البيانات والبرقيات – (40) 7 شوال 1421هـ

بصورة إجمالية يلمس وجود توجه رسمي لخلق بعض المناخات
الجديدة بدرجة ما بالقياس إلى الحالة بعد إيقاف الحياة البرلمانية السابقة، تلك
الحالة التي أرهقت البلاد وأغرقتها في سلسلة من المشاكل والأزمات المتصلة، وبعثرت
من لحمة النسيج الوطني الذي كان يتصف بدرجة من المتانة والإستمساك

بسم الله الرحمن الرحيم

الجديد في الشأن السياسي في البحرين

بصورة إجمالية يلمس وجود توجه رسمي لخلق بعض المناخات الجديدة بدرجة ما بالقياس إلى الحالة بعد إيقاف الحياة البرلمانية السابقة، تلك الحالة التي أرهقت البلاد وأغرقتها في سلسلة من المشاكل والأزمات المتصلة، وبعثرت من لحمة النسيج الوطني الذي كان يتصف بدرجة من المتانة والإستمساك
والتوجه المشار إليه إذا التزم مسار الحق والعدل وواصله فسيكون عائده كبيراً على الوطن كله أمناً وتضامناً وتقدماً، وسيتيح فرصاً واسعة للتفرغ لإعمار الأرض وإنماء الإنسان لو أريد
ولأن الميثاق الوطني قد أريد له أن يكون خطوة على طريق الإنقاذ، والنأي بالوطن عن حالات التوتر والتصدع والخلاف كان لابد من وقوف النظر عنده مطلعاً فاحصاً دارساً خاصة وأنه يؤسس لمستقبل طويل وعلاقات ثابتة، تنال بتأثيرها كل مواطن بما تستبطنه من سلب وإيجاب
وقبل الكلمة في مشروع الميثاق المطروح لي كلمة مقتضبة عن وجهة النظر الإسلامية في مسألة البيعة على الحكم والعقد الإجتماعي بين الحاكم والمحكومين تجنبا للخلط بين الطرح الإسلامي في هذا المجال ـ وهو محل التعبد ـ وما عليه الفهم المعاصر في توجهاته الديموقراطية الأرضية الوضعيّة التي تعد أفضل مطروح أرضي، وحتى يتبين إلى أي مدى يمكن للإنسان المؤمن أن يتمشى مع هذه التوجهات
البيعة في الإسلام:
كانت أكثر من بيعة من رجال ومن نساء لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لا لتنشئ له شرعية الحكم والولاية، وإنما لتستجيب لحاكميته وولايته الثابتة له على الناس من الله سبحانه جعلا، وهو عزّ وجلّ الولي الحقّ أولاً وبالذات، ولا ولاية لأحد من بعده على أحد إلا بإذنه، وحسب تشريعه، وإلاّ لم تجز أخذا ولا عطاء.
والبيعات التي حدثت لخلفاء بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شارك فيها الرجال على مستويات مختلفة، وكان الإلتزام فيها من جانب الخليفة صريحاً أو ضمناً أن يعمل بكتاب الله، وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أبى قبول البيعة في مجلس الشورى المعيّن بعد الخليفة الثاني بشرط العمل بسيرة الشيخين إلى جنب الكتاب والسنّة كما هو المعروف من التاريخ
ومن بديهيات الإسلام أن العقود كلها لازمة كانت أو جائزة كالبيع والإجارة والنكاح والهبة والوكالة، فضلا عن البيعة على الحكم إنما تأخذ شرعيتها من خضوعها للحكم الشرعي، وتقيّدها بالكتاب الكريم والسنة المطهّرة
ولا عقد إلا ويؤخذ فيه شرعا أن يكون عن إرادة حرّة بعيداً عن الإكراه . وترقى الكلمة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف بيعته إلى أكثر من ذلك حيث يقول كما في النهج«لم تكن بيعتكم إياي فلتةً» {نهج البلاغة، الخطبة 136} فهي لم تكن بلا رويّة أو تدبّر بسبب من ضغط إعلامي، وتأثير سلبي على رأي الناخبين المبايعين. على أن من تعين كونه إماماً للمسلمين في دين الله وجب على المسلمين الدخول في طاعته بلا إشكال كما هو الشأن بالنسبة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو الإمام المعصوم عند الإمامية كأمير المؤم
نين(عليه السلام)
