مواضيع الخطبة:

المال والحياة
+ قضيةٌ حساسةٌ ولغةٌ
صريحة

على الحكومة أن تطمئن الشعب على اهتمامها فعلاً بأمر
معيشته، ورعاية حقوقه السياسية والثقافية والاجتماعية وغيرها، وتطمئن أهل كل دينٍ
على دينهم، وأهل كل مذهبٍ على مذهبهم.

الخطبة الأولى

الحمدلله الفاشي في الخلق أمرُه وحمده، الظاهرِ بالكرم مجدُه، الباسط بالجود يدَه الذي لا تنقُصُ خزائنُه، ولاتزيده كثرة العطاء إلا جوداً وكرماً وهو العزيز الوهّاب، له ملكوت السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله فهو أحقّ من يُتّقى ويُحمد ويشكر. وقد حُرِمَ من لا تقوى له ثمرةَ الحياة، وذهبت منه حياته هباءً، بل كانت عليه وبالاً. ففي الكتاب العزيز:{…. وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}(1)، ويقول سبحانه:{…. وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}(2). فالفوز والنجاح والسعادة لمن أطاع الله واتقى، لا لمن عصى واستكبر وطغى؛ فكل ربح للطاغين خسارة، وكل فرحهم حزن، وكل ابتهاج منهم ندامة.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ونقِّ قلوبنا من الشرك، وطهِّر نفوسنا من الرجس، وأذهب عنا السقم، والهمّ والغمّ، واستُر عيوبنا، واكشِف كروبنا، وأحسن عاقبتنا ياكريم يارحيم.
أما بعد، فهذه كلمة قصيرة عن المال والحياة.
1. المال زينة للحياة:-
{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً}(4).
المال ينضاف إلى الحياة فيكون زينة لها، والحياة بلا مال حياة صعبة، حياة شاقة ومضنية. فالمال له قيمة، وقيمته عالية، لكنّها لاتكون قدراً كما عليه الباقيات الصالحات التي هي حصاد هذه الحياة. الحصاد الحقيقي لهذه الحياة هي الباقيات الصالحات من فكرٍ قويم، وشعور نظيف، ونيّة صالحة، وعمل طيب.
هذه الباقيات الصالحات كما تقول عنها الآية الكريمة {… خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً}.
فقيمة المال أن يعين على الباقيات الصالحات، والمال في وظيفته الأساس لبناء الأرواح والعقول والقلوب، وما يبنيه من جسد، وما يحافظ عليه من صحة الجسد إنما هو من أجل ما هو أبعد قيمة، وأرفع شأنا وهو القلب، الروح، والعقل(5).
{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}(6).
وفي آية أخرى{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ….}(7).
والآيات الثلاث كلّ منها تحمل فقرتين، الصدر يتحدث عن المال، وذيل الآية يتحدث عن الباقيات الصالحات، عن من هو أحسن عملاً، وعن خلوص الطيبات يوم القيامة للذين آمنوا.
فالمال في الآيات الثلاث مقدِّمةٌ لما هو الأهم والأعظم شأنا وهو ما به حقيقة الإنسان من روح وعقل وقلب.
{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}(8) في الوقت الذي يكون المال فيه زينة الحياة إلا أنه امتحان وابتلاء. هذه الزينة ربّما شدّت نفس الإنسان إليها، استقطبته، وحين تنشدّ نفس الإنسان وتُستقطب لزينة الحياة يخسر حياته كلّها، وتنتهي حياته بلا عاقبة، بمعنى أنها لا تحقق غايتها، فحتى تتحقق غاية الحياة على الإنسان أن يلتفت إلى ما هو هدفها، وأن يكون انشداده إلى ذلك الهدف، غير مشغول على حدّ الطفل بما هو زينة للأرض.
هذه الزينة ليس مزهوداً فيها، والأخذ بها إلى الحد المعقول ليس فيه أي مؤاخذة، فالآية الثالثة تضيف هذه الزينة إلى الله {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ…}، وهذه الإضافة تعطي هذه الزينة شأنا، وتجعلها نعمة عالية، وقيمتها من خلال هذه الإضافة كبيرة، وبعيد عن زينة الله أن تكون حراماً {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ…} زينة مضافة إليه، وإخراجها مضاف إليه سبحانه وتعالى، وكل ذلك ينأى بها عن أن تكون معيبة أو ناقصة.
