مواضيع الخطبة:
*متابعة حديث المعاد *البعثة النبوية الشريفة
*وفاة الإمام الكاظم عليه السلام *رحيل إلى جوار الله
*كفى مخازي فاضحة *أحكام متشدِّدة:

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي ينطِق كلّ مخلوق بقدرته، وكل مرزوق بالحاجة إليه، وكلّ حي يموتُ بالذُّلّ بين يديه، وكلُّ حادث ببقائه، وكلُّ استمرارٍ للوجود والحياة بدوامه، ويشهد فَناءُ الأشياءِ على قهره واستغنائه ونفاذ سلطانه. الله مالك الحياة والموت، وهو الحيُّ الذي لا يموت.
أشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلَّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي المقصِّرة بتقوى الله الذي بيده ناصيةُ كل شيء، وإليه انقياده. والتقوى منطلقها معرفة صادقة بالله، وإيمان ثابت بعظمته وهيمنته، وقوامها شعور مستجيب لهذه المعرفة والإيمان في خضوع وخشوع واستسلام، وخوف ورجاء، وحبٍّ وعشق، وكلمة قويمة لا تميل عن الحقّ، وشكر وذكر، وموقف طاعة وإصلاح وإعمار، وسعي بالخير في الأرض، ونفع للناس.
فالتقوى كلها هدى ونور، وطهارة ونزاهة، وخير وصلاح، وهي مصدر قوّة ورباطة جأش وثبات في موارد الفضيلة والخلق الرفيع.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم ارزقنا معرفة صادقة بك تثمر فينا التّقوى، وتقوى تسهّل بها علينا الطاعة، وتنفّرنا بها من المعصية، وطاعةً تقرِّبنا إليك، وتقطعُ عنّا الشّيطان الرَّجيم، وننال بها جنّتك، والفوز برضوانك وكرامتك يا رحمن، يا رحيم، يا كريم.
أما بعد فهذه بعض مسائل من مسائل المعاد:
تقدّم أن ليس في حياة البرزخ أجسامٌ على نحو الأجسام في الدُّنيا، ولا طعام ولا شراب من طعامنا وشرابنا. ولكن جاء في حديثٍ عن أبي عبدالله عليه السلام:”المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة طير، لكن في أبدان كأبدانهم”(1)، وفي خبر “فإذا قبضه الله عزّ وجلّ صيّر تلك الروح في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون، فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا”(2). وإذا كان ذلك فتلك الأبدان من غير نوع أبداننا بما هي عليه من دم ولحم ومادة معينة، وإنما هي قوالب وصور من نوع آخر تماثل هذه الأجسام في هيئتها، ويتراءى بها الشخص كأنه كما كان في الدنيا على حدّ ما نراه في حياتنا هذه في المنام من صور من مات من حبيب وصديق. وأكل أهل البرزخ وشربهم ربما كان على حدّ تلذذ النائم بما يحصل له من حوادث سعيدة في هذه الحياة.
أما حياة المعاد فهي حياة روح وجسد، واللّذة فيها لذّتان، والعذاب أكثر من عذاب.
يقول القرآن الكريم:{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ…}(3).
{أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ، بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ}(4).
{حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ…}(5).
وفي آية أخرى:{… وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ}(6).
وقد انصبَّ تساؤل منكري البعث على إعادة البدن كثيراً فكانت الإجابةُ القرآنيّة على هذا الاستبعاد واضحةً جلية.
والحياة البدنيّة هناك حياة غنيّة ثرّة دفّاقة في طهارة وسمو، وتتمتّع الأسماع والأبصار والجلود يوم القيام بالقُدرة على أداء شهادة عادلة منصِفة حقّة على أصحابها تَنطقُ بها في حيادٍ تام بإقدار من الله المقتدر العدل الجبّار.
ونقرأ عن لذائذ البدن في الآخرة:
{وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ}(7).
{كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ}(8).
{وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ، يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ}(9).
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ، كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ، يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ، لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ}(10).
{عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ، مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ، بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ، لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ، وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ، وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ، وَحُورٌ عِينٌ، كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ}(11).
