مواضيع الخطبة:

حضارة الطين
وحضارة الإنسان(20) + الطائفية العمياء تحصد
أرواح الأبرياء+ معارك للاستنزاف +
حرام اليوم حلال غداً
+ مركز البحرين لحقوق الإنسان +
اليوم فتاتان وغدا فتيات+
تقنين الأحوال الشخصية + كتيبات غير علمية

حالة الاستضعاف مرفوضة،
والاستسلام إليها مرفوض، والمستضعف يتحمل مسؤولية الخروج من أسرِ هذه الحالة ما
استطاع، والمجتمع الصالح يتحمل مسؤولية مواجهة الاستضعاف

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي لا يناله تصوّر، ولا يطاله خيال، ولا يحوم حول شأنه وهم. هو فوق تصوّر المتصوّرين، وأبعد من خيال المتخيّلين، وأنزه مما يتوهّم المتوهمون. محدودية كل شيء من دونه تمنع من إدراكه له، وهو الكامل المطلق الذي لا يتناهى كماله، ولا حد لجماله، ولا أفق ينقطع عنده جلاله.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيرا.
أوصيكم عباد الله ونفسي الأمارة بالسوء بتقوى الله، والحذر من غلبة الهوى، والانسياق وراء رغبات النفس وإيحاءاتها البعيدة عن خشية الله في ما نعزم ونعمل ونهدف. ومن أصعب الجهاد ما وطَّن النفس على قصد وجه الله وحده فيما تأخذ النفس وتدع، وترغب وتزهد، وعلى لا يكون لاستحسان الناس واستقباحهم، ومدهم وذمِّهم سلطان عليها يشارك ما لله فيها من خشية وتعظيم وتوقير. ومن خلا قلبه من النظر إلى الناس، ولم يكن له نظر إلا لله فهو صاحب القلب السليم.
أعاننا الله على أنفسنا، وأخرج من قلوبنا شِرْكها الخفي، وعبادتها غير المرئية لغير الله سبحانه، وما أكثر ما يعبد المرء نفسه، والمخلوقين مثله أكثر مما يعبد الله.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وأدخلنا في كل خير أدخلت فيه محمدا وآل محمد، وأخرجنا من كل سوء أخرجت منه محمدا وآل محمد صلواتك عليه وعليهم أجمعين.
أما بعد أيها المؤمنون والمؤمنات فمتابعة لموضوع: حضارتان: حضارة الطين وحضارة الإنسان ويأتي الحديث تحت عنوان:
الحضارتان والأوضاع الخارجية:
السؤال المطروح في هذا المجال هو ما موقف كل من الحضارتين من تقدّم وتخلّف الأوضاع الخارجية، وضعف هذه الأوضاع وقوتها؟
الوضع الاقتصادي والسياسي والعسكري والعمراني أوضاع حيوية ونشطة وناهضة أو هي على خلاف ذلك في هذه الحضارة وتلك؟ هذا هو السؤال المطروح.
تقدّم أن الحضارة المادية يمكن أن تقيم واقعا ماديا شامخا على الأرض، وأن تتقدم بالزراعة والصناعة وتحقق ازدهارا اقتصاديا، وتتوفر على وضع عسكري رادع، ووضع عمراني متفوّق، وتُوجِدَ وضعا سياسيا مستقرا إلى حين.
وقد مرّ من الآيات الكريمة ما يتحدث عن حضارات ومجتمعات جاهلية قد تحقق لها تقدم كبير في جانب أو آخر من جوانب المادة وإبداع ملحوظ.
أما حضارة الإيمان التي تجعل إنسانية الإنسان وكماله هدفها الأول فعلينا أن نسمع عن موقفها من قوة الأوضاع الخارجية على لسان آيات من الذكر الحكيم:{وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ}(1).
المخاطبون قوم عاد، والمخاطِبُ هود عليه السلام. وعاد كانوا يتمتعون بتقدّمٍ عمراني، وتحصينات قوية، وقوة ضاربة تدفعهم في ظل جاهليتهم إلى العدوانية الشرسة والبطش الظالم المتجبّر.

