مواضيع الخطبة:
الخطبة الأولى: وقفة مع روايات أخرى عن العقل.
الخطبة الثانية: الديموقراطية والإسلاميون

* هناك حرص من المرجعية في العالم الإسلامي ومن العلماء على
الحفاظ على تماسك المجتمع الإسلامي.

* العاقل من رأى عظيم خير الآخرة عظيماً، وخطير شرها
خطيراً فدفع عن نفسه في أيام دنياه خطير ذلك الشر، وأعدها لعظيم ذلك الخير.

الخطبة الأولى

الحمدلله الذي خلق العقل وأكرمه بنورٍ من نور معرفته، ودلَّ به على وجوب شكره وعبادته، وجعل عليه مثوبة الإنسان إذا أطاع، وإذا عصى عقوبته.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيرا كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي الغافلة بتقوى الله فإنه “ما نقل الله عزّ وجلّ عبداً من ذُلّ المعاصي إلى عزّ التقوى إلا أغناه من غير مال، وأعزَّه من غير عشيرة، وآنسه من غير بشر” كما عن الإمام الصادق عليه السلام.(1). وإن “التقوى ظاهره شرف الدُّنيا، وباطنه شرف الآخرة” كما عن أمير المؤمنين عليه السلام(2).
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وبيّض وجوهنا يوم تسودُّ فيه الوجوه، ولاتسوِّد وجوهنا يوم تبيضّ فيه الوجوه. اللهم اجعلنا من أهل عافيتك وكرامتك في الدنيا والآخرة ياأكرم الأكرمين، وياأرحم الراحمين.
أما بعد يا أخوةَ وأخواتِ الإيمان فوقفةٌ مع بعضٍ آخر من روايات العقل:
“لايستعان على الدهر إلا بالعقل” عن علي عليه السلام(3).
– مشاكل الحياة لاتنتهي، وتشابكات الأمور فيها الغموض على الكثير، والانفعال كثيراً ما يؤزّم القضايا، ويسد أبواب الحل، ولئن احتاجت الحياة إلى الحماس – وهي محتاجة له – فإنها أحوج إلى إعمال العقل والحكمة، ومخزون التجربة، والدراسة والتأمل، ومحاكمة الأمور لاستخراج الرأي الأكثر صواباً، والأشدِّ استقامة. وكل مجتمع محتاجٌ إلى عقلاء لاتغلب عقلَهم عواطفُهم، ولايفقدون الحكمة في إعصار الأحداث الكبار.
والعقل الذي يُخاض به غمار الحياة بمواقفها العملية التفصيلية في دائرة العلاقات الاجتماعية والسياسية وغيرها فيستعانُ به كثيراً على مواجهة التعقيدات المستجدة هو ما تقول عنه الكلمة عن الإمام علي (ع) “العقل حِفظ التجارب، وخير ما جرَّبتَ ما وعظك”(4).
وحِفظ التجارب لايعني ضبطها في الذهن أو الورق وإن كان منه ذلك. حفظ التجارب يعني كذلك الاستفادة من مخزون التجربة، وتفعيل التجارب الماضية في المواقع والمواقف والأحداث المستجدة.
إذا كان المرء بعد تجربة الأربعين سنة يُقابل الموقف كما كان يقابله ما قبل أربعين سنة من عمره بالفجاجة نفسها، والانفعال نفسه، ودرجة التفكير نفسها فإن سجلّ تجاربه قد ذهب هباءً، فالمهمُّ في التجارب أن تُستحضر بكاملها في الموقف الجديد، وأن تُتّخذ المواقف المستجدة في ضوء كل التجارب وإن تقادمت.
وما أشد حاجة المتصدّين للشأن العام من حياة الناس إلى هذا الوجه من العقل الذي تحدثت عنه الكلمة عن أمير المؤمنين بهذا اللسان “ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل من يعرف خير الشّرّين”(5).