ونقرأ عن لذائذ الرّوح:{… لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ…}(12).
{يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}(13)، {وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(14).
فحياة الآخرة حافلةٌ بأنواع اللّذائذ البدنية في أرقى مستوى لها، وأنقى صورة، وأكثر مِتعة، وأشدَّ روعة، وأحسنَ مردوداً، وأبعدَ حالاً عن أيّ تأثير سيء، وهي لذائذ لا يمكن أن تُقاس لذّةً بما عهِده أترفُ إنسانٍ في هذه الحياة، وذلك في جوٍّ هانئٍ نظيف طاهر، ووضع لا همّ فيه ولا حزن ولا قلق ولا خوف ولا اضطراب ولا إساءة، ولا شهوةَ تفقد طيّبا، ولا أمنية خير لا تلقى إجابة، ولا انقطاع لنعيم.
ولذّات المادّة في الآخرة على غزارتها وشدّتها لا تُغيِّب وعياً، ولا تُلوّث روحاً، ولا تُقلّل من حضورها، ولا تأخذ من لبّ الإنسان، ولا تصرفه عن ذكر ربّه. وكل لذّات المادة على بلوغها قليلٌ عند لذة الرّوح وهي تشعر بمرضاة الله عنها؛ فتعظُم شأناً بهذا الشعور، وتكبُر ثقة، وتسعدُ حالاً، وتأمن محذوراً، وتسكر لذّة، وتنجو من هاجس سوء، وتفيض رضى، وتغنى طُهراً ونقاءً وصفاءً، وتلئلؤاً ونوراً وجمالاً.
نَعَم لذةُ المادة هناك لا تُلهي ولا تغوي، ولا تُسيء ولا تُردي، ولا تُقلّل من شأن، ولا تُسقط في غفلة، ولا تُطفئ نور قلب، ولا تُعكِّر صفو روح، ولا تقطع عن جمال الله {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ}.
حياة كلها سعادة بلا شقاء، جمال بلا قبح، خير بلا شر، صفاء بلا مكدّرات. لا جانحة من إنسان الجنة تشتغل بقبيح، ولا جارحة تقترب من منكر، ولا حس يقع على ما يضير. لا تذوق مرّاً، ولا ترى قبيحاً، ولا تسمع أذى، ولا ملمس إلا ويريحك، ولا منظر إلا ويسرك، ولا كلمة إلا وتنعشك، ولا فعل إلا ويرضيك، ولا وجه إلا ويلقاك بالبشر والنور. لا يغيب عنك هناك الجمال، ولا يقتحم على حياتك لحظة القبح.
{دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(15).
{ وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}(16)، {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً، إِلَّا قِيلاً سَلَاماً سَلَاماً}(17)، {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلَاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً}(18)، { أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً، خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً}(19). حسنت مستقراً ومقاما في علم الله وتقديره وحكمه وبعطائه ومن قدرته. فهل تكون فيها ثلمة، وهل تعاني الهناءة فيها ورقي الحياة من نقص؟!
وصحيح أن الحياة الدنيا لا تكون بمستوى الآخرة ولكن لو حكم الإسلام الأرض على يد قادته الحقيقيين لأوجد من هذه الحياة واقعاً يغنى بكثير من خير الجنَّة للبدن، وخير الجنّة للروح، ولأثرت الحياة، وشفّت، وطهرت، وزكت، وسمت، وتوارى الظلم والرجس واللغو والأذى والقبيح، وزانت الأوضاع وأشرقت النفوس، وأثلجت الصدور، وهنأ القلب، وسعدت الروح إلى حدّ كبير.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنّك أنت التوّاب الرحيم.
