن استيعابٍ كافٍ لما كان من أجله أن ضحّى الإمام الحسين عليه السلام بحياته التي يحتاجها الإسلام والأمة الإسلامية والإنسانية كلّها، وتحتاجها الحياة الرّشيدة الآمنة المطمئنّة؛ حياةُ النور والعدل والمساواة والتقدم والإخاء للإنسانية كلّها.

ولما كان من أجله ضحّى مع الإمام الحسين عليه السلام رجاله الصالحون من أهل البيت والأنصار شيوخًا وشبابًا، ويافعين، ومن أجله شهدت الفاطميات يوم عاشوراء الدامي ما شهدت من مذابح الأحبّة الكرام، وقاسَيْنَ من أهوال الطف ما تشيب له الرؤوس.

نريده إحياءً يتناسب مع عصمة الإمام الحسين عليه السلام وتلك التضحيات العظام، والهدف الذي لا هدف يوازيه([26])؛ هدف توحيد الله التوحيد الخالص([27]) الذي فيه خلاص الناس كل الناس من كل مأزقٍ ومهلك وانحطاط.

وهناك إحياءٌ آخر: إحياءٌ كذب، إحياءٌ زور، إحياءٌ معادٍ للإمام الحسين عليه السلام وثورته الإيمانية المباركة العملاقة قد يدعيه مدّعٍ وفيه مسٌّ لقدسية يوم الإمام الحسين عليه السلام.

وأيُّ إحياءٍ ليوم الإمام الحسين عليه السلام فيه مسٌّ بقدسيته، ومنافاةٌ لهدف التوحيد الذي كان من أجله([28]) أو يخالف أخلاقيّته، أو فيه أيّ تعدٍّ على الحكم الشرعي، أو تلوّثٌ بالباطل، أو تسلّل لمظهر من مظاهر الفسق والخلاعة والمجون لهو إحياءٌ كذبٌ وزورٌ وباطل، وهو حربٌ على الإمام الحسين عليه السلام، ومناهضةٌ لثورته.

وكل المناسبات الدينية كما يمكن أن تُحيى بالإحياء الصّادق القويم الذي يُعطيها شيئًا من حقها الكبير، وفاعليّتها العظيمة المُنقذة يُمكن أن يُدَّعى إحياؤها كذبًا وافتراءًا بما يسيء إليها، وينافي صدقها وصفاءها([29]).

وأُذّكر الأخوة المؤمنين والمؤمنات بهذه الآية القرآنية الكريمة التي تتحدث عن طائفة من المشركين كانوا يصلّون عند البيت الحرام، كانوا يدّعون الصلاة عند البيت الحرام، وكان شيءٌ يمارسونه يسموّنه صلاة هو من نوع اللهو البعيد عن مقتضى الإيمان والعبادة القويمة المربّية، إذ تقول الآية الكريمة:{وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}([30]) فكانت صلاتهم صلاة كفر لا إيمان، وصلاة استهانة لا صلة لها بعبادة الطاعة والخشوع لله العظيم، صلاة صفيرٍ وتصفيق، لا ركوعٍ وسجودٍ وذكرٍ خاشعٍ وخضوع.

وكما أنَّ الصلاة قد تكون زيفًا وتعدّيًا على حرمة الدين ومخالفةً لهدفه، خارجة عن وقاره وأدبه، بعيدةً عن ذُلّ العبودية لله سبحانه، مفارِقةً لمقتضاه، فكذلك يمكن أن يكون ما قد يُدّعى بأنه إحياءٌ لذكرى كربلاء وثورة الإمام الحسين عليه السلام أو لأيّ مناسبة من المناسبات الكريمة للدّين الطاهر العظيم([31]).

ليكن إحياؤنا لأيام عاشوراء محاولةً جادّة مخلصة لإظهار الإسلام ما استطعنا بما هو عليه من حقيقة بيضاء كبرى نيّرة نتربّى وتتربى أجيالنا في ضوئها، ونُقدّمها لمن يجهل هذا الدين على حقيقته ليتحدث الدين نفسه لعقل ذلك الإنسان وقلبه مما يجعله مشدودًا إلى هذا الدين ومتمسكًا به.

اللهم صل وسلم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

اللهم اجعلنا ننهج نهج دينك الذي رضيته لعبادك، واخترته لنجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، ولم تجعل النجاة والسعادة سبيلًا لمن عانده.

اللهم أنزل على المؤمنين نصرك، واحمهم من شرّ أعدائك، وأعزّهم بعزّك يا قوي يا عزيز برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم ارحم الشهداء، واشف المرضى والجرحى، وفُكَّ الأسرى من المؤمنين والمؤمنات، ورد الغرباء برحمتك يا أرحم الراحمين.

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}([32]).

[1]- هناك ملوك جاهليّون، وكل من عدا الله ملكه ادّعائي، يعني الملك الحقّ هو لله وحده.

لا ملك بالحق والصدق إلّا لله وحده، ومالكية غير الله عزّ وجل حتى ما كانت مالكية شرعية إنما هي مالكية اعتبارية تشريعية قانونية، ليس لها تحقق في الخارج.

[2]- 116/ المؤمنون.

[3]- 56/ الأنبياء.

فله الملك وله الربوبية وله الألوهية وحده.

[4]- ميزان الحكمة ج3 ص491.