معرفة الخير من الشر عقل، ولكن العاقل المتميّز هو من عرف خير الشرين(6)، وخير الخيرين(7)، وخرج من تزاحم الخير والشر بنتيجة واقعية واضحة تدفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر، وتطلبُ المنفعة الأهم وإن ضاعت بذلك المنفعة التي هي دونها.
الخسارات متفاوتة، والأرباح متفاوتة وقد لانُدرك ربحاً إلا بارتكاب خسارة، ولاتدفع خسارة إلا بخسارة أخرى. الظروف تقول لك ذلك، والمعادلات الموضوعية تفرضه عليك. والحنكة أن تقارن وتوازن، وتُقدِّم الأهم على المهم، وتدفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر.
الذين لايقبلون أن يرتكبوا ضرراً أصغر لدفع الضرر الأكبر فهم يفقدون العقل، فإن مواقف تفرض إما أن ترتكب الضرر الأصغر وإما أن ترتكب الضرر الأكبر، ورفضك الضرر الأصغر هو قبول بالضرر الأكبر في مثل هذه المواقع، ومن يقدّم هلاك نفسه على قطع يده؟! العاقل لايقدم هلاك نفسه على قطع يده، وإنما يقبل بقطع اليد دفعا لهلاك النفس.
وهذا سار في أمور الدين كما هو سار في أمور الدنيا، تقول لي هذا الموقف فيه ضرر على الدين، أقول لك أنا أقبل به لأن فيه دفع ضرر أكبر عن دين الله، ولايصح أن نحمّل دين الله ضررا أكبر لدفع الضرر الأصغر. وهو جار في الأمور الكبيرة كما هو جار في الأمور الصغيرة. وأصل تضحية المؤمن بالكثير من الدنيا لهذا الوجه، لماذا يضحي المؤمنون بكثير من أمور الدنيا، وبكثير مما هو خير دنيوي؟ لهذا الوجه(8)، وباعتبار أهمية الآخرة.
ونقرأ الكلمة عن الإمام الكاظم عليه السلام “إن العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب، وترك الدنيا من الفضل، وترك الذنب من الفرض”(9).
تركان: ترك للحرام، وترك للتزيّد من الحلال والتُّخمة منه. الترك الأول فرضٌ، والتخلي عنه فيه العقوبة. والترك الثاني فضل وكمال، وفي تضييعه حرمان. وما أشد الحسرة في المعاد لأيام تأكلها الدنيا، وتضيع في جمع المال للمال فضلا عن جمعه للمُتع الحرام.
ولنعرض قول أمير المؤمنين علي عليه السلام على نفوسنا نزِنها به “إن العاقل من نظر في يومه لغده، وسعى في فكاك نفسه، وعمل لما لابد له منه، ولامحيص له عنه”(10) عامل، فلاح، عالم، خبير، سياسي. طالب… أياً كان الإنسان إذا كان مرمى نظره الدنيا، وهمُّه حبيساً فيها، ونفسه أسيرة لها، وعمي عن مستقبلٍ كل لحظة من العمر تأخذ به إليه، وتقترب به منه، ولا حيلة له في التخلف عنه، أو تأخيره، أو الفرار منه وهو مستقبل قادم، ومستقبل كبير خطير فلا عقل له.
دنيا معجّلة. وآخرة مؤجّلة، ولكن هذه الدنيا لاتكاد أن تكون لها نسبة إلى تلك الآخرة، كل العمر مئة سنة، اجعله مئة وخمسين سنة، ما حصيلة لذّاته؟ وما حصيلة غصّاته؟ وكم سيستمتع الحي فيها، قس مئة وخمسين سنة بما هي عليه من واقع اللذة والمنفعة والألم والمضرة إلى أبد لاانقطاع له، والآخرة ابدٌ لاانقطاع له.
