مواضيع الخطبة:
التقوى (1) – المسألة السياسية في الإسلام (1)

إذا كان للأمريكي
أو للروسي أن يطرح الرؤية المنطلقة من الغرب أو الشرق في البلاد الإسلامية ،فإن
الإسلاميين وهم أبناء الأرض ، وأبناء الحضارة هذه ، أولى بأن يطرحوا رؤيتهم
السياسية للتصارع نظرياً وعلى مستوى الفكر مع الرؤى الاخرى، ولتأخذ مساحتها
الإعلامية كما تأخذ الرؤى الأخرى والأطروحات الإخرى مساحتها الإعلامية ليتبين الحق
من الباطل والغث من السمين.

الخطبة الأولى

السلام عليكم ورحمة الله و بركاته أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والحمد حقه كما يستحقه أشهد أن لاإله إلا الله بديع السموات والأرض ، مجري الرياح فالق الإصباح، ديان الدين رب العالمين . وأشهد ان محمداً عبده ورسوله ، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ، وجاهد في الله صادقا ، وسعى لتثبيت الدين كادحا .اللهم صل وسلم على نبيك نبي الرحمة ومنقذ الأمة من الغمة ، وعلى آله الميامين وحججك على العالمين .
عباد الله أوصيكم ونفسي بما أوصى به النبيون والمرسلون الأمم من تقوى الله وطلب مراضاته ، والفرار من التعرض لعقوبته ، وأن يجدنا في مواطن طاعته ، وأن نغيب دائماً عن موارد معصيته ، هدانا الله إلى سواء السبيل وأقوم الطريق .
التقوى وما أدراكم ما التقوى ..فإنها تنشأ من منبت الرؤية الصحيحة ، الرؤية الكونية الصادقة . متى تكون عندك تقوى؟ إنما تكتسب ملكة التقوى عندما ترى الله ، عندما ترى عظمته عندما ترى جماله وجلاله وأخذه وبطشه وجبروته.
حين ترى الله كبيراً تخر خاشعا ، حين ترى الله عظيما تندك صاغرا ..فالتقوى تنشأ دائما من منشأ الرؤية الكونية الصحية الصائبة ، كما تقوم على أرضية الوجدان النقي ، و الفطرة الطاهرة ، الإنسان بفطرته يرى الله العظيم ، الإنسان بخلقته الأولى وبصفائه الذي أوجده عليه الله ، يرى الله ربه كريماً جليلاً جباراُ عظيما .
فمن سلم له وجدانه وبقي على نقاء فطرته فإنه لا بد ان يخشى و يخشع ويتقي الله . أما من قصرت رؤيته وغام نظره أو تغبر وجدانه وأصابته الضبابية وقام حائل بينه وبين طهره ، ووجد فاصلٌ بينه وبين نقاء نفسه فإنه لا يرى الله ولذلك يفتقد الأرضية التي تقوم عليها التقوى .
فالتقي هو العظيم ..التقي يمتلك الرؤية السديدة الصائبة الثاقبة ، التقي يتمتع بفطرته الأولى على نقائها وصفائها وجمالها ولألائها .فحيث لا ترى تقوى فأنت ترى إنساناً معيباً وقلباً مقلوبا، وحيث ترى التقوى فأنت ترى الإنسان السليم …و ترى الإنسان الإ يجابي و الإنسان الراقي في مصمونه الإنساني .
إسمعوا لقول الله تبارك وتعالى ((وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197))البقرة ..التقوى تقوم على وجود الألباب ، على وجود العقول النافذة ، على وجود الرؤية الصحيحة ..التقوى تقوم على وجود عقلٍ مفكرٍ متدبرٍ متعقل.(( وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ)) فمنطلق التقوى أن تحتفظ بعقليتك ، أن تحتفظ بقدرتك على التفكير السليم أن تتأمل ، أن تغور بنظرتك في هذا الكون في دقائقه ..في صنعهِ الحكيم ،..فحيث ترى هذه الرؤية وحيث تمتلك هذه النظّارة فإنك لا بد ان تكون التقي ولابد أن تكون الإنسان الخاضع الخاشع الذليل بين يدي الله سبحانه وتعالى .
((وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ (17)محمد ..وراء التقوى هدى ، وراء التقوى الرؤية السديدة ، وراء التقوى معرفةٌ صائبة ، وراء التقوى رؤية كونية مطابقة ، وراء التقوى عقل ٌ يتجاوز المادي ، ويعبر حدود المادي ليرى اليد التي تدبر هذا الكون ، ويرى القدرة التي تحكم بسلطانه اللا محدود كل مجرة وكل ذرة في هذا الكون .
والتقوى أيها الإخوة المؤمنون لها مراتب من حيث المنطلق ، تعالوا نقف على المنطلق الأول للتقوى ، بعد الرؤية الكونية الصائبة والهدى المكين… الخوف ..(( وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)البقرة ..انت إذا علمت أن الله شديد العقاب صرت تقياً ، إذا نفذ هذا الشعور في نفسك وتمكن واسقتر وملأ أقطار النفس عليك ، فلا بد أن تستجيب لهذا الخوف في المواقف ..تراعي الله عزوجل في الخواطر ..في التحركات ..في السكنات ، تراقب الله وتأخذ بحكمه في كل حركة وسكون .
والخوف دائماً منطلق من منطلقات السلوك لكن هناك فرق بيّن كبير بين أن تخاف الأسد فتفر منه ، بين ان تخاف الوحش .. بين أن تخاف الظالم ..بين أن تخاف الطاغوت ..فتتقزم أمامه وتحاول أن تصبغ شخصيتك بالظلم وتستجيب للظلم وتنحط تدريجياً انجراراً لرغبة الظالم والأسد والوحش ..، فرقٌ بين هذا وبين خوف العدل ..بين خوف خسارة الجمال ..بين خوف أن يغضب عليك الله العلي العظيم . انتم ترون ان الذي يخاف من شخصية عملاقةٍ ورعةٍ تقيةٍ عالمةٍٍ جليلةٍ ، فإنه لايخاف من بطشها ولا يخاف من غضبها ، يخاف أن يخسر وزنه في نفسية هذا الشخصية العملاقة ، وهو يعرف خسارة شخصيته ووزنه في نفس ذلك العملاق يساوي تماماً – إذا كان ذلك العملاق يمتلك الرؤية الصائبة الخوف من الله سبحانه وتعالى حين يبني شخصية احدنا لا يبنيها كما يبنيها الخوف من السلطان الظالم مثلاً أو الخوف من الأسد والوحش الكاسر ، إنما هو الخوف البنّاء الذي يصوغ شخصيةً سليمةً مستقيمة .هذه مرتبة ..ومرتبةٌ أخرى هي مرتبة المثوبه ولا تكاد تختلف
أما المنطلق الآخر الكبير والذي يصوغ الشخصية في أكبر حجمٍ ممكنٍ لها ، ويقدم لنا شخية مثالية ، فهو أي منطلق ؟((بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35المائدة – اتقوا الله ، إصعدوا إلى الله ، إطلبوا معراجاً إلى الله ، حاولوا القرب إلى الله ، سخروا كل لحظلةٍ من لحظات حياتكم في التنامي في التكامل في تزكية النفس ، في صياغة الذات من اجل أن تكون ذاتاً مرضية لله سبحانه تعالى ، والله لايرضى إلا الكمال .