وهذه الزينة مربوطةٌ بالطيبات من الرزق؛ فحين تؤخذ زينة الله كما أُريد لها، ويكون الأخذ من الطيبات، ويلتفت الإنسان إلى هدف الحياة بأن تتجه اهتماماته، وتطلّعاته، ونشاطه، وجدّه إلى بناء ذاته، مستعينا بما على الأرض من زينة من الله، وبالطيبات من الرزق في بناء ذاته، عقله، قلبه، روحه يكون قد ربح الحياة الدنيا، وربح الآخرة، ولا ربح لهذه الحياة مطلقاً بلا أن يربح صاحبها خير الآخرة.
2. المال قيام:
وهذه الثروة قبل أن تكون ثروة أفراد هي ثروة مجتمع، ولا حركة، ولا تقدم، ولا نمو لانسانية الإنسان، ولا بلوغ من الإنسان لأهدافه حين تُبعثر الثروة العامة، وحين تتمكّن منها أيدي السفهاء، وأخطر ما يكون عليه الأمر أن يكون المال العام بأيدي السفهاء، فإنه إذا كان من الممنوع أن تُمكّن يد السفيه الفرد مما هو ماله في القانون، ومما يخصه من مال موروث، أو من مال مكتسب بيده، فإن المال، والثروة العامة حين تكون بيد السفيه تكون الكارثة، والاسلام أحرص أن لا تكون ثروة الملاين في مثل هذه اليد.
المال ليس للعب إنما هو آلية كمال، وهو عنصر من عناصر الحركة الاجتماعية، والحركة الإنسانية، وآلية ضرورية من آليات بلوغ الإنسان أهدافه الكبيرة، فهو عامل ضروري من عوامل قيام هذه الحركة، وبلوغ المسيرة الإنسانية أهدافها الإلهية المرسومة.
فالمال قيام كما تقول الآية الكريمة{وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً}(9).
ويقولا سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(10).
والإنفاق على النفس أمرٌ ضروري من ضروريات الحياة، وأبخل البخلاء لا يمكن أن يمتنع عن الإنفاق على نفسه، فالأمر بالإنفاق متّجه في الأكثر إلى غير الإنفاق على الذات والولد. إنه الإنفاق في الشأن العام، وفي الإصلاح الاجتماعي، ومن أجل بقاء الدين، والقيم السماوية الرفيعة.
وهذا الإنفاق وراءه ثمن، وثمن الإنفاق لايكون إلا حيث يكون في الحياة. الإنفاق في الآخرة لا دور له، ولا موضوع له أساساً، فهناك لا بيع، والمال هناك لا ينفع، ولا يؤدي دورا أصلا. دور المال هنا، ومن أجل أن تُشترى به الآخرة، والمال يتحقق به الإيمان، والكافرون هم الظالمون من لم يُنفق الإنفاق الذي أمر الله فقد وقع في لون من الكفر العملي، وفي لون من الظلم الذي يبعِّده من الله سبحانه وتعالى.
3. استخلاف لا ملك:
والانسان ليس مالكاً حقيقيّاً للمال وإنما هو مستخلف فيه من الله خالق الاثنين معاً ومالكهما.
{آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ}(11).
تربط الآية الكريمة بين الإيمان بالله ورسوله وبين الإنفاق من هذا المال الذي لاصلة للإنسان به إلا كونه قد استخلفه الله فيه، وعلى المستخلف أن يتعامل مع هذا المال ومع كل شيء بيده من عند الله سبحانه وتعالى حسب إرادة المستخلِف لا ارادته.
فالانسان حيث يكون مستخلفاً في المال لابد أن يراجع في تعامله معه، وتصرّفه فيه أمر ونهي وإرادة من استخلفه في هذا المال.
4. مواقف ثلاثة:
‌أ- حبس المال:
{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}(12).