حين يبيع أحدنا الآخرة لهذه الدنيا هل يمكن أن يكون في ميزان العقل عاقلا؟ إن الذين يشترون الديا بالآخرة إنما يشترون الذي هو أدنى بالذي هو خير،
العاقل ذلك الذي أصاب بعقله قيمة الدنيا الفانية على حقير ما فيها، والآخرة الباقية على عظيم مابها فصوّب النظر إلى الآخرة، وصبّ اهتمامه عليها، وأبى لنفسه أن تسجنها اهتمامات الدنيا وشهواتها وتفاهاتها وقضاياها الصغيرة، وصراعاتها الحقيرة دون أن تنطلق على مسارها الكريم إلى بارئها العظيم متكاملة تزداد وعياً ونضجاً وطهراً وزكاة على الأيام لتأتي ربها مطمئنة راضية مرضية.
العاقل من رأى خير الآخرة عظيماً، وخطير شرها خطيراً فدفع عن نفسه في أيام دنياه خطير ذلك الشر، وأعدها لعظيم ذلك الخير.
اغلب عسكرياً واخسر نفسك وآخرتك فأنت خاسر، اغلب سياسياً واخسر دينك فأنت خاسر، تعملق اقتصاديا وانس معناك وغدك فأنت خاسر، كن العالم الظالم فأنت خاسر، اشتهر أي شهرة ولتنتشر سمعتك طيبة في كل الدنيا وأنت تخون دينك وتعلم من نفسك هذه الخيانة فأنت خاسر. ومن اختار الخسارة وطريقُ الربح مفتوح أمامه فهو مجنون لاعاقل.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا وأرحامنا، ومن أحسن إلينا إحسانا خاصا من مؤمن ومؤمنة ومسلم ومسلمة.
اللهم اجعلنا من أهل العقل الحقِّ بطاعتك، والتورع عن معصيتك، وطلب جنتك، والفرار من نارك، واللواذ بعفوك ومغفرتك، والقصد إلى رضوانك يا محسن ياكريم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)}

الخطبة الثانية

الحمدلله الذي تتعلّق كلُّ الخلائق بفيضه في حدوثها، وتفزََعُ إليه في بقائها، وترجع إليها في مآلها، ولاتجد غيره مُبدئاً، ولا مرفدِاً، ولاقاضياً في أمرها، ولامعيداً.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيراً كثيرا.
أوصيكم عباد الله ونفسي الخاطئة بتقوى الله التي أوصى بها العباد رحمة وإكراماً لهم، ورفعة لشأنهم، وإنقاذاً من الحضيض، وقد قال سبحانه {يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير}. ولئن كان اللباس المعروف ساتراً لقبائح البدن، ومواطن عوراته، وعوارض بشرته مع بقاء ماكان منه معيباً على وصفه وحالته، فإن لباس التقوى يُنقِّي الروح، ويُصفِّي القلب، ويُلئلئ ذات الإنسان في داخلها من غير أن تنطوي على عيب، أو تتدنس برجس. وإن الزينة الكبرى لهي زينة التقوى تجمل بها النفس، وتكمل الذات، وتنطلق الروح إلى بارئها سعيدة.
اللهم إذا توفيتنا فتوفنا مسلمين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وهب لنا جميعاً خير الدنيا والآخرة وكرامتهما ياأكرم الأكرمين.
اللهم صل وسلم على خاتم رسلك وأنبيائك الصادق الأمين محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله. وصل وسلم على أمير المؤمنين، وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء التقية الصديقة النقية.
وعلى الأئمة الطاهرين الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم عجل فرج ولي أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائتك المقربين، وأيِّده بروح القدس يارب العالمين. اللهم انصره نصرا عزيزا، وأيّده تأييدا مبيناً.
اللهم عبدك الموالي له، الممهد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين وفّقهم لمراضيك، وسدد خطاهم على سبيلك.
أما بعد أيها الأكارم من مؤمنين ومؤمنات فالحديث في موضوع واحد وهو الديموقراطية والإسلاميون.
الديموقراطية ليست من مستوى النظرة الأساس فتحتاج إلى تأصيل.
هناك قضايا أساس تنبني عليها كل الحياة، وهناك قضايا فوقية تحتاج إلى بنية تحتية لتقوم عليها. الديموقراطية من القضايا الثانية وليست من القضايا الأولى.