ميثاقٌ حاكم:
ينطلق شرط العمل بالكتاب والسنّة والوقوف عندهما في بيعة الحاكم الإسلامي من حاكميّة ميثاق إلهي شامل مأخوذ على العباد كلّهم في أصل الفطرة والتكوين، ومواثيق إيمانية تالية له على كل عهد وميثاق وعقد آخر
نقف على الأول في قوله تعالى «وإذ أخذ ربُّك من بني أدم من ظهورهم ذريّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين» {الأعراف 172} وشهادة العبد على نفسه بالعبوديّة، ولربه بالربوبيّة شهادة تخرجه من حكم إرادته إلى حكم إرادة مالكه ومدبّره، وتوجب عليه الطاعة الكاملة والخضوع التام في كل شأن وحركة وسكون، وحروف هذا الميثاق محفورة في عقل الإنسان وقلبه ووجدانه، مما يقطع عليه الإعتذار يوم القيامة بالغفلة عنه ونسيانه
ومن أمثلة المواثيق اللاحقة لهذا الميثاق الواقعة على خطه ما تشير إليه الآيتان الكريمتان: «وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتُبيّنُنه للنّاس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون» {آل عمران 187} «واذكروا نعمة الله وميثاقه الذي واثقكم به إذا قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور» {المائدة 7}
وهذا النوع من المواثيق يتمّ في حياة الإنسان على وجه الأرض حين يسلّم لرسالة من رسالات الأنبياء، ويدخل في ركب هذا الرسول أو ذاك متحملا الأعباء والأمانات التي تفرضها الرسالة. وما من بيعة مع رسولٍ من رسل الله إلا وهي بيعة لله أولاً وقبل كل شيء, ويد الله هي العليا «إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليهُ الله فسيؤتيه أجراً عظيماً»{الفتح 10}
والله مالك العباد وكلّ أمر من أمورهم جَعَلَ من تفضله ومنّه وفاء بوفاء، وإلتزاماً بإلتزام، مع أنه ليس لأحد عليه من جميل ولا له من طاعة أحدٍ نفعٌ، ولا لمن سواه عليه سلطان، وكل ما لغيره من خيرٍ فهو من فيضه، وهو عنه غنيٌّ. نعم قد اشترط الله الغني الحميد الكبير على نفسه المثوبة لمن وفى بعهده وأدى واجب ميثاقه «… ومن أوفى بما عاهد عليهُ الله فسيؤتيه أجراً عظيماً» {الفتح 10} «الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربَّهم ويخافون سوء الحساب…أولئك لهم ع
قبى الدار» {الرعد 22} «قد أفلح المؤمنون …والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون» {المؤمنون 8} عهدهم مع الله عز وجلّ، وعهدهم مع الآخرين حيث ينبثق من العهد معه سبحانه ويتقيد بمقتضاه، ويتأطر بما يفرضه ويعنيه
وكما أن الوفاء بعهد الله عظيم مثوبته، كبير جزاؤه، فكذلك نقض عهد الله، وخيمة عاقبته، أليم عقابه«والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار» {الرعد 25}
كل من ميثاق الفطرة ومواثيق الإيمان اللاحقة به تحدد للإنسان المؤمن خياراته ورؤيته للأمور وموقفه منها على ضوء الهدى الإلهي من غير أن تغيمَ رؤيته أو تضِلّ، أو يزيغ موقفه، أو ينتابه الإضطراب. وهذا على عكس إنسان منفلتٍ عن قاعدة الإيمان، ناسٍ للفطرة في شرقٍ من الدنيا أو غربٍ كافرَين؛ فإن مساحة خياراته واسعة جدّاً، وخبطه كثير، وضلاله مبين، وإفساده غامر
مشروع الميثاق:
تنتقل الكلمة إلى مشروع الميثاق الوطني، لا في صورة دراسة دينية له وتقييمه من هذه الجهة، وإنما في صورة مطالعة سريعة له من جهة ما تبناه من شعار الديموقراطيّة ومقارنته بدستور عام 1973م مقارنة عابرة
أشير أولاً إلى أن الصيغة المعدلة لمشروع الميثاق قد خلصته من بعض عيوبه كعيب التفويض المطلق الذي اتَّسمت به الصيغة الأولى، وهو الشيء الذي يبعد به كليا عن مستوى المواثيق المتعارفة. من بعد ذلك أضع الكلام في النقاط التالية:
1ـ تؤدي المقارنة بين مشروع الميثاق –الصيغة الأولى والثانية- ودستور 1973م إلى أنه ما من إيجابية بالنظر الديموقراطي في المشروع إلا وقد سبق إليها الدستور من قبل. للتبيّن تراجع مواد الدستور مثلاً من المادة 17 حتى المادة 28 ، والبند د،هـ من المادة الأولى ، والمادة 101
2ـ كما تؤدي المقارنة إلى تفاوت بينهما يتقدم بها الدستور على مشروع الميثاق وإليك الأمثلة على مستوى المحتوى الإسلامي والديموقراطي بينهما
أ ـ جاء في المشروع – الصيغة الثانية-:- (تكفل الدولة حرية العقيدة، وتكون حرية الضمير مطلقة. وتصون الدولة حرمة دور العبادة وتضمن حرية إقامة الشعائر الدينية وفق العادات السائدة في البلاد) وهذا هو نفس النص الذي اعتمدته الصيغة الأولى للمشروع
ويقابل هذا النص من مواد الدستور المادة 22 (حرية الضمير مطلقة، وتكفل الدولة حرمة دور العبادة وحرمة القيام بشعائر الأديان والمواكب والاجتماعات الدينية طبقا للعادات المرعية في البلد)
وتتقدم الصيغة الدستورية على صيغة المشروع بالتصريح بموضوع المواكب والاجتماعات الدينية الشيء الذي أهمله المشروع، بينما من حقه جدّاً أن لا يهمل ولا يغيّر
نعم إفراد كلمة الدين في المشروع مكان جمعها في الدستور أكثر توفيقا لو كان ذلك مقصوداً
ب ـ جاء في المشروع – الصيغة الثانية-:- (خامسا: نشاط المجتمع المدني من أجل استفادة المجتمع من كل الطاقات والأنشطة المدنية تكفل الدولة حرية تكوين الجمعيات الأهلية والعلمية والثقافية والمهنية والنقابات على أسس وطنية ولأهداف مشروعة وبوسائل سلمية وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون ولا يجوز إجبار أحد على الانضمام إلى جمعية أو نقابة أو الاستمرار فيها)
ويقابل ذلك من الدستور مادتان هما27 ، 28
المادة 27 من الدستور (حرية تكوين الجمعيّات والنقابات على أسس وطنية ولأهداف مشروعة وبوسائل سلميّة مكفولة وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون . ولا يجوز إجبار أحد على الانضمام إلى جمعيّة أو نقابة أو الاستمرار فيها)
المادة 28 من الدستور ( أ- للأفراد حق الاجتماع دون حاجة لأذن أو إخطار سابق، ولا يجوز لأحد من قوات الأمن حضور اجتماعاتهم الخاصة. ب- الاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات مباحة وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون، وعلى أن تكون أغراض الاجتماع ووسائله سلمية ولا تنافي الآداب العامة)
وعليه يكون المشروع قد أهمل المادة 28 ببندها أ ، ب وهي من الحقوق المدنية العامة والتي جاءت مع المادة 27 في سياق واحد في الدستور . وعنوان المجتمع المدني الذي استحدثه الميثاق لا يبرر هذا الإسقاط . ويلتفت إلى أن الاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات في هذه المادة أعم من أن تكون دينية. وقد نُص على الاجتماعات الدينية في مادة مستقلة تقدم ذكرها مما تضمنه الدستور
ج ـ جاء في المشروع – الصيغة الثانية-: (ثالثا : الشريعة الإسلامية والتشريع : «ديــن الدولة الإسلام، والشريعة الإسلاميـــة مصدر رئيســي للتشريع»)
وظاهر ذلك أن تمام ما يراد أن يكون معنوناً تحت عنوان الشريعة الإسلاميّة والتشريع قد استوفاه ما بين القوسين. أما ما جاء بهذا الصدد في الدستور:
المادة الأولى بند [أ] : (البحرين دولة عربية إسلاميّة …)
المادة الثانية : (دين الدولة الإسلام، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع…).