اللهم اجعلنا في الدنيا من أهل طاعتك، وفي الآخرة من أهل جنّتك، واجعل حزبنا هنا حزبك، وملأنا هناك الملأ الكريم عندك، وارفع درجتنا لديك، ومقامنا في هذه الحياة ويوم نصير إليك ياأكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي تستوي الأشياء كلّها في الحاجة إليه، فلا شيء منها أفقرُ أو أغنى من شيء في نفسها؛ فكلُّها عدمٌ لولا فيضه، وكلّها فقرٌ تامٌّ لولا إغناؤه، ولا وجود لها ممّن عداه، ولا غنى عندها ممّن سواه. وغناها الذي هو به سبحانه مملوك له، ولا يخرج عن ملكه شيء، ولا استقلال لمخلوق عنه طرفةَ عين، ولا قيام لكائنٍ لحظةً إلا به. فالأشياء استمراراً على حدِّها حدوثاً غنيّةٌ به فقيرةٌ في ذاتها، مسترفدةٌ عطاءه، متعلِّقة بكرمه، مستجدية نواله.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون. اللهم صل على محمد وآل محمد.
التقوى التقوى عباد الله فمن الله المبدأ وإليه المصير، ولا مالك غيره، ولا رازق من دونه، ولا منقذ من أخذه، ولا ملجأ منه إلاّ إليه {… وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً}(20)، {… وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ…}(21).
وإنّ من عصى فمأواه جهنّم، وليس له نصير من دون الله، ولا دافع ولا مانع. فليعرفْ امرؤ قدر نفسه، وليخشَ أخذ ربّه، ولا يُعرِّضْ نفسَه لسخطه، ولا يُلقِ بها إلى التهلكة والنّار، ولا ينفع أحداً غروره، ولن تُنجيه غفلته، ولن يفلت أحد من أخذ الله، ولا يملك أن يتمرد على حكمه.
اللهم اهدنا وإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين بهدى الصالحين، وارزقنا إيمان الموقنين، واسلك بنا طريق المتَّقين، واغفر لنا يوم الدّين، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين. ربنا اغفر لنا وتب علينا إّنك أنت التوّاب الرَّحيم.
اللهم صلّ على محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الأئمة الهادين المعصومين: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، وعجل فرج ولي أمرك القائم المنتظر، وحُفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس يارب العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرا عزيزا مبينا ثابتا قائما.
أما بعد أيها المؤمنون والمؤمنات الأعزاء فهذه بعض كلمات:
المبعث النبوي الشريف:
جاءت بعثةُ المصطفى محمدُ بن عبدالله صلَّى الله عليه وآله وحياة الأبدان في جزيرة العرب في شُحّ وبؤس وفوضى واضطراب، وحياة الأرواح في كلّ الدّنيا قد تعدّت مرحلة الجفاف إلى الموت عند النّاس في الكثير، وشارفتْ الدّنيا على أن يغمرَها الظّلام.
فأنعشتْ بعثتُه صلَّى الله عليه وآله حياةَ البدن، وأخرجت الإنسان من بؤسه وفوضاه، وبعثت حياة الروح بعد موت، وأنقذتها من شدّة جفاف، وطارد نورُها الظّلمة في كلّ الأرض.
وستبقى حياة الأبدان مُرهَقة، وشؤون المادة في عُسرٍ وإن تيسّرت الوفرة، وطغت الثروة، واستطال المال، وسيعمُّ جفافُ الروح، وتموتُ إنسانيّة الإنسان، وتغرق الأرضُ في الظلام، وتلفّها الضّلالات، ويزداد السّوء كُلّما أدبر النّاس عن نور البعثة، وأعطوا ظهورهم للإسلام(22).
وستزهو الدّنيا وتستنير الأرض، وتحيى الروح، ويُبعث الإنسان، وتستقيمُ الحياة، وترقى الأوضاع، وتَهنأ الأحوال، ويغيب البؤسُ إذا كانت عودةٌ للإسلام، والتحامٌ بخطّ البعثة النبويّة، واهتداءٌ بأنوارها، واستقامةٌ على طريق هذا النّور.
وفاة الإمام الكاظم عليه السلام:
الحاجة إلى الإمام المعصوم هي الحاجة إلى الإسلام التامّ في صورته وواقعه المتنزّل من الله سبحانه على قلب نبيِّه الخاتم صلّى الله عليه وآله. وهذا الإسلام بحدِّه التامّ، وصورته الواقعيّة باقٍ ببقاء الإمام، ومتأثر بدرجة وأخرى بارتفاع روحه إلى بارئه لولا وجود إمامٍ معصومٍ بعده.