فالديموقراطية تحتاج إلى تأصيل لا أنها هي التأصيل. والتأصيل الغربي للديموقراطية غير وارد عند الإسلاميين.
والإمامة قضية من القضايا الفوقية، والشورى قضية من القضايا الفوقية، وليستا من القضايا التحتية التي تتأسس عليها بنية الحياة. القضية الأم التي تتأسس عليها بنية الحياة، وتقوم عليها مثل قضية الإمامة والشورى هي قضية التوحيد، فهل نجد تأصيلا للديموقراطية في الإسلام أو لانجد تأصيلا؟
الديموقراطية بمعناها الغربي لا نجد لها تأصيلا في الإسلام وإنما تأصيلها يتنافى مع التأصيل الإسلامي تماما، لكن هذا لايعني أن الإسلاميين يعادون الديموقراطية بكل معانيها.
سنتحدث في اختيار النظام السياسي، ونظام الحكم. نتحدث هل في أن المجتمع يختار نظامه السياسي، وله أن يختار السلطة في نظر الإسلام أو ليس له ذلك؟
فلنسأل:
هل نحن مخيّرون بين الإسلام وغيره؟
من ناحية تكوينية نحن مخيّرون، يعني أنت تمتلك قدرة على أن تختار الإسلام وعندك الإرادة الكافية لأن تختار الإسلام على غيره، أو تختار غيره عليه، وهذا واضح. الكل منا يمتلك إرادة كافية موهوبة من الله سبحانه وتعالى لأن يُقدّم الإسلام على غيره في حياته أو أن يقدم غيره عليه.
أما التخيير التشريعي: يعني هل هناك تشريع في الإسلام يُخيّر الإنسان بين الإسلام وغيره؟ لا، الإسلام من ناحية تشريعية يقول لادين إلا الإسلام، ولا أطروحة إلا الإسلام.
من أراد أن يطيع الله فليس أمامه إلا أن يأخذ بالإسلام. فلا تخيير من ناحية تشريعية وإنما التخيير من ناحية تكوينية.
وإذا كان للإسلام طرح سياسي، فهذا الطرح السياسي ليس محل التخيير، وإنما الإنسان لايقبل منه الإسلام إلا أن يأخذ بنظامه السياسي في حالة الاختيار.
وعن اختيار السلطة. إذا وُجد الرسول صلى الله عليه وآله وطرح نفسه حاكماً فليس لأحد من المسلمين أن يتخلّف عن قبول حاكميته. يستطيعون أن يمتنعوا عن حاكمية الرسول صل الله عليه وآله ولا يتعاونون معه على مستوى الإرادة التكوينية، أما من ناحية تشريعية فليس لهم أن يتخلّفوا عن حاكميته صلى الله عليه وآله ودعمها.
وإذا وُجد المعصوم عدا النبي صلى الله عليه وآله وطرح نفسه حاكماً فليس لأحد من المسلمين أن يتخلّف عنه وإنما على الجميع مبايعته.
هم من ناحية إرادية تكوينية يستطيعون أن يمتنعوا عن مبايعة المعصوم، ويستطيعون محاربته، لكن إذا أرادوا أن يكونوا مؤمنين، مطيعين لله سبحانه وتعالى فليس أمامهم إلا أن يبايعوه عليه السلام.
وإذا قلنا بأن الفقيه خليفة المعصوم في غيابه من ناحية الدور السياسي، ودور الحاكمية فإنه إذا طرح نفسه حاكما وجب على المسلمين أن يبايعوه، وهم يستطيعون أن يمتنعوا عن مبايعته، ويستطيعون محاربته من ناحية تكوينية، أما على المستوى التشريعي فإن الإسلام لايسمح لهم بالتخلّف عن هذه البيعة.