الآية الكريمة تقول{… ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ} التوبة هنا هي عودة إلى منهج الله. كان ذنبهم أنهم فارقوا منهج الله، وانفصلوا عن الوحي والرسالات السماوية في إدارة أمور حياتهم، فعليهم أن يستغفروا، وأن يتوبوا إلى الله، بأن يعودوا إلى المنهج القويم… إلى كلمة الوحي، وإلى القيم السماوية في تسيير الحياة، والمردود لهذا ليس تقهقرا للقوة، وليس تراجعا للوضع الاقتصادي والوضع العسكري وإنما الآية الكريمة تقول{… يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ…} فالمنهج الإلهي سيضاعف القوة الاقتصادية والقوة العسكرية، ويعزّز الموقع في كل أبعاد القوة لقوم عاد لو عادوا إلى منهج الله.
والفارق هو أن القوة في المنهج الجاهلي للبطش، أما القوة في المنهج الإلهي فهي للإصلاح، ولمصلحة الإنسان.
الآية الكريمة الأخرى تقول{وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً}(2) الغدق الكثير، والعذاب الصّعد: هو الشاق أو الذي يتصعد على صاحبه فيغلبه.
وعد بازدهار اقتصادي, والماء الغدق تعبير عن ثروة زراعية متقدمة وعن نهوض اقتصادي، وهذا النهوض الاقتصادي لا يجعله القرآن هدفا، وإنما يعدُّه سبباً من أسباب صناعة الإنسان أو هدمه، ويرجع ذلك إلى أن يُحسن الإنسان التصرف في هذه النعمة أو لا يحسن التصرف… أن يستفيد من الازدهار الاقتصادي فيبني نفسه، أو أن ينساق وراء الازدهار الاقتصادي هدفاً، وأن يسبب له ذلك الغرور، ويسبب له الطيش والاشتغال بالدنيا.
{وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}(3).
الإسلام يطالب أمة الإسلام ببناء قوة ضاربة، ولكن لا للعدوان، وأنت تفهمُ أن هذه القوة ليست عدوانية من قوله تعالى في الآية اللاحقة {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(4).
إذا كانت هناك قوى مادية ضاربة عدوانية في الأرض تتهدد الإيمان، وتستضعف الإنسان، وتناهض منهج الله، وتعمل بالفساد والإفساد في الأرض فلابد من أن تكون لدولة الإيمان قوة ضاربة في مواجهة تلك القوة لتردعها عن عدوانها.
أما حال أن يجنح الآخرون للسلم، وتنتهي عدوانية الطرف الآخر أو يُرى منه الجدُّ في الميل إلى السلم، وأنه يأخذ بروح السلم في مواقفه فإنه لا داعي للاستمرار في بناء القوة، بما يحوّل المسألة إلى عبث، ويشجع على الصراع وسباق التسلح، ولابد للأمة الإسلامية حينئذ أن تأخذ بالسلم لأن الأصل في الأمة الإسلامية أنها أمة السلام والأمن والازدهار في الأرض.
يوسف عليه السلام في خطابه لملك مصر:{قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}(5).
يوسف النبي عليه السلام يتقدّم لشغل وزارة المالية – إذا صح التعبير – لحفظ الاقتصاد المهدد بسبب سنوات القحط التي كانت تتهدد مصر وذلك لأنه يتوفر على ما لا يتوفر عليه الآخرون من كفاءة علمية وأمانة {… إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ…} شديد الحفظ، شديد الأمانة، وشديد العلم، والعلم المناسب هنا هو علم الاقتصاد. العلم الذي يفيد لتسلم أمانة المال وإدارة خزانة الدولة، وحمل الحقيبة الاقتصادية هو أي علم؟ ليس علم القيم وعلم الأحكام الشرعية فحسب وإنما علم الاقتصاد كذلك.
وكان التمكين من الله سبحانه لنبيه في الأرض أجراً لوفائه بعهد ربه وإحسانه. وهذا التمكين رحمة من الله وهو قوة يسعى الدين لتوفّر المؤمنين عليها ويقدم منهجاً ناجحاً لتحقيقها.
وأي قوةٍ، وأي غنىً وفرصٍ عريضة في الدنيا لا تقف بطموح المؤمن عن خير الآخرة الذي لا يعدله شيء في ميزان الله.
وقيمة القوة والثراء وكل النعم في هذه الحياة لا تتم ما لم توظف من أجل الآخرة، ولا تكون كذلك ما لم يستعن بها على بناء الذات، وتقويم عوجها، ومعالجة نقصها.
{إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً}(6). وهو ذوالقرنين.
هذه قوة تجسدها السلطة السياسية الثابتة المتجذرة تدعمها قوة المال والعلم والإدارة الحكيمة والعقل القادر والجند المطيع… وهي قوة يضعها الإيمان والعلم في صالح الإنسان ويصوغ منها أوضاعاً قويمة، وذاتاً راقية تجد نفسها على طريق كمالها وسعادتها في الدنيا والآخرة.
{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }(7). هذا التنكير في كلمة “بركات” للتعظيم.
وهذه البركات المتنزلة من السماء والأرض، والإثراء الاقتصادي وغيره ليس نتيجة غيبية محضة لمنهج الإيمان والتقوى، فإن هذا المنهج معبّء بقدرة هائلة على إعطاء هذه النتيجة التي لا تكون إلا بإذن الله.
فهناك ترابط بين المنهج الإلهي المتنزل على الإنسان، وبين هذه النتائج، فلا نحتاج إلى أن نذهب إلى أن هذه النتائج تتم لمن طبق هذا المنهج بصورة غيبية، وإنما نفس المنهج قد جُعل من الله عز وجل قادراً على تحقيق هذه النتائج، وإن كان لا يتم شيء في الوجود ابتداء واستمراراً إلا بإذن الله
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(8).
وعد مقضي من الله العلي القدير باستخلاف الذين آمنوا وعملوا الصالحات من أمة الإسلام، وبجعل وضعهم الأمني مريحاً إلى أعلى درجة، والموضوع لهذا الاستخلاف والأمن الأخذ بمبدأ الإيمان في بعده الفكري والروحي والنفسي وبُعده العملي، وهو موضوع أُعطي طاقة هذا الإنتاج المترتبة بفيض الله ولطفه.
{وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا…}(9).
{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً}(10).
حالة الاستضعاف مرفوضة، والاستسلام إليها مرفوض، والمستضعف يتحمل مسؤولية الخروج من أسرِ هذه الحالة ما استطاع، والمجتمع الصالح يتحمل مسؤولية مواجهة الاستضعاف.
والحق أننا أمام واقع كبير لتجربة الإسلام على يد رسوله الكريم (ص)، ونصوص غفيرة من الكتاب والسنة لا يدع أحدهما شكا في أن الحضارة الإيمانية حضارة القوة لا الضعف، والنهوض لا الركود على مستوى صناعة الإنسان، وصناعة أوضاعه الخارجية.
هذا سيل من الآيات الكريمة فضلا عن الحديث الكثير يتحدث عن أمة القوة وعن دولة القوة، ويطالب أمة الإسلام بأن تكون قوية قادرة.
وكل من حضارة الإيمان والإنسان، وحضارة المادة والطين تهدفان إلى تحريك قضايا القوة الخارجية على الأرض ولكن بفوارق بينهما منها بصورة مختصرة:
1. قوة مع عدل وقوة مع ظلم:
عدل اجتماعي تقيمه حضارة الإيمان يقوى ويسعد به المجتمع كله، وظلم وطبقية اجتماعية على أكثر من صعيد تنشئها حضارة الطين، وتحوّل القوة إلى سوط عذاب على الجميع؛ على الطبقة الغنية وعلى الطبقة الفقيرة بشرح لا يناسبه المقام. وذلك لما تثيره الروح المادية من أثرة فاحشة من جانب وحقد دفين من جانب آخر. وكما يقتل الفقر أصحابه، يقتل الترف أصحابه.
2. قوة هادفة، وقوة هدف:
حضارة الإيمان تدفع إلى بناء القوة، ولكنها القوة الهادفة، والهدف هو بناء الإنسان الصالح، وبناء الأوضاع الإنسانية الصالحة.
أما الحضارة المادية فهي تدفع إلى بناء القوة، وتشيد قوة على الأرض؛ قوة اقتصادية أو عسكرية مثلا ولكن تبقى هذه القوة هي الهدف، وتستهلك حياة الإنسان، وتستنزف كل طاقاته، لتكبر القوة ويصغر الإنسان ويتحول إلى خواء.