والإمام المعصوم بما هو أعرف إنسان بالله في وقته، وأعبدهم إليه على الحقيقة فهو أقوى سببٍ لتنزُّل الرحمة الإلهية على أهل الأرض، وأمتن حبل يصلهم بنور السناء، وأأمن قيادة تأخذ بالإنسانية إلى الله، وتُقيم عدله في النّاس، وتُجنّبهم المزالق.
والإمام الكاظم عليه السلام هو الإمام السابع من أئمة أهل البيت المعصومين عليهم السلام الذين يُمثّلون أماناً لأهل الأرض، ونوراً لله عز وجل في ظلماتها.
وما أكثر ما فرَّطت الأمَّة في حقّ أئمتها الهداة وعادتهم وأقصتهم ونكَّلت بهم، وقدّمت عليهم من سواهم، وخذلتهم وآذتهم وأودعتهم السّجون والطوامير ومنهم هذا الإمام العظيم وقتلتهم وشرّدتهم، وانفصلت عن إمامتهم وهُداهم.
ولا زال البعض يعادي أهل البيت عليهم السلام إلى اليوم، ويؤذيه ذكرهم، ويشنّ الحرب على من والاهم، ويتقرب إلى الله سبحانه جهلاً بقتل زوَّارهم فإنا لله وإنا إليه راجعون.
رحيلٌ إلى جوار الله:
لقد رحل الرجل الكبير آية الله السيد محمد حسين فضل الله إلى جوار ربّه ورحمته ورضوانه إن شاء الله مُخلِّفاً وراءه دنيا النّاس يعيشها أهلُها قليلا أو كثيراً ثم يرحلون. وكلُّنا إلى ذهاب؛ ولا يبقى شيءٌ في يدنا من هذه الحياة إلا إيمانٌ صِدْقٌ، ونيّة حسنة، وعمل صالح؛ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
رحل السّيد وترك وراءه ساحةً عربيّةً وإسلاميّة وعالمية مليئة بالتحدّيات التي تحتاج إلى كثير من الكفاءات العالية والرِّجال المخلصين. وقد خاض السيد غمار الساحات الثلاث جهاداً صلباً على خط الله وبهدى مدرسة أهل البيت عليهم السلام بإرادة الرّجل المؤمن القويّ، وعزمه الممضاء، وقصده العظيم، ونيِّته السّليمة، وقلبه المحبّ، ونفسيّته المنفتحة، ورؤيته الإيمانيّة، ورفضه للظُّلم، وعشقِه للعدل، وَنَفَسِه الطويل الصبور، وأمله الكبير، وثقته العالية، وتوكُّله على الله، وإخلاصه للإنسان، ووفائه لدوره الخلافيّ في الحياة، وهمّه الرساليّ، وتطلّعه لما عند ربّه.
خاض غمار السّاحات الثّلاث بكفاءة وصبر وثبات ويقين، ولم يُدبرْ في جهاده طوال السنين. ولقد كان خندقه دائماً خندق الإسلام والمستضعفين، وقتاله لجبهة الظُّلم والطغاة والمستكبرين.
رحِم الله السيد المجاهد، وأجزل ثوابه، وأعلى مقامه، ورفع درجته عنده، وجعله في السُّعداء المرضيين.
كفى مخازي فاضحة:
في متابعات خبرية للمجلس العلمائي – الإثنين 8 رجب 1431هـ عن الوسط السبت 19 يونيو 2010م عن صحيفة “بانيا نيوز” التايلندية أن شبكة تتكون من عدة نساء تايلنديات ورجال بحرينيين يستخدمون أساليب مختلفة لجذب التايلنديات إلى الارتحال إلى البحرين من أجل العمل في البغاء رغماً عنهن.
وعن الصحيفة التايلندية أن أساليب العصابة قد تمَّ الكشف عنها من قبل اثنتين من التايلنديات ممن جئن البحرين واكتشفتا أنّهما أرسلتا للعمل في الدعارة، وقد التجئتا إلى سفارة تايلند في البحرين العام الماضي.