فأنت حيث تطلب الله ، حيث تحاول أن تصعد بذاتك مرتبةً تراهارادى ..بل إلى جنة الرضوان ، إلى جنة الجمال الإلهي
اصنعوا أنفسكم تروا جمال الله ، إصنعوا ذواتكم تروا جلال الله ، اصنعوا أنفسكم تتفيئوا في ظلال الثقة وفي ظلال الإطمئنان ، وفي ظلال التركز الكوني بمعنى أن اجد نفسى جزءاً ثابتاً من هذا الكون مستمراً وشيئاً كبيراً ، كل ذلك من خلال القرب.اصنعوا أنفسكم بهذا اللون من التركز وبهذا اللون من الثقة والإطئمنان ،في ظل التعلق بالله ..في ظل التكامل من أجل رضا الله سبحانه وتعالى . ((اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) سبيل الله ..سبيل الوصول إلى الله ، الله لا يوصل إليه سبحانه وتعالى ، معنى ذلك أن تقربوا من الكمال الذي يريده لكم الله سبحانه وتعالى ، الله هو الكمال وكل شيء يكون قريباً إليه نسبياً وبمقدار مع بقاء مسافة لاحدود لها أبداً بين كمال الله وكمال أي شيء آخر ، وبقدر ما يكتمل هذا الشيء وبقدر ما يظهر فيه الجمال الإلهي وبمقدار ما يظهر من صفات الله الحسنى في هذا المخلوق يكون قريباً الى الله سبحانه ، ومع المحدودية لطاقة الكمال واستعداده عند كل مخلوق ، لكن فرق كبير بين يزيد الذي هو في المنحذر السحيق ، وبين رسول الله الأعظم صلى الله عليه وآله ، وعليٍ أمير المؤمنين والحسن والحسين وأئمة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين الذين هم في قمة الكمال الإنساني ، فإنهم يعيشون من جمال الله ما يغنيهم ويعيشون من جلال الله ومعرفته ما يُلذّ لهم الحياة ..ما يطيب لهم الحياة ..ما يجعلهم أقوياء بحيث لا يفتقدون قوتهم في أي ظرفٍ من الظروف فمن كان مع الله كان الله معه ، ومن رأى معية الله فهو القوي الشديد .
الآية الكريمة تقول ((وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) الجاثية – هذا المنطلق للتقوى : طلب ولاية الله سبحانه وتعالى ،هو أن يكون الله وليي في مساحة الاختيار ، في المساحة التي متروك لارادتي أن تتحرك في اطارها ، لا يكون وليي أبي المربي ، ولايكون وليي مجتمعي المؤمن الموّجه، ولا يكون وليي قائدي الإنساني ، أريد ولاية الله وصناعة الله وتدبير الله ، هو الذي يأخذ بيدي في كل موقف ، أريد منه سبحانه وتعالى أن يأخذ بيدي في كل موقف ، يخرجني من كل حيرة ، يهديني في كل ضلالة ، ولاية الله سبحانه وتعالى بمعنى أن رعايته تقود خطاك على الطريق السديد دائماً وفي اتجاهه الصاعد سبحانه وتعالى .التقوى من هذا المنطلق ..يريد أن يخرج من الحاجة إلى رعاية الناس ..أو إلى شفقة الناس ورحمتهم ، بأن يتولى الله سبحانه وتعالى أمره حتى في المساحة التشريعية فضلاَ عن المساحة التكوينية بفعلٍ تكوينيٍ يلامس قلب هذا الإنسان ويصوغه ويوجهه ، و يحمي هذا الانسان ويدفع عنه وينقذه ويعليه.
حين نقرأ((وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ )) نضم إليه قوله تعالى ( اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ)) البقرة 157 ، ولاية الله ماذا تصنع ؟؟ ا لآية الكريمة الثانية تجيب((اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ)) نفس الذات تخرج لولاية الله من كل ظلمة من ظلماتها الى نور من الله سبحانه وتعالى وجمال ، لاتبقى ظلمة جهل ، ولا ظلمة حقد ، ولاظلمة حسد ، ولا ظلمة خوف ، ولا ظلمة غرور ..كل ظلمات الذات كل نقاط ضعفها .. ولاية الله سبحانه وتعالى لها تخرجها منها فتأتي ذاتاً كاملة على المستوى الانساني والكمال الحق المطلق لله سبحانه تعالى .
وكل مشكلات الذات هي من ضعفها ، وليس من ظروف الخارج ، إنما تنال ظروف الخارج منا بمقدار ضعف ذواتنا، بمقدار ما في من نقص أنفعل بظروف الخارج وأتأذى لظروف الخارج وأستاء لظروف الخارج ، وبمقدار ما تتخلص النفس من نقصها وضعفها ، تجد نفسها فوق الخارج ، فوق ضغوطات الخارج ، فوق مشكلات الخارج
اقتصر من الخطبة الأولى في مقام بيان الموضوع على هذا وتبقى نقاط في الموضوع نفسه .
