مواضيع الخطبة:

الكفر والشرك ومما قاربهما + الأقصى لايُنسى +
العراق إلى أين؟

الأمة إذا صحّت إرادتها، وإذا استيقظ ضميرها فرضت إرادتها
على الأنظمة إذا خارت إرادة الأنظمة، أو إذا انحرف بها الطريق. واستطاعت أن تفرض
إرادتها ونفسها على الآخر من خارج هذه الأمة.

الخطبة الأولى

الحمدلله الذي خلق الخلائق وعنده إحصاؤها، وبرأ الأنفس وإليه مرجعها، وأحاط بأعمال العباد وعنده حفظها، وهو المجازي للحسنة بأضعافها، وللسيئة بمثلها، واسع المغفرة، عظيم العفو، رؤوف رحيم.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي الأمارة بالسوء بتقوى الله فهو أحقّ من يُتّقى، وأولى من يُخاف منه عدله، ولايخرج العباد من حقِّه، ولايبلغ أحدٌ شكره، ولا يخلو قلبٌ حيٌّ من حبه. وعن الرسول صلّى الله عليه وآله “تمام التقوى أن تتعلم ماجهلت، وتعمل بما علمت” إذاً لا تقوى لمن بقي جاهلاً بأمور الدين، وأحكام الشريعة المسؤول عنها، ولا لمن علم بقليل من ذلك أو كثير وخالف علمَه عملُه.
اللهم إنا نعوذ بك وإخواننا المؤمنين والمؤمنات من التقصير في العلم والعمل، والركون إلى التسويف والكسل.
اللهم اغفر لنا ولهم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصل على محمد وآل محمد ياجواد ياكريم.
أما بعد فمما قال الله العظيم في كتابه العزيز عن الكفر والشرك وما قاربهما:
{… وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ}(1).
{… وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً}(2).
{… وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً}(3).
{… وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً}(4).
{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}(5).
والضلال أن تكون الغاية على طريق، وأن يسلك لها الإنسان غير طريقها، أو أن يحتار أين يذهب. فلابد أن تكون هناك غاية يُقاس إليها الطريق الضال والطريق المهتدي.
والغاية للإنسان بحسب الفطرة هي الكمال والسعادة. فكل إنسان يطلب الكمال، وكل إنسان يطلب السعادة، ولا سعادة في النقص والقصور. ولا كمال إلا في اتجاه واحد هو الاتجاه إلى الله تبارك وتعالى.
أي مخلوق يطلب الوجود من غير الله لايجده، يطلب الحياة من غير الله لايجدها، يطلب نموّا، يطلب مزيدا من الفكر، يطلب مزيدا من النضج لايجده في غير اتجاه الله لأنه لا وجود بالحق وبالأصل إلا وجود الله تبارك وتعالى.
فإذاً لاطريق للكمال والكمال وجود، إلا طريق الله تبارك وتعالى.
وطريق الله هو الإيمان به، توحيده، طاعته.
فالمعصية ليست طريقاً لله، وإنما هي طريق للشيطان وأولياء الشيطان، أما طريق الله فواضح وهو أن يسلك العبد طريق طاعة الله سبحانه وتعالى.
فإذاً حتى يكتمل الفكر، وحتى تكتمل النفس، وحتى تتنضّج الروح، وحتى تسمو الذات لابد من طاعة الله تبارك وتعالى.
أما الكفر والشرك والمعصية والهوى مما ذكرته الآيات الكريمة فهي بدائل غير موصلة للكمال لا لفرد ولا أمة، ولا على مستوى الدنيا ولا على مستوى الآخرة.
ها هو الكفر يحكم الدنيا، والدنيا تعيش الشقاء، وتعيش التعاسة إلى أقصى حدٍّ في ظل الحكم الكافر.
الإنسان والضلال والهدى:
الإنسان في ذاته ليس له هدى، الإنسان في ذاته وبقصر النظر على ذاته ضالّ، لاوجود له، لاحياة له، لاعقل له، لانور له.