هذا الخبر ضُمّ إليه ما في متابعات الإثنين 15 رجب 1431هـ عن الوسط الإثنين 28 يونيو 2010م من خبر السّباق المحموم في سوق الدّعارة في البحرين بين الصينيّات والأثيوبيّات والتايلنديّات والتنافس على كسب هذه السّوق العار القذرة من قبل الجنسيّات الثلاث، وإغراق البحرين بِسِلعة الفحشاء المحرَّمة والفتّاكة بالشّعوب تحت رعاية كبار عبيد المال والشَّهوة إمعاناً في محاربة الله ورسوله، وعداءاً لدينه، وإفساداً لإنسان هذا الوطن والأمّة.
سوقُ الدَّعارة في البحرين فيما يظهر سوق مئات وألوف من العاهرات من الجنسيات المختلفة.
وهذا خزيٌ وعارٌ وفضائحٌ وجرائم، وخيانةٌ لأمانة الحُكْم، وإسقاطٌ لكرامة هذا البلد، وتمريغٌ لشرفه في تراب الذّل والمهانة والسّوء والمنكر تتحمّل الحكومة كل مسؤوليته وتبعاته أمام الله ثمَّ الشعب.
رحمكِ الله يا بحرين الإيمان والتقوى والذّكر والتّلاوة والمحراب والعبادة، والشّرف والإباء والعفّة والأصالة، وأنقذك من هذا السوء والذل والعار والهوان والخزي كلِّه. وإننا لكلّنا مسؤولون.
وفود بحرينية تجوب الدنيا بحثاً عن العاهرات، ولتغرير البريئات من مختلف الشعوب لنشر الفاحشة في بلد الإسلام والإيمان، وإغراقٌ لسوق الدعارة في هذا البلد الكريم بمختلف الجنسيات إشاعة لمهنة البغاء، وإعماراً على طريقة الشيطان لفنادق الكبار بما يشبع نهم الرذيلة عند الباحثين عن الجنس الحرام.
هذا هو التقدّم المنشود، والمجد الموعود، وبناء الوطن القويّ، وتخريج الرجال الأشدّاء، والأمّهات الطاهرات، والأجيال الرّشيدة النجيبة.
هذا هو التحصين الثقافي والخلقي والديني، والحفاظ على كرامة الإنسان، ورعاية إنسانيته.
هذه هي السياسة الناجحة في بناء وطن الاكتفاء، والقوّة، والصمود، والشموخ، والعزّ والإباء.
هذا ما جادت به، وتفجّرت عنه العقليّات السياسيّة المسؤولة من خطط إبداعية، ومشاريع إعجازية لبناء مستقبل وطن وشعب وأمّة.
وإذا كان كلّ ذلك يجري والحكومة لا تدري ولا تريد فلتنعزل الحكومة. وكيف لا تدري، وكيف لا تريد، ولو تحدّث صوتٌ خافت في زاوية مغمورة من زوايا المجتمع بما لا تشتهي السياسة لوصل إليه سمع الحكومة وبصرها وبطشها وسطوتها؟!
أحكام متشدِّدة:
جاءت أحكام قضية المعامير وقضية الديه متشدِّدة بلا أدلّة متينة، وكان مدار هذه الأحكام كما نشرته الصّحافة على اطمئنان المحكمة، مع الإعراض عن كلِّ القرائن المضادّة، وإلغاء الاعتبار لكلّ آثار التّعذيب على أجسام المتّهمين. وليس مدَّعى الحكمة أنّها علمت بالجُرم حسيّاً(23)، وإنما هو الحدس والظن الشخصي القاصر البعيد عن درجة القطع.
فهل هذا المستند الواهن على تقديره يقوم مبرِّراً لهذه الأحكام المتشدّدة المتعسفة؟!(24)
لكنَّ السياسة سياستان؛ سياسة تأخذ بالعدل، وتستهدف الإصلاح، وبناء الثّقة على أساس صحيح، وإشاعة المحبَّة. وهذه السّياسة لها أساليبها، ووسائلها، ومؤسساتها. وسياسة تأخذ بغير هذا، ولا تهتمُّ ببناء ثقة، ولا إشاعة المحبَّة بين الناس. وهذه السّياسة لها أساليبها الأخرى، ووسائلها ومؤسساتها.