انظر إلى هذا الإنفاق التي تتهدد الآية الإنسان حين لايمارسه بالنار والعذاب الأليم، هذا الإنفاق ليس إنفاقا على النفس، ليس إنفاقا لقضاء الحاجات الشخصية والعائلية من منطلق دافع الضرورة، ودافع العاطفة إنه الإنفاق في سبيل الله {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ}.
ولما جعلت الآية الكريمة جزاء عدم الإنفاق هو العذاب الأليم، وأن تُحمى بهذه الكنوز الجباه والجنوب والظهور فهذا يدل على أن عدم الإنفاق كبيرة.
هذا الأمر قد تهددت عليه الآية الكريمة بالعذاب الأليم، ومما يجعل المعصية كبيرة أن يكون تهديد قرآني لفاعلها. والإنفاق على الفقراء من غير الزكاة والخمس إنفاقاً زائدا على الحاجات الضرورية على حدّ الكفاف مستحب. هناك الزكاة الواجبة والمسؤولة عن بلوغ مستوى الفقير إلى حد الكفاية، وهناك إنفاق آخر غير الزكاة مسؤوليته أن يؤمّن حد الكفاف إلى الفقير، وما هو أكثر من ذلك فهو مستحب.
الإنفاق المذكور في الآية الكريمة ليس من النوع المستحب بعد تهديد تاركه بالعذاب الأليم. وهو إنفاق في سبيل ومن أبرز مصاديقه الانفاق على حركة الدين.
حين يُهدّد الدين، وتضمُر مشاريعه، وتكون الساحة محتاجة إلى المدرسة الدينية، … إلى المكتبة الإسلامية، محتاجة إلى المسجد القادر على الاستيعاب، … إلى الجامعة الدينية،… إلى النشاط التبليغي، فالأمة أفراداً وجماعات ليس بوسعهم أن يدّخروا أموالهم في هذه الحالة، وعليهم أن يدفعوا بحركة الدين إلى الأمام، وأن يبقوا الدين حياً من خلال مشاريع نشطة تغذّي الوعي، وتغذي الشعور، وترسخ العقيدة، وتدرأ الشبهة، وتصحح المسار الديني عند الناس.
{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ…} هذا الكنز ليس كنزاً عن الإنفاق الشخصي، ليس كنزا عن الإنفاق العائلي، إنما هو كنز عن الإنفاق في سبيل الله، كنز يعني الاحتفاظ بالمال للنفس والولد دون سبيل الله، وهو يعني عدم تحمل المسؤولية في نشر الدين، في الحفاظ على الدين.
كان هذا الكنز من أجل خير النفس، من أجل تأمين المستقبل، وإذا النتيجة أن يأتي هذا الكنز محميّاً عليه بالنار، وتكوى به جباههم والجنوب والظهور.
وحبس المال يعني تعطيلا لعامل حركة وإعمار، ويعني إلغاء لدور عملي إيجابي لجهد بشري شارك فيه الفكر والبدن.
ما هو المال؟ المال ثروة طبيعية بالإضافة إلى جهد بشري فكري وعضلي.
كثير من المال فوق الأرض هوجهد لقرون بشرية، جهد لملايين، وحين تكون الثروة محبوسة في بعض الأيدي القليلة تكون قد حبست جهد الملايين، وصادرت جهد الملايين، وخلاصة ما أعطته حياة الملايين على وجه الأرض من أثر تركته بعدها.
أقرأ بعض النصوص:
(إنكم إلى إنفاق مااكتسبتم أحوج منكم إلى اكتساب ما تجمعون)(13).
القيمة في المال أن ينفق في الوجه الذي يبني هذا الإنسان، يبني الحياة، يبني الفكر، يبني العقل، يُنقذ بطونا جائعة، ينقذ طائفة من الناس لولا هذا المال لأضلهم الجوع، ولأوقعهم الجوع في الكفر، ولأوقعهم الجوع في المذلة. قيمة المال قيمة أي شيء في هذه الحياة أن يتحول روحا شفافة، فكرا مستقيما، شعوراً نقيّاً صافيا، أن يتحول دورا إنسانيا إيجابياً.