أما هو بحسب الخلقة والفطرة فله هدى، {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ…}(6) وبالإضافة إلى هدى الفطرة هناك هدى الرسالات والأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهدى الآيات التي تلقى الإنسان في كل زاوية من زوايا الكون، وفي كل ذرة من ذراته.
والإنسان اختياراً قد يختار الهدى، وينسجم في حياته وفي خياره مع الفطرة، وقد يختار الضلال فتأتي الآيات الكريمة لتقول {… وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ}(7) {… وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً}(8).
أن يستقيم امرؤٌ مع الفطرة، والفطرة هي التوحيد يعنى أن يكون مهتديا وواصلاً، وأن يتبدّل الكفر بالإيمان، ويختار الاختيار السّيّء فيرفض الهدى، ويطلب الضلال معناه أن لا يكون على طريق الكمال، ولا يكون على طريق السعادة لأنه كما سبق لاسعادة للذات إلا بكمالها، ولا كمال للذات إلا على طريق التوحيد وطاعة الله تبارك وتعالى لأن الكمال وجود، ولا وجود إلا من جهة الله عزّ وجل.
وذلك التبديل؛ تبديل الإيمان إلى كفر، تبديل التوحيد إلى شرك، استبدالُ العبادة لله إلى عبادة الهوى مرهق، ويُعاني منه الفرد في الحياة الدنيا فيقلَقُ، ويأَلم، لأنه يفقد الركن الركين، ومهما استجمع من قوة لايجد نفسه قويّاً بها لأن القوة التي تهدىء النفس، وتطمئن القلب هي القوة المطلقة، ولايجد الإنسان أي قوة التجأ إليها قوة مطلقة ما لم يعرف الله، وما لم تنشدّ روحه وقلبه إلى الله تبارك وتعالى.
هذا الاستبدال يعاني منه الفرد، ويعاني منه المجتمع، والبشرية كلّها في الدنيا، وتكبر المعاناة، ويعظم العذاب لهذا الاستبدال في الآخرة.
طوائف من المضلين:
هناك طوائف من المضلّين فاعرف من تتبع، واعرف من لاتتبع، اعرف من تصادق ومن لاتصادق، من توالي ومن لا توالي، من ترتبط به ومن لاترتبط به، هي حياتك الغالية، هو عمرك الوحيد، هي فرصتك غير المتكررة، هو المصير الكبير، هو المستقبل الممتدّ، المسألة ليست مسألة حياة ستّين أو سبعين أو مئة سنة، المسألة مسألة أبدٍ لاينقطع، فإذا كانت الحياة الدنيا تعرف الحدود، فإن الحياة الآخرة لاتعرف الحدود، ويوم أن يختار الإنسان صديقا فيه عذابه الأبدي، أو قيادة فيها عذابه الأبدي، أو ولاءا فيه عذابه الأبدي فهو أسخف من سخيف، وأبله من أبله، وأجنّ المجانين.
{وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا}(9) وتثور روح النقمة، في المضلّين، على المضلّين {رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً}(10) السادة، الكبراء، المتنفذون، القادة، أولياء الباطل والضلال هذه هي العلاقة بهم يوم الآخرة بعد الخضوع، والتبجيل، والقبلات، والطاعة المطلقة.
{وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ}(11).
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ }(12) احذر أن تكون لك قيادة تقف منها هذا الموقف يوم المعاد، احذر أن تكون لك مدرسة تكون علاقتك هذه العلاقة يوم الآخرة، احذر أن يكون لك صديق، احذر أن يكون ولي، احذر أن يكون لك انتماء، احذر أن يكون لك حزب، احذر أن يكون لك ارتباط يؤول بك إلى هذا الموقف.
{وَلأُضِلَّنَّهُمْ(13) وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ(14) وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ… }(15) وكل المضلين لايقودون أحدنا قودا بلا اختيار.
أكبر المضلين يزيّن، ويمنّي، يُقبّح الحسن، ويحسّن القبيح، يصغّر الكبير، ويكبّر الصغير، يقرّب البعيد، ويبعّد القريب، يريك أن حياتك ووجودك وسعادتك في اتباع غير الله تبارك وتعالى، في الأخذ بالباطل دون الهدى، لكن ليس له عليك سلطان الجبر، وسلطان القهر، تبقى مريدا، وكل من بقي مريدا يبقى مسؤولاً.
{وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى(16) فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}(17).
{وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ}(18) والمنهج الإسلامي منهج العلمية الصارمة، ويرفض الإسلام أن تكون انطلاقة الحياة عند الفرد، وعند الجماعة، وعند الأمة إلا من منطلق العلم. فكلّ قضية لاتنتهي إلى ما هو علم ويقين فهي قضية مرفوضة في الإسلام.
وعن علي عليه السلام “إن شر الناس إمام جائر ضلَّ وضُلَّ به، فأمات سنة مأخوذة، وأحيا بدعة متروكة…”(19) وما أكثر هؤلاء القادة الفكريين الضالين المضلين.
وماأكثر من يقود خط الحياة للأفراد والمجتمعات على طريق التحلّل والتفسّخ، وهم قادة ضلال.
الإضلال من الله سبحانه:-
تقدّم الكلام عن الإضلال من غير الله، وقد يُنسب الإضلال إلى الله عزّ وجل.
{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ…}(20) والله عز وجل لايفعل القبيح، ولايريد لعباده إلا الخير والهدى والصلاح، وما أوجد الحياة إلا رحمةً للعالمين.
فما معنى هذا الإضلال؟
هذا الإضلال إما بمعنى خذلان العاصي؛ بأن لا تأتيه عناية خاصة من الله تنقذه إذا تمادى في معصيته، فمن تمادى، وأصرّ، وتولّى، واستكبر، وطغى قد يصل إلى درجة أن لايستحق تنزّل رحمة العناية الخاصة من الله مما ينقذه، هذا الخذلان يُسمّى إضلالا.
أو أن الإضلال بمعنى إفاضة السببية، فكما أن للسمّ أثراً، وللغذاء أثرا، وهما مختلفان، فكذلك للطاعة أثرها، وللمعصية أثرها، وهما مختلفان، للطاعة أثر في النفس والروح بنّاءة مصلحة مصحّحة، مقوّية، هادية، تُعطي متانة، وتعطي استعدادا أكبر، وقدرة أكبر على المقاومة، وعلى الثبات على الطريق. هذا الركوع، هذا السجود، هذا الذكر حين يأتي كما أراد الله يبنينا، ويهدينا، ويصحح داخلنا، ويرتقي بذواتنا.
وللمعصية أثر على النفس والروح هدّام، مضلّ، مفسد. كلما عصى الإنسان كلما فقد من هداياته، وكلما فقد من قدرة التبصّر في داخله، ومن قدرة الاستقامة. النفس لها قدرة على الاستقامة، على النهوض بالتكليف، تكبر هذه القدرة مع التزام خط التكاليف، وتهبط هذه القدرة مع الانحراف عن خط التكليف، فمع كل معصية يكبر الشر في النفس، ويضمر الخير، ومع كل طاعة يكبر الخير في النفس، ويضمر الشر.
هذه الإفاضة السببية بجعل الطاعة سبباً يستتبع مسببه، وبجعل المعصية سبباً يستتبع مسببه. ونُسمّي هذه السببية في حالة ارتكاب المعصية واستتباعها أثرها السيء على النفس والروح والقلب إضلالاً.
الاحتماء بالله وبكتابه:
{ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}(21) احتموا بكتاب الله، احتموا بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله، خذوا ثقافتكم من هذين المنبعين، اعرضوا عن الثقافات الأخرى، اعرضوا عن الأفكار المستوردة، استقوا فكاركم، ومشاعركم، وهداياتكم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله،وسنة المعصومين من بعده هي سنته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}(22).
وعن علي عليه السلام “استعينوا به(23) على لأوائكم(24) فإن فيه شفاءا من أكبر الداء وهو الكفر، والنفاق، والعمى والضلال”(25).