اللهم تولنا برعايتك وكلاءتك واخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين كما توليت الصالحين من عبادك وارفع درجتنا عندك ومنزلتنا في علمك ، إنك أكرم من سُئل ، وأرحم من أُسترحم ،ياعلي ياعظيم ..
بسم الله الرحمن الرحيم

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) }

والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المبتدئ بالنعم من فضله ، والمجازي على الطاعة بكرمه ، الدافع النقم بعفوه ، الماحي للسيئات بمنه وطوله . أشهد ان لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الهادي بإذنه إلى الحق ، والمبلغ عنه بالصدق ، والقائد إلى النجاة بالرفق .
اللهم صل وسلم على حبيبك المصطفى وآله النجباء ، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ، وفاطمة الزهراء بنت رسول الله صل الله عليه وآله وسلم ، والحسن الزكي والحسن الشهيد ، وعلي بن الحسين زين العابدين ومحمد بن علي الباقر ، وجعفر بن محمد الصادق ، وموسى بن جعفر الكاظم ، وعلي بن موسى الرضا ومحمد بن علي الجواد ، وعلي بن محمد الهادي والحسن بن علي العسكري عليهم أفضل الصلاة والسلام.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على وليك والمنتظر من ححجك القائم المهدي محمد بن الحسن صلوات الله وسلامه عليه ، اللهم عجل فرجه وسهل مخرجه وانصرنا به وانتصر له بنا وانت أرحم الراحمين .
اللهم سدد وأيد حماة المسلمين في كل مكان وسدد وأيد كل حاكم للمسلمين بالحق ، ويمثل خط الإسلام الأصيل ، اللهم اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات أجمعين . اللهم إنا نستغفرك ونستهديك ونضرع إليك أن تدفع عنا السوء ، وتدفعه بنا عنك دينك ، وتذودنا عن الإنحراف وتذوذه بنا عن ملتك ، وتعزنا وتعزبنا شريعتك ، وتنصرنا وتنصر بنا منهجك .
أما بعد ..
فما اكثر استكثار الناس على عالم الدين أن يتدخل في المسألة السياسة ، وما أعجب ذلك من الناس !! ، ثم إنه لعجيب جداً أن يجهل المسلم أن اسلامه يمتلك رؤية سياسية ، واطروحة متكاملةً في عالم السياسة ، وأن المسألة السياسية تمثل إحدى المسائل المهمة في الإسلام وتدخل في نسيج منهجهه لكي يتكامل ويأتي سوياً يغطي كل مساحة الحياة ، سأطرح أسئلة وأجيب بما يسمح به المقام على بعضها ، مرجئاً الإجابة على ما يتبقى إلى الأسابيع القادمة إنشاء الله .
لماذا الحديث في السياسة من منطلق الدين ؟ هل الحديث في السياسة من منطلق الدين من أجل إحداث ثورة عارمة تقلب الأوضاع في كل بلد،ومن أجل تحرك عسكري عام لتحويل كل بقعة من بقاع الإسلام عن المسارات القائمة؟
في المنظور لا يرجى ذلك أبداً وليس من المعقول موضوعياً أن يكون القصد هذا ولا يتوافق مع حكمة الدين ورأفته بالمؤمنين ، لكن إذا لم يكن المطلوب أن تحدث ثورات شعبية في وجه الحكم في كل مكان ، فلماذا الحديث إذن عن المسألة السياسية من منطلق إسلامي ؟؟
أولاً: كما أن للآخرين أن يقدموا رؤيتهم السياسية في بلاد الإسلام وهي رؤية سياسية تختلف مع الإسلام ، فإن للاسلاميين أن يقدموا رؤيتهم السياسية من منطلق الإسلام بدرجة اولى .