وإنَّ سياسة من النوع الأول يصاحبها عادة جوّ هادئ بلا مظاهرات ومسيرات واعتصامات واحتجاجات صارخة، ولا تعتمد التشدُّد والقسر، ولا تحتاج إلى كثرةٍ في السّجون، ولا تنتشر فيها المحاكمات السياسية والأمنية، ولا تتجدّد وتتكرّر حتّى لا تخلو منها السّاحة باستمرار، ولا تعتمد مؤسسات يُلازم طبيعتها الفساد.
أمّا سياسةٌ من النوع الثاني فتخلق جوّاً صاخباً، ومناخاً خطيراً مضطرباً، وعواصف وزوابع، وطابع أسلوبها التشدّد والقهر وكسر العظم، والوسائل فيها سِجنٌ وتعذيب ومحاكمات مستمرة، وأحكام متعسّفة.
وما أضرّ السّياسة الأولى بأهلها والشعوب والأوطان، وما أنفع السياسة الثانية.
إنَّ المستهدِف لخلق أجواء التّوتّر له طرقه ووسائله وإثاراته، ويجيد وسائل التهييج، وتلبيد الأجواء، وتفجيرها، ويقضي على كلِّ فرص الهدوء، ويغلق كلّ أبواب الحوار.
وإنَّ لمستهدف التهدئة وترطيب الأجواء، وإصلاح ما بين النّاس، والأوضاع طرقه ووسائله الأخرى المجانسة لهدفه، وهو حريص على فتح باب الحوار، وتقبُّله، والبحث عن فُرصه.
إنَّ ما تدل عليه سياسة التشدُّد في الأحكام الأخيرة، والمواقف الرسميَّة الأخرى وصحافة الدولة هو الخيار الأول. وما أخطره من خيار على الجميع، وما أكثر ما تُوقع الخيارات الخاطئة أهلها في الورطات البالغة، وتدمّر الأوطان.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اجعلنا للحقِّ أعواناً وأنصاراً، وللباطل مناهضين وأعداء. اللهم لا تجعل لنا في ظلم أحدٍ من خلقك نصيباً، ولا لشيء من الجور رضى، ولا على شيء من الحيف موافَقَة، ولا بمنكر تسليماً، ولا عن إنكاره تخاذلاً وتقاعداً، وانصرنا على أنفسنا وعلى كلّ من أراد بنا سوءاً، وابتغى لنا أذى وإضراراً ياقويّ ياعزيز يامتين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(25).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-بحار الأنوار ج58ص 50.
2- المصدر السابق ص51.
3 – 78، 79/ يس.
4 – 3، 4/ القيامة.
5- 20، 21/ فصلت.
6 – 7/ الحج.
7 – 72، 73/ الزخرف.
8 – 19، 20/ الطور.
9 – 22، 23/ الطور.
10 – 51-56/ الدخان.
11- 15-23/ الواقعة.
12- 15/ آل عمران.
13- 21، 22/ التوبة.
14 – 72/ التوبة.
15 – 10/ يونس.
16 – 25، 26/ يونس.
17 – 25، 26/ الواقعة.
18- 62/ مريم.
19- 75، 76/ الفرقان.
20- 2/ الطلاق.
21- 1/ الطلاق.
22- لا نرتقب إلا شرّاء، لا نرتقب إلا سوءا، لا نرتقب إلا محنا متراكمة إذا أخذنا بالابتعاد عن الإسلام.
23- ليس المدّعى أن لديها أدلة قويّة، وليس مدّعاها أنها علمت بالجرم علما حسيّا.
24 – سيقولون أننا نضادّ العدالة، ونلغي حرمة الدم. كذب هذا. إننا إذا علمنا أن قطرة دم هُدرت ظلماً طالبنا ولو كان على القريب أن يُقام الحد إلا أن يعفو صاحب الدم.
إنما الكلام عن طريق الإثبات.
25 – 90/ النحل.