أكبر الداء السرطان؟ السرطان من أكبر الداء على المستوى الجسمي، وهناك أدواء روحية، أسقام روحية، وروحك بربك أغلى من بدنك.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين. اللهم اهدنا ولا تضلنا، وأدخلنا في عبادك الصالحين، واجعلنا دعاة هدى، وأدلة رشاد وسداد، وارزقنا حسن العاقبة يارحيم ياكريم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)}

الخطبة الثانية

الحمدلله الذي هدانا لدينه ولم يجعلنا ضُلّالاً، وبصَّرنا بسبيله ولم يجعلنا عمياناً، وجعلنا من المصدّقين بالنبيين والرسل المبشرين والمنذرين، والأئمة الهادين سلام الله عليهم أجمعين.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له لاهدى إلا به، ولا خير إلا من عنده، ولادافع لسوء إلا بإذنه وفضله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله رحمة للعالمين، وهدى للمتقين صلى الله عليه وآله أجمعين وسلم تسليما كثيراًً.
أوصيكم عباد الله ونفسي الأمارة بالسوء بتقوى الله، ومن اتقى الله وتحذَّر في حياته بحقٍّ من عقابه أمن في آخرته عذابه. والتقوى قاضية بالإقلاع عن الذنب، والحذر من المحرَّمات، وعدم الركون إلى الشهوات، والمبادرة إلى الطاعة، والسعي في الخير، ومناهضة الشر.
ومحال على التقوى أن تكون فكراً جامداً، أو شعوراً راكداً، وحالة هامدة لاتدفع إلى خير، ولا تزجر عن شر، ولا تسارع بصاحبها إلى فضيلة، ولاتردعه عن رذيلة.
اللهم اغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات، وتب علينا جميعاً إنك أنت التواب الرحيم، وارزقنا تقوىً لايخبو ضياؤها، ولايخفِت ضَؤها، ولاتغيب في مواقف الطاعة فتتباطأ النفس عن خيرها، ولا في موارد المعصية فتنساقُ مجنونةً إلى شرها ياأكرم الأكرمين، وياأرحم الراحمين.
اللهم صل وسلم على عبدك المصطفى محمد بن عبدالله الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصدّيقة المعصومة.
وعلى الأئمة الهادين المعصومين الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم عجل فرج ولي أمرنا القائم المنتظر، وحفه بملائكتك المقربين، وأيده بروح القدس يارب العالمين، اللهم انصره نصراً عزيزا، وافتح له فتحاً مبيناً.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، والممهد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين وفقهم لمراضيك، وسدد خطاهم على طريقك.
أما بعد أيها الكرام من المؤمنين والمؤمنات فمعاً إلى هذه المحاور في كلمات مختصرة:-
أولاً: الأقصى لايُنسى:-
الأمم الحيَّة لاتنسى مقدَّساتها، ولا تنسى هويتها وانتماءها، ولاتنسى مرجعيتها الفكرية، ولارموزها، الأمة لاتنسى شيئا من ذلك حتى تموت، فإذا ماتت أصابها النسيان، والموت هنا موت الروح، وموت الفكر، وموت الغيرة، وموت البصيرة إذا كانت الأمة قبلُ من الأمم المستقيمة.
وربما كان النسيان له أكثر من وجه؛ وجه أوّل هو ما تقدم من موت الأمة. وجه آخر ويتمثل في الاستهانة بالمقدسات، وهو لاينفصل عن موتها كذلك إذ لاتسهين أمة بمقدّس يستحق التقديس إلا أن تموت.
وقد تصاب الأمة على اعتزازها بمقدّساتها، بشلل في الإرادة، بأن يبقى لها من انتمائها الانتماء الفكري لاغير، أما انتماؤه العملي فيتعرّض إلى التراجع، وبتراجع الانتماء العملي يتراجع الشعور، ويتراجع الحماس، وتتراجع الإرادة عن نصرة المبدأ.
وقد تقع الأمة تحت سوء التربية الإعلامية وتأثيرها فتصاب إرادتها بالشلل، فالأمة دائما تحتاج إلى حراسة، وحراستها مسؤولية علمائها، ومثقفيها المخلصين.
وقد يكون أمر آخر وراء خذلان المقدّسات؛ وهو أن تميل الأمة إلى الدنيا، وأن تتشرّب بحبّها، وأن تعظُم أشياؤها في نفسها فيهون عليها أن تخون مقدّساتها من أجل المال، من أجل الدنيا، من أجل البقاء.