المادة الخامسة البند [ج] : (الميراث حق مكفول تحكمه الشريعة الإسلاميّة)
هذا وقد جاء في المادة 104 بند[ج] من الدستور: (…كما لا يجوز اقتراح تعديل المادة الثانية منه)، وهي التي تقرر أن دين الدولة الإسلام وأن الشريعة الإسلاميّة مصدر رئيسي للتشريع. وهو منع فيه حماية لموقع الشريعة، لا أنه للاحتراز من اقتراح تقويته، وذلك بالنظر إلى قدسية الشريعة وحرمتها في نظر المجتمع المسلم
وإذا اعتُذرَ بأن المادة [104] مكانها الأحكام العامة والختامية فإن المواد الأخرى مكانها المناسب أن تكون تحت العنوان الذي استحدثه المشروع، ولا أقل من الإشارة إليها عند التعرض له
3ـ لا زال غير واضح حتّى من خلال الصيغة المعدلة لمشروع الميثاق أن المجلس الانتخابي سيشارك المجلس المعين التصويت النهائي على القوانين والقرارات أو لا . وعلى التقدير الأول سيكون المجلس الانتخابي في حكم العدم كما هو واضح . وعلى كل تقدير فإن تعليل الحاجة إلى المجلس المعيّن بالحاجة إلى ذوي الخبرات عليه ملاحظة إذ أن مجلس الشورى الحالي من الصعب أن يدَّعى بأنه أكثر خبرة من المجلس الوطني السابق وأن الخبرات تتجمع فيه بفارق كبير بالنسبة لذلك المجلس على رغم الفارق الزمني الملحوظ الذي تهيأ معه للوطن أن يكثر
من بين أبنائه أصحاب الاختصاص في حقول مختلفة، وكم من خبرة واختصاص كفؤوين خارج المجلس الآن مما تغنى به الساحة؟ ومعلوم أن الحكومة قد اختارت من بين أعضاء المجلس الوطني من عينته سفيراً أو وزيراً أو عضواً في مجلس الشورى.وكم من عضو هناك قد عينته هنا ؟! على أن التعيين ليس شاهد الكفاءة الأكبر دائما كما يعلم
وعليه إذا أراد مشروع الميثاق أن يُرضي المؤمن الملتزم بالإسلام أطروحة عامة للحياة فعليه أن ينادي بتحكيم الكتاب والسنّة وهما قمة الحق والعدل، ومنهاج الصلاح والفلاح الذي لو عاشه النّاس لذاقوا من حلاوة عطاءاته ما يزهدهم في غيره من المناهج؛ ولكن النّاس أعداء ما جهلوا. وإذا أراد مشروع الميثاق أن يواكب التوجهات الديموقراطية فعليه أن يتقدم مستوى في هذا المضمار على دستور سبقه بعشرات السنين، أو لا يقل عنه على أقل تقدير
تفاهم لا تخاصم
على أن عدم القناعة بالميثاق ينبغي أن لا يكون مدعاة لتداعي الأمور، فالجهد كل الجهد يجب أن ينصب على الخروج بالبلاد إلى فضاء التعايش الإيجابي السليم، وأن تكون أداة التصحيح هي الحوار المتقدم مما يتطلب فتح الباب لحرية التعبير من جهة، والتزام حسن التعبير من الجهة الأخرى وأن يكون هذا الحوار بِصِورِهِ غير المتشنجة سمة للمستقبل، ومقدمة للقرار لا مادة للاستهلاك وتمييع القضايا
إن الإيمان بوضع معين داخل البيت أو المؤسسة أو الوطن شيء قد يحصل وقد لا يحصل، ولا سبيل لتحصيله عن طريق القوة، إلا أن الذي ينبغي تحاشيه هو أن ينهدم البيت أو المؤسسة أو الوطن على أهله فلا بد وأن يطلب التعايش الإيجابي في إطار الوطن الواحد بما يحفظه سفينة للجميع ويتطلب هذا الأمر بلا أدنى ريب قدراً من العدالة والمساواة والحرية الشريفة، والمراعاة لمنظومة القيم السماوية الرفيعة التي لو فرّط فيها أي مجتمع من مجتمعات الدنيا ذاق مرَّ تفريطه فيها وعذابه بمقدار ما فرَّط، حتى يكون الانهيار الكامل إذا ما تف