إذا كان للأمريكي أو للروسي أن يطرح الرؤية المنطلقة من الغرب أو الشرق في البلاد الإسلامية ،فإن الإسلاميين وهم أبناء الأرض ، وأبناء الحضارة هذه ، أولى بأن يطرحوا رؤيتهم السياسية للتصارع نظرياً وعلى مستوى الفكر مع الرؤى الاخرى، ولتأخذ مساحتها الإعلامية كما تأخذ الرؤى الأخرى والأطروحات الإخرى مساحتها الإعلامية ليتبين الحق من الباطل والغث من السمين .
وبلغة أخرى إذا كان للأطروحات الأخرى السياسية أن تخاطب الإنسان المسلم وتحاول أن تصوغه فكرياً ونفسياً على مسارها ، من طريق الاعلام ومن طريق الطرح العلمي فإن الإنسان المسلم أولى بأن يتمتع بهذا الحق في أرضه الاسلامية ، وفي أهله وهم مسلمون .
فإن لنا أن نقدم رؤيتنا السياسية ، ونشرح أطروحتنا الإسلامية لتزاحم الأطروحات الأخرى على نفس الإنسان المسلم وفكره فيزن هذا الإنسان المسلم أي الطرحين اولى بالإتباع ، وأي الطرحين يمكن أن يحل المشكلة لهذا العالم المعذب ..
بل أن ننطلق ببيان رؤيتنا وشرح رؤيتنا للعالم كله وقد بدأت فطاعات واسعة في العالم تتلهف وتتشوف ، بل تطالب بأن تقف على الرؤية السياسية في الاسلام ..فواعجباه كيف لا يتاح للرؤية اللإسلامية أن تقدم نفسها على المستوى السياسي في بلاد الإسلام نفسها ؟!
ثم إننا ومن جهة أخرى لحريصون أن يبقى الميراث الإسلامي ، وأن تصل أمانة الاسلام إلى الأجيال القادمة ، فإذا لم يكن في منظور جيل وجيلين وثلاثة أجيال وأربعة أجيال أن تقتنع الأمة بإسلامها لمزاحمة الإعلام الكافر الذي يمتلك ترسانة إعلامية هائلة ، إذا فقدنا الأمل في أن تستجيب الأمة الأسلامية في قطاعاتها الواسعة للإسلام وأن تتفهم حقانيته في كل أبعاده ومساراته وحقوله ، فإن أملنا لكبيرٌ وأكيدٌ وإيمانٌي راسخ بأن المستقبل للإسلام ، فإنه من بعد حين ستفهم الأمة الإسلام وحقانيته ، وهذا يحدونا ويوجب علينا أن نواصل كلمة الاسلام ، ونقدم الإطروحة الاسلامية لهذا الجيل ، فيتحملها من يتحملها منه ليوصلها بشكل اكبر إلى الجيل القادم الذي يوصلها بنشاط أكبر إلى الذي بعده وهكذا دواليك حتى تكتمل الصحوة ، وحتى يفيق الإنسان المسلم ويعرف أن سعادته في الدنيا وقبل الآخرة ترتبط بالاسلام والاسلام وحده، ..فكل هذا يدعونا لأن نتحدث عن المسألة السياسية من منطلق الاسلام وليس لغاية التحريك الفعلي على مستوى إثارة الشعوب من أجل المواجهة الساخنة التي تخسّر المسلمين أكثر مما تربحهم وربما أتت على الاسلام بآثار سلبية هائلة تعرقل مسيرته إلى الأمام.
نحن ومن ناحية موضوعية لانرى أن الأمة وفي ظل سنة او سنتين أو في ظل عشر سنوات يمكن أن تكتمل رؤيتها الاسلامية الكاملة وأن تنقاد لقيادة الرؤية الإسلامية من أجل تحريك هذه الأمة ، هذه النتيجة غير مؤملة فإذا كانت غير مؤملة في المدى القصير فالتحرك ليس من أجل هذه النتيجة ..ليس من أجل أن تتحرك الشعوب تحركاً ساخناً في وجه الحكام الداخليين ، وإن كنا وحكام الأمة المخلصون علينا أن نستثير الأمة في وجه العدو الخارجي إسرائيل اللقيطة اللعينة .