والأمة التي تغفو مرّة، وتستيقظ أخرى تُؤكل، ولايمكن لها أن تحتفظ بأرض، ولا بثروات، ولا بوجود ولا مقدّسات.
وهناك عنجهية صهيونية لاتقف عند حد، إلا أن يكون الردّ عليها قويّاً بالغا حاسماً، واقتحامات المواقع المتقدمة للأمة من قبل الصهيونية في وتيرة متصاعدة، والسكوت على العدوان يُغري بعدوان آخر.
وما من عدوان سكتت الأمة عليه إلا واستتبع عدوانا آخر أكبر منه، وبقدر ما يُعطي موقف التخاذل في نفس الأمة من تراجع يعطي في نفس العدو ثقة أكبر بنفسه، وعزما أشد على العدوان، ومضيّا أكبر في طريق تنفيذ أغراضه.
وهل تملك الأمة بجماهيرها ونخبها أن تُقدِّم شيئاً في معركتها مع الصهيونية؟ قد يُعتذر بأن الإمكانات والقدرات إنما هي بيد الأنظمة الرسمية. هذا العذر هل يُقبل عند الله تبارك وتعالى لأن تُعطي الأمة نيابة مطلقة للأنظمة الرسمية عنها في معركة من معارك المصير؟ وفي قضية من قضاياها الكبرى؟ هل الأمة تحوّلت إلى صفر في قبال الأنظمة الرسمية؟ ووجودها ليس شيئا إلا بالأنظمة؟ أم أن الأمة وجود كبير عملاق يمكن له أن يضع حتى الأنظمة على الطريق؟ الصحيح هو الثاني وليس الأول.
الأمة إذا صحّت إرادتها، وإذا استيقظ ضميرها فرضت إرادتها على الأنظمة إذا خارت إرادة الأنظمة، أو إذا انحرف بها الطريق. واستطاعت أن تفرض إرادتها ونفسها على الآخر من خارج هذه الأمة.
والقدس يطالب الأمة بموقف، والأقصى يطالبها، والفلسطينيون المجاهدون المضحّون يطالبونها.
ثانياً: العراق إلى أين؟
العراق بلد مسلم عريق في إسلامه، وفي العراق أبناء للتربَّية الإسلامية، وأبناء للتربية الأمريكية.
وانظروا إلى الإسلاميين في العراق وفي غير العراق أن صار بهم الأمر لايستطيعون المجاهرة بحاكمية الإسلام، وأن المطالبة بحاكمية الإسلام صارت جريمة عالمية تُدان، وتُعدّ من الإرهاب. وأن المسلم صار يتوارى عن هذا الطرح. فلابد من تدارك الأمر قبل أن تتغيب الحقيقة بالكامل ويُطمس الحق.
أما أبناء التربية الغربية في العراق وفي كل مكان فيُجاهرون برأيهم، وبمعارضتهم لحاكمية الإسلام، ويُدينون من يقولون بهذه الحاكمية أو يتمنّاها.
ولقد كان الغرب يضع شرطا على عدد من الدول الإسلامية بأن تبعث من أبنائها ومن فلذات أكبادها أكفاءا وقدرات متميّزة إلى جامعات الغرب ومطابخ فكره حتّى تأتي أفواج من تلك البعثات بفكر الغرب، وشعور الغرب، وطرح الغرب، وتكون الكوادر المعدّة لتثقيف البلاد الإسلامية، وللحكم البديل كلّما اقتضت الحاجة.
أما اليوم فالتربية الغربية حاضرة فاعلة قائمة مشهودة لأبناء المسلمين في جامعات المسلمين، وفي مدارسهم، وفي نواديهم، وفي جمعياتهم وبصورة علنية مكشوفة.
اليوم يأتي الأمريكي ليقيم الندوات، ويقيم المهرجانات الثقافية، وينفّذ برامجه التي يريدها في أكثر بلدان الإسلام.