هناك إنفاقان:
عن الصادق (ع):(ملعون ملعون من وهب الله له مالاً فلم يتصدق منه بشيء)(14).
وعن علي (ع):(إن إنفاق هذا المال في طاعة الله أعظم نعمة، وإن إنفاقه في معاصيه أعظم محنة(15))(16).
أعظم نعمة هي طاعة الله، فحيث ينفق المال في طاعة الله يكون ذلك أعظم نعمة لأن هذا المال قد تحول إلى طاعة.
الآية الكريمة:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(17).
الزكاة التي يأخذها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لايأخذها إلا من منطلق وعي ثيّر، ومن منطلق هدف كبير، الصدقة التي يأخذها رسول الله وتُسلّم إليه بما هو رسول الله تُسلّم إليه لبناء المجتمع وحياة الرسالة تنازلا عن المال وتمسّكا بالمبدأ، وتقديماً للمبدأ على المال، وللآخرة على الدنيا، ولمصالح الرسالة على شهوات الذات.
هذه الصدقة من هذا المنطلق تبني فكرا رساليّاً، وعيا ايمانيا، مشاعر انسانيَّة، توجّها كريما، روحية عالية، تدفع بإنسانية الإنسان إلى الأمام، تخلص الإنسان من الشح، والبخل، تخلصه من الانشداد إلى الدنيا، ترتفع بهمه، تشد نظره إلى الله سبحانه وتعالى فتخلق منه الإنسان المحلّق في إنسانيته، الكبير في شأنه، إلى إنسان عظيم في منزلته عند الله سبحانه وتعالى.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتولنا برعايتك وكفايتك وكلاءتك.
اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وعملنا من الرياء، ولساننا من الكذب، وعيننا من الخيانة، ووفقنا للأخذ بطاعتك، والبذل في سبيلك، وقصد التقرب إليك يارحيم ياكريم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ (9)}

الخطبة الثانية

الحمدلله على حلمه بعد علمه، والحمدلله على عفوه بعد قدرته، والحمدلله على طول أناته في غضبه، وهو قادرٌ على ما يريد. الحمدلله مرجع الإحسان كله والجميل تمامه، والإنعام من أوله إلى آخره. لا قدرة إلا من قدرته، ولا قوة إلى من قوته، ولا حول إلا بحوله.
أشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وزاده تحيةً وسلاما.
أوصيكم عباد الله ونفسي الأمارة بالسوء بتقوى الله، والتوكل عليه، والثقة به، والإعراض عن السوء، والإقبال على الخير، والاشتغال به. فمن أعرض عن السوء لم تنبت شجرته الخبيثة في نفسه، ولم تتأصل جذورها في مشاعره، وكان له من الخير الذي يمارسه أطيب الزاد الذي يملأ جوانحه، وأكرم المشاعر التي يَعبَق بها داخله. ولا أربح للنفس من أن تطبيب وتزكو، ولا أخسر لها من أن تخبو وتكبو، وإن أفلح فلاحها أن تعمر بالخير وتزدهر، وإن أكبر خيبةٍ لها أن يغمرها الشر وتنحدر.
اللهم صل على محمدٍ وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين. اللهم أعذنا من سوء النفس وخبث زادها، وارزقنا طيب القلوب والأرواح وزكاتها، واجعلنا من المقيمين دائماً على طاعتك، والمفارقين أبداً لمعصيتك يا كريم يا رحيم.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على المصطفى خاتم النبيين والمرسلين محمد بن عبدالله الصادق الأمين، وعلى عليٍ أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة المعصومة، وعلى الأئمة الهداة: الحسن بن عليٍ الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمدٍ بن علي الباقر، وجعفرٍ بن محمدٍ الصادق، وموسى بن جعفرٍ الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن عليٍ الجواد، وعلي بن محمدٍ الهادي، والحسن بن عليٍ العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم عجل فرج وليك القائم المنتظر، وحفه بملائتك المقربين، وأيّده بروح القدس يا رب العالمين.
عبدك الموالي له الممهد لدولته والفقهاء العدول والعلماء الصلحاء والمؤمنين والمؤمنات وفقهم لمراضيك، وسدد خطاهم يا كريم يا رحيم.