[5]- أنا أصنع الآمال الخبيثة في نفسي أو الآمال الطيّبة. أما أساس إمكان قيام الأمل في النفس وصنعه فهي من الله تبارك وتعالى. وقد غرست في النفس آمالا صالحة لتحرّك النفس على طريق صلاحها وسعادتها.

[6]- عيون الحكم والمواعظ ص61 ط1.

لا أمل في الدّنيا معناه لا بقاء للإنسان، لا حياة على وجه الأرض.

[7]- وهي “الدنيا بالأمل”.

[8]- الإسلام لا يمكن أن يعادي أن تنشأ الآمال في الناس، أن تساعد من خلال تربيتك على قيام الأمل في النفس واستمراره.

[9]- يعني هذا التحذير، وهذا الإنذار من غلو الآمال الدنيوية.

[10]- 3/ الحجر.

[11]- سورة العصر.

[12]- وليس بربح الآخرة من أجل ربح الدنيا.

[13]- انظر إلى الثّمن وإلى المثمن. نُضحّي بالثمن من أجل المثمن.

[14]- 10، 11/ الصف.

وراء ذلك رضوان الله، جنّة الله، جنة الخلد التي لا انتهاء لها.

[15]- 3/ إبراهيم.

[16]- علم الله يقول لنا قدّموا الآخرة على الدنيا، ونصيحة الله تقول لنا قدّموا الآخرة على الدنيا، نسأل: هل هناك من علم يوازي علم الله؟ نصيحة توازي نصيحة الله؟ لنعدل عما يأمر به علم الله، وتدل عليه نصيحة الله إلى ما يتبع علم غيره، وتنطق به نصيحة غيره؟

[17]- ونحن نلتقي معهما في عدم أذىً لمشاركٍ فيها.

[18]- أنا لا أدري ما هذه الديمقراطية التي لا تُعطي حقَّ إبداء الرأي إلا للحكومة، ومن أبدى رأيه في الانتخابات من المعارضة كان حقُّه أن يُشتم ويعاقب. هذا أول السيل، فستر الله من آخره. إذا كان هذا أول الديمقراطية المقبلين عليها، فما عواقبها؟!

[19]- هذا مقياس التقييم.

الانتخابات ماذا ستنتج؟ ما يركّز الظلم؟ ما يخفف من الظلم؟ ما يرفع الظلم؟ هذا مقياس دقيق وأصل لتقييم الانتخابات، وهو التقييم الأهم والذي تركز عليه الشعوب والحكومات.

[20]- لماذا يعزف عن الترشح في هذه الانتخابات كل المستويات المتقدمة والمتميزة في وعيها، ولماذا يكثر من الجانب الآخر عدد المترشحين؟ هذه سلبية في الحقيقة وليست ايجابية.

[21]- هذه انتخابات راقية، هذه انتخابات ذات جدوى في نظر الشعب، لذلك تشارك المؤسسات المعارِضة لأن في هذه الانتخابات أملًا ولذا تشارك، أما إذا لم تشارك أي مؤسسة معارضة فمعناه أنها انتخابات في نظر هذه المعارضة وفي نظر من تُمثّله فاقدة للقيمة، هذا من ناحية علمية بحتة.

[22]- كما أطالب بأن يُعترف لي بحق ابداء الرأي وبحق أن أقاطع أو أشارك عليّ أن أعطي الآخر حق أن يقاطع أو يشارك وأن يبدي رأيه في ذلك ولا غضاضة، ونحن ليس من قِبلنا أي مانع، والمعارض لهذا هو جانب السلطة أو من يتبعها.

[23]- والإرهاب والتعدي أنواع.

[24]- وكما يمكن لذاك يمكن لهذا؛ كما يمكن في الواقع أن يكون ما يحدث هو من هذا، يمكن في الواقع أن يكون ما يحدث من ذاك، أو مرة يكون من هذا ومرة يكون من ذاك، وأي مرتكبٍ لهذا من أيٍ من الطرفين فهو متحملٌ أثمه أمام الله سبحانه وتعالى.

[25]- وهي أهداف ثورته صلوات الله وسلامه عليه.

[26]- هتاف جموع المصلين (أبد والله ما ننسى حسيناه).

[27]- الحسين عليه السلام وكل الأئمة عليهم السلام، وما من نبيٍ ولا رسول، وكلّهم عظام، وكلهم عمالقة، إلا وهو فداء رخيص في سبيل دين الله تبارك وتعالى، وما كانت حركة من حركاتهم إلا من أجل قضية التوحيد.

[28]- أرّكز على هدف التوحيد.

[29]- وهذا النوع من الاحياء قد يجري على عددٍ من حكومات الأرض غير المتدينة، فمن كان من المؤمنين إحياؤه هذا الإحياء فهو عدوٌ للإمام الحسين عليه السلام.

[30]- 35/ الأنفال.

صلاة تجلب العذاب، تجلب عقوبة الله، ومثلها إحياءٌ كذبٌ زورٌ يغتال ثورة الإمام الحسين عليه السلام، ويقضي على هدفها وأخلاقيّتها؛ فإن عاقبته عذاب الله، وهو كفر {..فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} والكفر درجات.

[31]- يأتي محرم وباسم الإحياء لذكرى ثورة الإمام الحسين عليه السلام قد نهدم من الدين أكثر مما نبني.

[32]- 90/ النحل.