3. حضارة تؤسس لسقوطها:
حضارة المادة تثير الصراع داخل إطارها بما ينسفها نسفا على خلاف حضارة الروح. لو فرغ الجو لحضارة المادة فإنها تقيم القوة لكن لا لتبقى، وإنما لتحدث صراعا مريرا داخل إطارها وتلهب تصارع القوى، وحرب الطبقات حتى تسقط هذه الحضارة.
أما لو خلا الجو لحضارة الإيمان فإنها تبني قوة لتبقى، ويبقى المجتمع مجتمع الأخوة، ومجتمع الصفاء.
نحن نتكلم عن تربية مادية للمجتمع، وبناء قوة خارجية في إطار القيم المادية، وفي جانب آخر عن بناء قوة مادية في إطار القيم الإلهية.
والحديث عن بناء الحضارة الإيمانية لقوة الأوضاع الخارجية فيه تصحيح لتفكير المؤمن وشعوره وموقفه العملي لو ذهب به تصور أو شعور شاذ إلى أن يقبل الضعف لأوضاع مجتمعه من منطلق إيمانه(11)، وفيه إبطال للدعوى الزائفة بأن الدين أفيون الشعوب، والدعوة الكاذبة الأخرى التي تقول ما لله لله بمعنى الصلاة والصوم وأمثالهما فحسب، وما لقيصر لقيصر بمعنى أن له أن يفعل في البلاد والثروة والعباد، ويقرر ما يشاء من دون تدخل للتشريع الإلهي، أو رعاية لموازين الدين، وفيه إفشال لمحاولات الالتفاف على حقوق الناس وتخدير مشاعرهم بدين مكذوب يسمح بالنهب والسلب، أو الخمول والسلبية وتضعضع المجتمع المسلم.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين.
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ }(6)

الخطبة الثانية

الحمد لله خير مدعوٍّ، وأكرم مرجوٍّ، العظيم الأعظم، الأعزّ الأجل الأكرم. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وزادهم تحية وبركة وسلاماً.
أوصيكم عباد الله ونفسي الأمّارة بالسوء بتقوى الله، والكفِّ عن المنافسة على الدنيا في نفسها وخاصَّة ما كان منها برفع شعار الآخرة، فإن ذلك من أشدِّ ما يكون مضراً بدين المرء، وأكثر ما يسيء إلى نقاء الدّين كلّه، ويسقط قيمته في نظر الآخرين، ويطمس جماله، ويُضيّع جلاله.
ولتكن الآخرة مطلوبة لنا حقّاً من غير تعطيل لحركة الحياة وما تصلح به الدنيا، ولنعمر الدنيا بما يؤول إلى إعمار الآخرة، والتنافس عليها؛ فإنه بهذا يستقيم أمر العاجلة والآجلة ويَسْعَدُ الإنسان.
اللهم إنّا نعوذ بك من أن نكون عند الناس من طلاب الآخرة ونحن عندك من طلاب الدُّنيا، وأن يكون ظاهرنا صلاحاً وباطننا فساداً، وأن نستتر بقبحنا عن الخلق، ويهون علينا أن يكون قبيحنا بمرأى الخالق.
اللهم اغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، واجعلنا من سعداء الدَّارين، وأهل الكرامتين.
اللهم صل على عبدك ورسولك، وصفيك وحبيبك المصطفى محمد بن عبدالله، وعلى علي أمير المؤمنين، وفاطمة الزهراء الصديقة المعصومة، والأئمة الهادين الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري والإمام المنتظر المهدي عليهم السلام.
اللهم عجّل فرج وليك الحجة المنتظر، وسهّل مخرجه، وانصره نصراً عزيزاً، وافتح له فتحاً مبيناً، وانشر به العدل، واقمع به الظلم، وأظهر به دينك، وأعزّ به أولياءك يا قوي يا عزيز.
عبدك الموالي له، الممهد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى وفقهم لمراضيك، وأيدهم بتأييداتك.
أما الآن أيها الأعزاء الأخوة والأخوات في الإيمان فهذه بعض قضايا:
الطائفية العمياء تحصد أرواح الأبرياء:
في باكستان، وفي يوم قريب سقطت أرواح أبرياء في مسجد من مساجد الأخوة السنة على أيد شيعية(12)، وقبل ذلك ذهبت أرواح بريئة من الشيعة على أيدٍ سنية(13)، وهكذا إذا اشتعلت الطائفية الشيعية السنية أو أي طائفية أخرى حصدت أرواح الأبرياء من غير حساب.