فإذاً، المسلمون لايتمتعون من الناحية التشريعيَّة، والصلاحية الدينيَّة بأن يقبلوا الحكم الإسلامي أو لايقبلوه، وإنما عليهم قبوله، ليس لهم أن يتخيّروا بين نظام سياسي إسلامي، وبين نظام سياسي علماني مثلا، وكذلك الأمر بالنسبة إلى شخص الحاكم عند حضور المعصوم عليه السلام، أو وضعه عند غيابه، فعند حضور المعصوم يكون متعيناً، وفي حال غيابه تكون أوصاف الحاكم مأخوذة من الشريعة.
نعم إذا وجد أكثر من فقيه كفء للمنصب ورشحوا أنفسهم لملئه، فإن لهم أن يتخيروا بين هؤلاء الفقهاء ويبايعوا من يرونه أنه الأصلح، وهذه البيعة إما أن تأتي على مستوى أهل المشورة، أو تأتي على مستوى الأمة بكاملها.
إذاً لماذا يقبل الإسلاميون والفقهاء – بعد هذا الذي قلناه – إرجاع الأمر إلى الشعب؟
السيد الخميني (قده) بعد أن قاد الثورة وأسقط الشاه كان حاكما من ناحية فعليَّة، واحتضنت قيادته وحاكميته قلوب الملايين، وكان يمكن له أن يفرض أي نظام سياسي على إيران، إلا أنه طرح النظام السياسي وقضية اختيار الإسلام وعدم اختياره نظاماً سياسياَّ للتصويت. من أين كان للسيد الإمام أن يطرح القضية للتصويت؟ سؤال كبير.
سماحة السيد السيستاني اليوم يطرح قضية الانتخابات، ويدعو الشعب العراقي إليها، ويوجب على الشعب العراقي أن يخرج إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بصوتهم للحكومة المنتخبة المؤقتة. من أين للسيد السيستاني حفظه الله أن يدعو لهذه الدعوة في وقت يعلم فيه أن الحكومة لن تكون إسلامية، وأن الحكم في العراق اليوم لن يكون إسلاميا. بالمعنى الدقيق، أيضا هذا سؤال كبير يفرض نفسه.
هناك ظرف عادي، وظرف ثانوي، ونحن في ظروف ثانوية، وليست ظروفاً عادية. والحكم الشرعي قد يأخذ صيغة أخرى في ظل الظرف الاستثنائي دون صورته في الظرف العادي، ونحن نقبل في هذا العصر قضايا التصويت على أصل النظام السياسي، وعلى تشخيص السلطة، ومن يكون الحاكم. فحتى لو كان الطرح هو التخيير بين الإسلام وغيره، أو كان الطرح بين فقيه وبين غير فقيه ممن لا يصلح في نظرنا للحكم من ناحية شرعية فنحن نقول للانتخابات نعم.
ووراء الموقفين الحكيمين للسيد الإمام وللسيد السيستاني خلفية تامّة. كان عند السيد الإمام اطمئنان كامل بأن خيار الشعب الإيراني وفي ظل تلك الظروف الخاصة لن يعدو الإسلام، ولن يقدّم الإيرانيون على الإسلام شيئا، وإذا اختاروا الإسلام التفوا حوله، ودافعوا عنه، وأعطوا أنفسهم له ذلك لأنه خيارهم.
اطمئنان السيد الإمام أن الشعب الإيراني لن يقدّم على الإسلام أمرا آخر كان خلفية من الخلفيات التي تجعله يطرح القضية للتصويت.
وفي ظروف كظروف اليوم، وفي القضية العراقية، المواقف ثلاثة: إما التخلّي عن المسألة السياسية من قبل السيد السيستاني حفظه الله والحوزة العلمية، والتخلّي عن المسألة السياسية وترك الأمور تتسيّب بدرجة أكبر، وتتجه في الاتجاه الآخر المعاكس للإسلام بدرجة فاحشة أمر غير جائز.
خيار آخر، القيام بالسيف، وحدوث مواجهة بين الشعب العراقي وبين أمريكا، وهذا جائز جداً بل واجب إذا لم يكن بديل لطرد العدو الكافر.
وهذا أمر موضوعي تدخل فيه الخبرة العملية، ويُدلي فيه المختصون برأيهم، ولكل جماعة أن تدرس الواقع في ضوء محصّلة معلوماتها وخبراتها، وتنتهي إلى رأي في الموضوع.