أما بعد، فالموضوع قضيةٌ حساسةٌ ولغةٌ صريحة.
ما من حكومةٍ إلا وتريد أن تأمن على كرسيّها، وقد تكون معتدلةً في خوفها على الكرسي، وقد يستبد بها خوفها، وتبلغ حدّ الهوس. وفئة الانتهازيين من أكلة لحوم الناس سببٌ في مبالغة الخوف عند الحكومات دائما. وفي المقابل ما من شعبٍ إلا ويريد أن يأمن على معيشته وحقوقه، ويهمه أمنه وكرامته. وما من أهل دينٍ أو مذهبٍ إلا ويريدون أن يأمنوا على سلامة دينهم ومذهبهم واستقلاليته في أي وطنٍ كانوا من الأوطان.
والعلماء يدركون كل هذا، ويهمهم ما يهم غيرهم من أبناء الشعب من الحفاظ على الحقوق، والتأمين على مستوىً معيشيٍ كريمٍ للشعب، وأن يأمن أهل الأديان السماوية وأهل المذاهب على أديانهم ومذاهبهم، فلا تصادر حرية الشعائر، ولا يمتلك على أهل دينٍ أو مذهبٍ أمر دينهم ومذهبهم، وتكون رعاية مصالح الأديان والمذاهب بغير يد أهلها، وعلى خلاف نظرها.
كما أن العلماء في الإطار الأوسع من الوجود المؤسسي وغيره، وكذلك الرموز السياسية وعموم الشعب، مستعدون تماماً – فيما أرى – أن يطمئنوا النظام الحاكم في البلد بأنهم لا يستهدفون زعزعته والتأثير السلبي على أمنه. وقد قدموا البرهان على ذلك فعلاً بتصويتهم على الميثاق، وما أعقب ذلك من إعلان الناس لأفراحهم، وليس داخلاً في حسابهم أن يناهضوا وجود هذا النظام الرسمي.
وبقي على الحكومة أن تطمئن الشعب على اهتمامها فعلاً بأمر معيشته، ورعاية حقوقه السياسية والثقافية والاجتماعية وغيرها، وتطمئن أهل كل دينٍ على دينهم، وأهل كل مذهبٍ على مذهبهم. ولن تجد من حرية المذاهب واستقلالية قرارها في رعاية شؤونها ومصالحها الدينية ما يضر بأمنها.
بينما – وللأسف الشديد – يقوم الفساد الإداري، والمالي، والبطالة، وغياب التأمين المعيشي للعاطلين والعاجزين، والتجنيس والتهميش السياسي للشعب، على مستوى الدستور، والتدخل في الشؤون المذهبية، ومضايقة الشأن الديني عامة، شواهد حيةً صارخةً على عدم وفاء الحكومة بتعهداتها لحد الآن.
وعلى الحكومة أن تفرق بين أمرين، الفرق بينما شائعٌ جداً، وهما: المطالبة بالحقوق المتفق عليها والتي لابد منها، ثم تهديد النظام، فلا ترتقب من الشعب أن ينام عن حقوقه، ولا فخر في حكم شعبٍ لا يعي حقوقه ولا يطالب بها. وأمَّا تهديد النظام فلا أراه من نية حتى أكثر المتشددين في المطالبة بالحقوق.
ولو شذّ شاذ في هذا المجال – ولا أراه – فإنه سيبقى على شذوذه ولشذوذه. وقد أعطى الناس التطمين الكافي من هذه الجهة في قضية الميثاق، وما أعقبه من مسيرات التأييد والتأكيد كما تقدم، ولازال الناس مستعدين أن يعطوا التطمين من هذه الجهة.
ولألامس وتراً أكثر حساسيةً في الموضوع المطروح، وهو أن النظام ربما عاش هواجس خاصةً من الفكر السياسي الشيعي، بما فيه من مسألة الإمامة وولاية الفقيه، مما قد يفكر بأنه لا يستقيم مع تقبّل الحكم الوراثي في البلد، وقبل معالجة هذا الأمر المثير للحساسية جداً، لابد أن نلتفت إلا أن الفكر السياسي السني يرتبط بالخلافة الراشدة وشروطها، وأن الفكر الديمقراطي لا يقبل بتعيين الحكومات، ولا يصلح قاعدةً في أفقه الواسع، ومعناه العميق، قاعدةً للحكم الوراثي، ولا يعتبر الشرعية لما تفرضه لغة الأمر الواقع.