السؤال الآخر : هل للإسلام تدخل في السياسة ؟
طرح المسألة على المستوى العلمي ليس محله خطبة الجمعة التي لها وقت محدود ولكن وبإشارة وبطرح مقنع ..من هو رسول الله صلى الله عليه وآله ؟سيد المسلمين ومعلم الإسلام للأمم ، الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أقام الحكومة الإسلامية بشكل لا ريب عند إي مسلم فيه .
أمير المؤمنين عليه السلام أقام الحكومة ، الإمام الحسن عليه السلام أقام الحكومة ، صحابة رسول الله صلى الله وآله وسلم أقاموا الحكومة ، فمن من المسلمين في صدر الاسلام لم ير أن من الضروري أن تقام في الناس حكومة على اساس الاسلام ؟! كل المسلمين كانت رؤيتهم ضرورة إقامة الحكومة الإسلامية في الأرض والترابط المصيري بين إقامة الحكومة الإسلامية في الأرض وبين ديمومة الاسلام وبلوغه أهدافه النبيلة ، وأن ليس للإسلام أن يبلغ أهدافه في تربية الإنسان ، وفي صناعة حضارة عادلة في إيجاد الإنسان المتقدم الحر بالحرية الإيجابية الشريفة … ليس في مقدور الإسلام أن يصنع هذا كله دون إقامة الحكومة الإسلامية ، لأن منبره في غياب الحكومة هو منبر الوعظ المعزول عن إرادة الحياة والمقيد بالقرارات والقوانين الوضعية التي تحارب الاسلام .
فتدخل الإسلام في السياسة أمر واضح لايحتاج إلى دليل ، ولا يمكن للإسلام أن يكون واقعياً ولا يمكن أن يكون الإسلام من عند الله سبحانه وتعالى ويطرح هذا الطرح فيقول إني أريد ان أتحمل صياغة هذا الإنسان ، أريد أن أقيم العدل في الأرض ، ثم يمنع على نفسه أن يتدخل في السياسة ، وأن يملك زمام الأمور في السياسة ، فمن جهة يقول أنا سلبي لا دخل في السياسة..واكتفي بماتسمح لي به السياسة من إقامة مسجد ، وقد تسمح به وقد تمنعه ، وقد تزاحمه وقد لا تزاحمه ..أنا أكتفي بهذا المقدار ؟!!..لكني في نفس الوقت ألتزم بأن أصوغ العالم صياغة انسانية رفيعة ، وأنشر العدل والرفاه والأمن والإستقرار !! هذا اللون من الطرح المتناقض هل يمكن صدوره من الله سبحانه وتعالى ؟؟
تاتيك فئة من الناس تقول نحن ملتزمون بتجديد حياة المجتمع ، بصياغته صياغة جديدة مشرقة ..فتسألها ما هو برنامجكم ؟؟
– حين يأتيك من هذه الجماعة ..نحن نكتفي أن يكتب الإنسان مقاله في بيته ويضعها في صندوقه . برنامجنا ان يكتب الفرد أمانيه وأفكاره ويضعها في خزانة من خزاناته ..
نكتفي بأن يمارس الإنسان شيئاً من الأذكار والحركات بينه وبين نفسه ، وإذا سمح لهذا المجتمع أن يجتمع على مائدة صلاة او صوم أو ما إلى ذلك فليجتمعوا ..وإذا لم تسمح لهم السياسة بذلك فليمتنعوا ..!! أمن أحدٍ يتبع هذه الفئة ويرى عقلانيتها ؟؟هذه فئة جادة فعلا في صياغتها للمجتمع !!
..دين الله الذي جاء يصوغ الإنسان ، جاء ليرفعني جاء ليصنعني ..جاء ليجعل مني أنا بتفاهاتي إنساناً يليق به ان يجالس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جنة الخلد ، جنة الرضوان ، جنة الرفعة الإلهية .