إنها لطائفية عمياء لا تقوم على هدى الدين، ولا تستبصر بتعاليمه، ولا تعرف من روح التسامح أي شيء. ليس وراء هذا القتل دين حق، وفهم حق للدين، وراء هذا القتل انتقام للذات، وثارات أرضية، ولو عرف السنة والشيعة أساسات الإسلام وركائزه وخطوطه العريضة بحق لما استباح سني أن يسفك دم شيعي، ولا استباح شيعي أن يسفك دم سني.
ولتأخذ المجتمعات الإسلاميَّة الأخرى عبرة، ولتتقِ الله في دم المسلمين بأن لا تثير طائفية بأي شكل من الأشكال، وليتقِ الساسة والمسؤولون الرسميون الله ويراعوا هذه الأمة بأن لا يقيموا أوضاعا سياسية طائفية فتجرّ إلى نزاع طائفي، وإلى أحقاد طائفية تعصف بالبلاد والعباد.
معارك للاستنزاف:
الأمة مواجهة بمعركة استكباريَّة ضارية بمظهرها المسلح وعنفها الشرس في فلسطين والعراق. وهي تتهدد السودان وسوريا وإيران وأي بلد يتريث أو يتردد في موقف الاستسلام للإرادة الأمريكية والصهيونية.
والساحة الإسلامية والعربية تشهدان معارك محلية في كل قطر من أقطارهما، وهي في الأكثر بين الحكومات والشعوب، لتشغل عن المعركة الأم الطاحنة، وتستنزف جهود الأمة وطاقاتها، وتخلخل صفوفها، وتشعل نار الفتنة بين أبنائها.
وهي معارك يتسبب فيها في أكثر البلاد العربية والإسلامية الموقف السيء الذي تقفه الأنظمة من الحقوق العامة، ومسألة العدل والإنصاف والمساواة، والمشاركة الشعبية في تقرير المصير.
أفيتم هذا بإرادة داخلية محضة لعدد من الأنظمة في الأمة، أم بإيعاز أو مكر غير منظور من العدو الكبير الاستكبار العالمي، الذي يرفع شعار الدفاع عن حقوق أبناء أمتنا وغيرها؟
يذهب النظر إلى اشتراك الأمرين معا في عذابات الشعوب، وتمزيق شمل الأمة واستهلاكها في معارك محلية لا تنتهي، تفرضها على أبناء الشعوب معاناتهم المرة، وتهميشهم المتعمد، وحرمانهم المقيم.
حرامٌ اليوم حلالٌ غداً:
تبقى الكلمة حراماً، ويبقى الموقف حراما على الشعوب، ويقتل رجال، ويسجن رجال، ويشرد رجال، وتظل حالة التوتر والطوارئ لتربك حياة الناس، وكل ذلك إلى حين يفرض الموقف نفسه على الأنظمة لسبب أو آخر، أو تلتقي مصلحتها بالكلمة التي حرّمتها، والموقف الذي حرّمته لتحتضن الكلمة والموقف ويتحول جزءاً من إعلامها وسياستها، ويكون ذلك محل فخر واعتزاز ومباهاة.
الكلمة اليوم حرامٌ، وإذا فرضت نفسها على أي نظام أو اقتضتها مصلحة أي نظام تحوّلت إلى أحلّ الحلال.
وقد تجيز الأنظمة لنفسها أن تتحدث بالكثير كما تتحدث اليوم في كل مكان عن الديموقراطية، والحريات العامة، والمشاركة الشعبية، وحقوق الإنسان، ولكنها تضع القيود الثقيلة على الكلمة في الموضوع نفسه حين تأتي على لسان مؤسسة سياسية، أو شخص يتعاطى مع الشأن السياسي.
وهل يبقى الأمر كذلك؟ وإلى متى؟ ولماذا؟ أو لم يشبّ عمرُو عن الطوق، وتنضج الشعوب وهي على تصميم مقيم وقوي لأن يعترف لها بوزنها اللائق وحجمها المناسب؟!