فالاشكال من هذه الناحية ليس خاصاً بالمذهب الشيعي، إنما يعم المذهب السني، ويعم الديموقراطية الغربية.
أما ما يعالج إشكالية المفارقة بين الفكر السياسي الشيعي، وصيغة الحكم الوراثي، وما تثيره هذه المفارقة من شكٍ في الموقف العملي الشيعي في المسألة، فالكلام فيه يمكن أن يكون بالنحو التالي:
يجب أن نفرق بين الشرعية الدينية لنظام الحكم، وكونه حكماً إلهياً، ومن صناعةٍ قرآنية، وبين شرعية قبوله عملياً، والتعامل معه، مما يحفظ مصلحة الوطن والأمة، ويؤمن الاستقرار، ويقي من الكوارث، ويساعد على التقدم.
وليس على الناس وغير مطلوب منهم أن يعتقدوا في داخلهم بأن النظام الفلانيّ منزلٌ من عند الله، ولو كان هذا هو المطلوب، فإنه غير حاصلٍ من الشيعي ولا من السني بالنسبة لكل الأنظمة الوضعية على الإطلاق.
فكما أن الشيعي لا يعتقد بأن النظام الوضعي الذي يحكمه هو نظامٌ قرآنيّ، منزلٌ من عند الله، كذلك السنيّ لا يعتقد بأن النظام الوضعي منزلٌ من عند الله، وأنه نظامٌ قرآنيّ.
فالشرعية الدينية لا يمكن اتصاف أي نظامٍ بها، ما لم تكن البيعة له مقيدةً بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، وعلى أساسهما في كل المذاهب. كل المذاهب ترى أن أقلّ ما يحقق صفة الشرعية الإسلامية والإلهية لأي نظام، هو أن تكون البيعة معه على أساس كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله، لا على أساس دساتير وضعية، فإن البيعة على أساس الدستور الوضعي لا يمكن أن تحقق الشرعية الإلهية كما هو بديهيٌّ عند جميع المسلمين. وليس الأمر خاصاً بمذهبٍ دون مذهب. فالنظام لا يكون دينياً في ظل دستورٍ وضعيٍ عند المسلمين على الإطلاق.
ثانياً: إن سادة المذهب الإمامي وأئمتة المعصومين عليهم السلام، قد عاشوا في ظل حكم غيرهم لقرون، ولم يقودوا ثورةً ضد أنظمة الحكم التي عايشوها، ولم يسجّل عليهم أن حاكوا مؤامرةً للاطاحة بها. وثورة الإمام الحسين عليه السلام كانت لخصوصيةٍ في يزيد وحكمه، الذي كان يهدد الإسلام والمسلمين بالمحق الكامل، ولما أراده من إكراه الإمام الحسين عليه السلام على البيعة، وما كان عليه وضع الأمة من الاقتراب إلى الهاوية. والحسين عليه السلام نفسه لم يسمع لمن أراده أن يثور على حكم معاوية. والأئمة إثنا عشر، والثائر منهم على الحكم المخالف هو إمامٌ واحد، والإمام الثائر سيرته حجة، والأئمة الآخرون سيرتهم حجة.
وحين يهدّد الإسلام، ويعمل أي نظامٍ على اقتلاعه من جذوره، فحينئذٍ لا يتوقف شيعيٌ ولا سنيٌ عن الثورة ضد ذلك النظام.
أما في الظروف العادية فإنه كما يمكن للسنيّ أن يتعايش مع الأنظمة القائمة بإذنٍ من مذهبه، فكذلك يمكن للشيعي أن يتعايش مع الأنظمة القائمة بإذنٍ من مذهبه. وفي سيرة المعصومين عليهم السلام حجةٌ قاطعةٌ، وهي ثابتةٌ في هذا المجال.