وقد جاء رامسفيلد إلى العراق ليتدخل في تشكيل الحكومة، ليفرض داخلية ودفاعا من النوع الذي يريد، ويُعلن أنهما لابد أن يكونا تحت النظر، وبالكيفية المرغوب فيها، ويفرض أن ويحافظ على العناصر التي اختارتها أمريكا للأمن، للداخلية، للدفاع، للمواقع الحسّاسة.
وأن تبقى قوّة للبعث، وأن يبقى رجال من البعث أقوياء، وأصحاب نفوذ ومواقع متقدّمة من أجل أن يكونوا أدوات تُنفّذ رغبات أمريكا.
ويريد من مرشّحي الشعب أن يكونوا أدوات طيّعة للسياسة الأمريكية.
ولا انسحاب للقوات الأمريكية حتى يؤمّن على الأغراض الإنسانية العادلة لأمريكا في العراق من بناء قواعد ثابتة، وتدفّق للنفط بسخاء وبصورة شبه مجّانية إلى مخازن الأراضي الأمريكية، وتثبيت عملاء مخلصين في المواقع المهمّة، والتأكد من بقاء العراق تحت السيطرة عند ضرب أي بلد إسلامي من أراضيه، وبناء مراكز ثقافية وأجنبية ومراكز تحلل واهتراء خلقي وميوعة إلى الحد الكافي لمسخ هوية الشعب العراقي، وزرع العملاء في الحوزات والجامعات والمساجد ومراكز التأثير الإسلامي، وتحويل العراق إلى مستعمرة على الطراز الحديث.
ولكن العراق لايُرتقب له أن يكون فريسة الارادة المتفرّدة، العراق سيصبح ساحة لصراع الإرادات؛ إرادة إسلامية، وإرادة غير إسلامية. والحرب ستكون بين الإرادة الأمريكية بالأصالة أو بالوكالة والإرادة الإسلامية.
العراق سيكون أرض مواجهة حضارية حادَّة وإلى مدى بعيد.
والمواجهة بين الإسلام والغزاة الغربيين ستستمر على أكثر من مستوى وفي أكثر من بُعد.
والعراق بلد المرجعية، بلد التاريخ المجيد، بلد القباب النورانية الشامخة، بلاد الأئمة الهادين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، بلاد الأبطال الأشاوس ففي الأخير لن يُهزم العراق.
ولكن هذه هي الديموقراطية الأمريكية المتصدق بها على البلاد الإسلامية، وهي ديكتاتورية أمريكية وتحلل وتمييع وكفريات تملأ الساحة الإسلامية.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا ولمن أحسن إلينا إحسانا خاصا من مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة.
اللهم لاتجعل لنا عودة إلى ذنب جنبتنا منه، ولامفارقة لطاعة وفقتنا إليها، ولا استثقالاً لشيء من أمرك، ولا استخفافاً لشيء من مقدَّرات دينك، ولا هوى في معصيتك، ولا ميلاً لأهل الضلالة من خلقك يامحسن يارحمن يارحيم.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}
ـــــــــــــــــــــــــــ
1 – 108/ البقرة.
2 – 116/ النساء.
3 – 136/ النساء.
4 – 36/ الأحزاب.
5 – 23/ الجاثية.
6 – 30/ الروم.
7 – 108/ البقرة.
8 – 116/ النساء.
9 – 67/ الأحزاب.
10 – 68/ الأحزاب.
11 – 99/ الشعراء.
12 – 29/ فُصّلت.
13 – رئيس المضلين إبليس.
14 – اللعين هنا يؤكد هذا الغرض السيء له، وهذه الوظيفة القذرة منه.
15- 119/ النساء.
16 – هذا داخل النفس، فاحذر من شيء في داخل نفسك.
17 – 26/ ص.
18 – 116/ الأنعام.
19 – عن نهج: ج164 – ميزان الحكمة ج5 ص510.
20 – 23/ الجاثية.
21 – 2/ البقرة.
22 – 2/ البقرة.
23 – أي بالقرآن.
24 – وهي الشدة. والشدة زلزال قد يعصف بالنفس والروح، وينقلب الإنسان عندها عن حالة الإيمان إلى حالة الكفر.
25 – عن النهج خ 176 – ميزان الحكمة ج5 ص513.