مركز البحرين لحقوق الإنسان:
جاء الإلغاء الرسمي لمركز حقوق الإنسان متزامناً مع قضية عبد الهادي الخواجه، على أن التعليل الرسمي للإلغاء يفصل ما بين القضيتين في الوقت الذي تسود فيه قناعة شعبية واسعة بالترابط بينهما، ولأن قضية عبد الهادي لا تشكل سبباً مقبولا لحل المركز، فلذا يبقى هذا الحل بلا تعديل مقبول في نظر الكثير الأكثر في الأوساط الشعبية، وفي حجم واسع لها.
ثم إنه لا تصلح الأوضاع السياسية من غير فكر وصوت حقوقي واضح، ونقد علمي موثّق، ومطالبة واعية بأساليب مدروسة ومقبولة، وملاحقة دقيقة لأخطاء السياسة وقصورها وتقصيرها.
والمؤسسات الأهلية السياسية العلنية، والمراكز ولجان حقوق الإنسان هي الأكثر قدرة على التعامل مع هذا الملف، بما لا يربك ويخلق حالة من فوضى المعلومات والأخبار والاتهامات المثيرة.
وليس كلما يسمى هيئة أو لجنة أو مركزاً حقوقياً يمكن أن يقتنع به الناس، فالمسألة تحتاج إلى ثقة، ومركز البحرين لحقوق الإنسان لن يأخذ الثقة بحجم الثقة الشعبية فيه مسمّى آخر يشبهه تكون ولادته في ظروف خاصة تثير الظنون.
ولن يتهدد الوضع السياسي في البحرين، ولن يقلقه أن يعود المركز إلى اعتباره الرسمي وممارسة دوره الحقوقي الخالص الذي يعتمد لغة الأرقام، والمطالبة العادلة بالحقوق، كما أن إطلاق سراح عبد الهادي الخواجه هو عامل تهدئة لا إثارة وتوتر على خلاف بقائه رهين الاعتقال.
اليوم فتاتان وغدا فتيات:
ربما قرأتم في الوسط (وسط الثلاثاء من هذا الأسبوع) تحت عنوان (فتاتان تثملان) قصة أن لبست الفتاتان الثوب والغترة والعقال، وأثملتهما الخمرة، وأرقصتهما، وأحدثتا جلبة في الشارع، وأخرجتهما في الشارع ملثمتين، يكثر منهما الهرج والمرج وجنون السكر.
التعليق على هذا، خطاب للسياسيين وللمربين، للمدارس والجامعات، والإعلام بأن خففوا من الميل عن صراط الله، وعن تربية القرآن، وعن القيم الإلهية فيما تضعون من خطط، وفيما تتحدثون به إلى المجتمع، وفيما توجدونه من أجواء جامعية، يشيع فيها اختلاط فاحش غير متوقّر ولا متّزن، اتقوا الله في هذه الأمة، ولا تصلوا بها إلى الهاوية. فلنتوقف عن سياسة خدعوها بقولهم حسناء.
تقنين الأحوال الشخصية:
هناك ما يقارب من 68 ألفاً من المواطنين من طائفة واحدة قد وقعوا على رفض تقنين الأحوال الشخصية، والطائفة الثانية لو تحركت في إطارها التوقيعات لما كان لها موقف مغاير، فإن إسلامنا واحد، والغيرة على العرض واحدة، والمسألة مسألة واضحة في ضوء القرآن والسنة وليست محل خلاف ليختلف الموقف بين الطائفتين.
وعليه فإن النائب المحايد من المسألة فضلا عن النائب الذي يقف مع التقنين لن يمثّل هذا العدد الهائل من المواطنين الذي يبلغ أضعافا لو استمرت التوقيعات وغطّت كل المساحة الجغرافية لهذا الوطن.
إنه نائب لبلد آخر، وممثل لبلد آخر، وليس نائبا ولا ممثلا لهذا الشعب حين يذهب إلى التقنين، وكل هذه التوقيعات تقول له لا تقنين.
وليسمح لي النواب الذين يتخذون هذا الموقف لأن هذا هو الواقع، والواقع لا يُغطّى بغربال.
كتيبات غير علمية:
تنتشر كتيبات تُوزع هنا وهناك، تتحدث عن المذهب الشيعي، وتشرح للشيعة مذهبهم الشيعي في موقفه من زيارة القبور، وفي موقفه من العصمة، وفي موقفه من مسلّمات هذا المذهب. وهي كتابات تنتجها أقلام غير شيعية.