ثالثاً: قد عايشت المرجعية الدينية والحوزة العلمية في النجف الأشرف أنظمة الحكم المختلفة في العراق، ومن المذهب الآخر، ولقد كانت المرجعية والحوزة مسالمةً لتلك الأنظمة، ولم يكن تحركٌ ولا مواجهاتٌ إلا عندما طغى الكيل وبلغ سيل الظلم، والاضطهاد، والتشريد، والقتل الزبى على يد صدام، الذي ضاق به في آخر المطاف ذرع الأشقاء والأصدقاء من الدول المجاورة وغيرها، ممن كانوا يدعمونه ويناصرونه، ولا يمكن أحدٌ إلا أن يدافع عن نفسه بعد أن يهدد فيها.
وحتى ثورة السيد الإمام الخميني أعلى الله مقامه، في قبال الشاه، كانت عند مفترق طرق، حيث أراد الشاه أن يبيع إيران، أو قد باعها بالكامل على أمريكا، وجعل نفسه حرباً على الإسلام وأهله، وكانت محاولته اجتثاث الإسلام من جذوره.
وأؤكد أنه ليس من مسلمٍ شيعيٍ ولا سنيٍّ إذا رأى بيضة الإسلام تهدد، وأن الإسلام أصبح في كفّ عفريت، يسعه الحال إلا أن يتحرك.
رابعاً: يدفع الشارع في البحرين للحركة الحقوقية أكثر من عامل، من ذلك: ضغط الواقع السياسي والمعيشي، والحسّ الديني العام، فإن الإسلام بكل مذاهبه لا يقبل للمسلم أن يجوع ويشبع الآخرون بظلم، ولا يقبل له أن يسكت على ضياع الحقوق، هذا الحسّ العامّ الدينيّ، الموجود في داخل كل مسلم، عاملٌ من عوامل الحركة الحقوقيَّة.
عاملٌ آخر، هو الثقافة الحقوقيَّة – الغربية التي تبثها الصحافة والقنوات الإعلامية عالمياً ومحلياً، ليست الثقافة الدينية العامة أو المذهبية الخاصة، وإن كانت الثقافة الحقوقية في الإسلام أعمق تجذراً، وأشد تأصيلاً، وأوسع أفقاً.
صحيحٌ أن الثقافة الإسلامية الحقوقية ثقافةٌ واسعةٌ متجذرةٌ متأصلةٌ، ولا يملك الغرب ثقافةً حقوقيةً كما عليه واقع الثقافة الحقوقية عندنا في الإسلام. ولكن لأن الشارع المسلم لا يعرف من إسلامه الكثير، يكون تحركه للمطالبة بالحقوق من وحي الثقافة الوافدة في هذا المجال، أكثر من تحركه على هذا الخط بوحيٍ من الثقافة الحقوقية في الإسلام، كما تشهد بذلك لغته وشعاراته وممارساته.
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على محمدٍ وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين ولوالدينا، ولمن أحسن لنا من المؤمنين والمؤمنات إحساناً خاصاً.
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك. اللهم اجعل عمرنا في طاعتك وعافيتك مديداً، ومنقلبنا إليك حميداً، ومستقبلنا عندك سعيداً، ومأوانا جنتك، وجائزتنا رضوانك، يا أكرم من سئل وأجود من أعطى.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}
ــــــــــــــــــ
1 – 128/ الأعراف.
2 – 132/ طه.
4 – 46/ الكهف.
5 – فالمال للحياة ولكن لا لحياة البدن إلاَّ بماهي طريق لتقدم العقل وزكاة القلب وسمّوِ الروح.
6 – 7/ الكهف.
7 – 32/ الأعراف.
8 – 7/ الكهف.
9 – 5/ النساء.
10 – 254/ البقرة.
11 – 7/ الحديد.
12 – 34- 35/ التوبة.
13 – ميزان الحكمة ج10 ص171.
14 – ميزان الحكمة ج10 ص171.
15 – وأعظم محنة لأنه ستكوى به الجباه والجنوب والظهور أو أكثر عند ما ينفق في المعصية.
16 – ميزان الحكمة ج10 ص171.
17 – 103/ التوبة