ما انتهى إليه رأي السيد السيستاني حفظه الله والحوزة العلميَّة المباركة هو أن هناك طريقين، طريق السيف، وطريق الانتخاب، وطريق الانتخاب يُقدّم على طريق السيف حتى لو كانت مسافته أطول بشيء ما.
الانتخابات أقل خسائر، وإذا كانت الانتخابات قد تحدث فيها مغالطات، ويمكن أن يفشل الغرض من تحقيق واقع إسلامي بدرجة ما فإن الصراع الدموي لايسلم أيضا من المغامرة، وأنه ليس مضمون النتائج.
هناك حرص من المرجعية في العالم الإسلامي ومن العلماء على الحفاظ على تماسك المجتمع الإسلامي. والصراع الذي يمكن أن يجر إلى صراع داخلي بين المسلمين صراع مستبعد في نظر المرجعية الفقهية.
والصراع في العراق ليس صراعاً مع أمريكا فقط، وإنما هو صراع مع صدّام والصداميين الذين لازالوا يمتلكون واقعا قويّا جدا في الساحة العراقية، وإن تحقيق الانتصار على أمريكا وحدها في العراق لايعني انتصاراً للإسلام. عليك أن تخوض معركة ثانية مع صدام والصداميين ليتحقق واقع إسلامي هناك، وهذا ما سيجر إلى حرب أهلية لعدم اليقظة الكافية في صفوف المسلمين، وللخلط بين ما هو سني وبين ما هو صدامي في الواقع.
ثم إن نجاح أي حكم قائم على رضا الشعب والأمة، وقد رأينا أمير المؤمنين عليه السلام يعتذر عن قبول الحكم بعد وفاة عثمان، وقد يكون من منطلقات ذلك الامتناع هو عدم ملاءمة الظروف الموضوعية لنجاح الأطروحة الإسلامية، أمير المؤمنين معصوم، وقيادته ناجحة بالكامل، لكن الصف النخبوي الذي يؤمن بالإسلام وبالأطروحة الإسلامية، ويصبر على الأطروحة الإسلامية ويعطي لها كل شيء لم يكن بالدرجة الكافية.
والإسلام لايريد حكما شكلياً. الإسلام يريد حكما حقيقيا، يريد أن يصنع نفوسا، يريد أن يصنع عقولا، يريد أن يخلق واقعا إسلاميا ولايريد أن يحكم حكما شكليا فحسب.
وهذا ما يفرض عدم عزل الحكم الإسلامي رضا النصاب الكافي من النّاس لاقامته.
وغفر الله لي ولكم، اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وآتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
اللهم أرنا الحق حقا فنتبعه، وأرنا الباطل باطلا فنجتنبه برحمتك يا أرحم الراحمين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}
ــــــــــــــــــ
1 – ميزان الحكمة ج10 من: 630.
2 – المصدر نفسه.
3 – المصدر ج6 ص397.
4 – المصدر ص412.
5 – المصدر ص 420.
6 – أن يعرف أحدنا الخير من الشر عقل، وأمير المؤمنين عليه السلام لاينفي أن هذا عقل، إنما تريد الكلمة عنه عليه السلام أن تقول بأن العقل الأكثر تميزُّا ليس في أن تعرف الخير من الشر، وإنما العقل الأكثر تميّزا هو أن يكون أمامك شرّان وتتعرف على ما هو أخف الشرين، وأقل الشرين ضررا، وأن تأخذ بما هو الشر الأقل ضرراً.
7 – أيضا قد يكون أمامك خيران، والعاقل هنا من ميّز ما هو أكثر الخيرين خيريّة.
8 – وذلك تقديما للأهم على المهم، يشترون الآخرة بالدنيا، ولايشترون الدينا بالآخرة، ذلك لأن رأيهم قد دلّهم بيقين على أن الآخرة أكبر من الدنيا.
9 – المصدر ص417.
10 – المصدر ص418.