احش التفريط واستدام
ولما كان الميثاق يراد له أن يكون قاعدة ثابتة لمدى طويل لعلاقات إيجابية آمنة مستقرة كان لابد أن يتجاوز حساسيات الحاضر، وينسجم مع طموحات المستقبل، ويستمسك بأكبر قدرٍ يمكنه من تلك المبادئ والركائز والقيم حتى تكون المقدمة من جنس النتيجة المطلوبة له فإنَّ طالب الشرق لا يغرِّب، وطالب الغرب لا يسعى بقدمٍ إلى شرق
وبرغم ما للمواثيق والدساتير الراقية العادلة من أهمية إلا أن لغة الواقع هي التي يفهمها النّاس . وهي أصدق قيلا في قلوبهم ووجداناتهم حتى لا تنبني مواقفهم العملية إلا عليها وهناك مجتمعات تنحصر حاجاتها أو تكاد بحسب رؤيتها للكون والحياة والإنسان في حاجات البدن وما يقرب منها . وبذا ينحصر تطلعها في هذه الحاجات وتستريح بالكامل لها، بينما توجد مجتمعات أخرى كما تتطلع إلى سد حاجات البدن تتطلب إشباع حاجات الروح، وقد يؤلمها فقد المتطلب الثاني أكثر من فقد المتطلب الأول، ولا شك أن المجتمع البحريني وهو من أعرق
مجتمعات المسلمين، له جوعاته الروحية والقيميّة والأخلاقية الّتي لا يصح بأي حال من الأحوال أن تنسى وعلى أي صعيد. فلا يكون تكامل ولا استقامة للأمور حتى ينظر إلى كل من حاجات الروح وحاجات البدن، ويهتم باللّقمة والكرامة، ويحافظ على البيئة والهويّة، وينال كل من الصحة والخلق الرعاية والحماية. وشعوبنا الإسلامية في الشريحة العظمى منها قد تصبر على ضنك في العيش ولا تصبر على خدش الكرامة، والنيل من شرف المقدَّسات، والمواثيق والدساتير لا تكون ناجحة ولا ثابتة ما لم تعرف طبيعة بيئتها
ولقد جاءت التسهيلات المعاشية الأخيرة بداية للغة عملية إيجابية فصيحة، لو استمرت وتجددت مفرداتها وتراكيبها لصدَّقها النّاس، واستراحوا إليها في مجال البدن، وهم يتطلعون إلى لغة موازية من طبيعة هذه اللغة في مجال الخُلُق والدين والحريات الشريفة، وأراهم يعجبون كيف لم يأت في هذا السياق إخلاء السجون من سجناء الخلاف السياسي، وكيف بقي المبعدون والممنوعون من العودة إلى الوطن بعيدين عن وطنهم، وكيف تتأخر عودتهم الشريفة العزيزة خلافا لمنطوق المادة 17 بند [جـ] من الدستور يحظر إبعاد المواطن عن البحرين أو من
عه من العودة إليها). على أن طبيعة المرحلة الناسخة لمرحلة تعطيل الدستور وآثارها السلبية أوّل ما تتطلبه محو مثل هذين الأثرين المنافيين جدّاّ لمتطلبات المرحلة القادمة الّتي يُبَشّر بها، وما تقتضيه من انفتاح وتفاهم وبناء للجسور الموصلة إلى التلاحم العام الشامل بالمقدار الذي يسمح بالتحرك المرن السليم على خط الأهداف الوطنية المشتركة المنشودة
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين

عيسى أحمد قاسم
7 شوال 1421