الملاحظة على هذه الكتيبات أنها كتابات عامية بمعنى أنها غير علمية ولا متخصصة. أقول لكم أيها الأخوة بأن كل المصادر الحديثيه في المذاهب المختلفة فيها حديث مدسوس، وفيها حديث ضعيف، وفتاوى فقهاء وعلماء المذاهب لا تخلو من شاذ.
والكتابُ الذي يعتمد الحديث الضعيف، والحديث المدسوس في مصادر الشيعة، أو مصادر السنة ويعتمد هذه الفتوى الشاذة من فتاوى الشيعة، وتلك الفتوى الشاذة من فتاوى السنة، ليؤلف مذهبا على كيفه، وعلى هواه من هذه الأحاديث الضعيفة، والفتاوى الشاذة لينسبه إلى هذا المذهب أو ذاك المذهب كتاب لا يستحق القراءة وليس له وزن هذا عمل إعلامي سيء ساقط.
فن الاستدلال والاستنباط فن متعب جداً، لا تصلح له إلا أعداد محدودة من الدارسين. يأتي خريج كلية، أو حامل دكتوراه بعيد عن الاختصاص فيجمع له عدداً من الأحاديث يفهم منها بعض الظاهر ثم يقيم عليها فتاوى بعنوان الاستدلال والاستنباط؟!
يا عزيزي كل من لم يبلغ درجة الفقاهة والاجتهاد هو عامّي في اصطلاح الفقهاء، من جهة فقده القدرة الاستدلالية للأحكام الشرعيَّة، وليس له حق الخوض في الاستدلال ما لم يبلغ درجة الاجتهاد وهذا منطق علمي.
وليس متروكاً لأساتذة الشيعة، ودكاترة الشيعة، وطلاب العلوم من الشيعة أن يستدلوا بالأحاديث لعبادات أنفسهم، ولمعاملات أنفسهم. ذلك أن الأمر ليس من اختصاصهم، فكيف يحقّ لغير الشيعي أن يستدل بعقلية عامية غير اجتهادية، ويستنبط فتاوى وآراءً من أجل أن ينسج منها مذهبا على هواه فينسبه إلى الشيعة؟
هذا أمر جذري. ستقرأون كثيراً من هذه الكتب، من كتبها؟ كتبتها عقلية اجتهادية أو عقلية عامية؟ ثم إن العقلية الاجتهادية التي كتبتها -لو كانت- هل كتبتها بأسلوب اجتهادي، وبمستوى اجتهادي؟ أو كتبتها بمستوى عامي تلفيقي؟ هذه الكتيبات كلها لا قيمة لها، أقولها علميا، أنه لا قيمة لها أصلا، ولو كتبها شيعي ليبني مذهباً شيعيا وحتى لو طابق المذهب الشيعي الحق. كتابات من هذا النوع بهذا المستوى لا تعطينا تصويرا أميناً يصح الأخذ به للمذهب سواء كانت من إنتاج قلم سني أو من إنتاج قلم شيعي.
لو جاءكم شخص مراهق للاجتهاد، يعني قريباً من الاجتهاد، وكتب رسالة عملية هل يصح الأخذ بها؟ لا يصح الأخذ برسالة عملية كتبها إنسان قريب للاجتهاد، فكيف إذا صور المذهب، وأصدر الفتوى قلم عامّي خريجيّ البكلريوس أو حتى الدكتوراه؟!.
اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين.
اللهم اجعلنا من أهل حبّك وطاعتك، ولا تجعل لنا ميلاً عنك إلى غيرك، ولا زهداً في ما عندك طمعاً في عواريك عند خلقك، واجعل أملنا فيك، وثقتنا بك، وارزقنا العافية عافية الدنيا والآخرة يا كريم يا رحمن يا رحيم.

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – 52/هود.
2 – 17،16/الجن.
3 – 60/ الأنفال.
4 – 61/ الأنفال.
5 – 55-57/ يوسف.
6 – 84/ الكهف
7 – 96/ الأعراف.
8 – 55/ النور.
9 – 75/ النساء.
10 – 97-99/ النساء.
11 – فهناك من يذهب بجهله إلى أن يربط بين الإيمان وبين الضعف والاستسلام للفقر أو للظلم أو لغيرهما، فهذا شعور شاذ يجب أن يُصحّح.
12- كما نقل
13- كما نقل