هذا الدين الذي يتحمل هذه المسئولية ومسئولية أن يصنع الحياة المتقدمة ، وأن يفتح ابواب البركات من السماء والأرض ..هل يكتفي هذا الدين بأن يصلي الفرد في بيته أو يصوم شهراً في السنة ، إنه من الأكيد وبلا أدنى شك أن الإسلام يرى أن تبني المسألة السياسية ديناً لا مفر منه ، وواجباً من واجبات الإسلام الكبرى ، ومسألة يتوقف عليها مصير الفرد المسلم والمجتمع المسلم بل الإنسانية كلها ..والإنسان يطالب عدل الله ، والإنسان يطالب إحسان الله ، إذا صحت المطالبة وإن صح تعبير المطالبة ، ويطالب لطف الله سبحانه وتعالى ، يعني على الإنسان أن يتذلل بين يدي الله عزوجل وأن يخشع طالباً تقديم الأطروحة السياسية الإسلامية لإنقاذ الإنسان أن يتركه في حيرته ..
إخوتي الكرام ..تعرفون أنه كان للإسلام تجربة في الحكم هي تجربة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتجربة أميرالمؤمنين عليه السلام وبشكل اقل – فيما نعتقد – تجربة الخلفاء الراشدين … الخلفاء العمليين الفعليين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله،..
قدموا لي وقدموا للعالم حياةً استقرت وحياةً تقدمت وحياةً شرفت ..حياةً استيقظ فيها الفكر ..مجتمعاً تراص وترابط على الحب والتعاون ..وخرج من الفقر إلى الغنى ، ومن الذلة إلى العز ، ومن الهوان إلى الكرامة ، ومن الجهل إلى العلم ، ومن التسافل إلى التصاعد والارتفاع كما كان المجتمع المسلم الذي صاغه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وابدعته يداه الكريمتان وتبعه في ذلك أمير المؤمنين عليه السلام .
لا زال الإنسان قبل الإسلام وبعد الإسلام وإلى الآن يقدم الأطروحة بعد الأطروحة للحياة وفي المجال السياسي فتسقط كما تسقط أوراق الخريف ولكن بفرق أن ورقة الخريف أعطت جمالاً واعطت منظراً في وقت ، وأطروحات الأرض لا تعطي في كل حياتها إلا عذاباً وتفرقةً وجهلاً وتمزيقاً.
هل يتدخل الإسلام في السياسة ؟ هذا سؤال بينما كان السؤال السابق … لماذا يتدخل الاسلام في السياسة؟؟
أيضا سبقت الإجابة لأنه ما لم يتدخل الاسلام في السياسة يضيّع الإنسان ..وما لم يتدخل الاسلام في السياسة لايظهر عدل الله في حياة الإنسان وحضارته كما هو ، ولا تظهر حكمته كما هي ، ولا يبين لطفه سبحانه وتعالى. لطف الله ، وحكمة الله ، ورحمة الله بعباده إنما تظهر كما هي للإنسان حين يتدخل الإسلام في السياسة . ولأن مهمات السياسة في الإسلام تتجاوز هذه الحياة الدنياوتأخذ على عاتقها اعداد الانسان للآخرة كان لابد أن يتدخل الاسلام في السياسة.
الإسلام يتدخل في السياسة ليصوغ الإنسان ، المجتمع والفرد.الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين جاؤوا لا ليحركوا الوضع الإقتصادي ، ويتقدموا به فقط ، لا ليعطوا أماناً فقط ، لا ليمنعوا تعطل الشغيلة في البلد فقط . صحيح جداً أن الرسل جاؤوا ليعطوا أماناً ، وجاؤوا ليعطوا تقدماً إقتصادياً ، وتقدماً علمياً وتقدماً عسكرياً ، ويعطوا تقدماً في كل مجال ..، لكن كل ذلك من أجل ذات الانسان… من أجل أن ينصاغ له كماله ، وأن تستوي ذاته ، من أجل أن يكون الإنسان الواعي المرتبط بالله ، المستجيب لأمره ونهيه لأنه لا يمكن له ان ينصاغ عظيماً جميلاً إلا على طريق أمر الله ونهيه وعلى طريق مرضاة الله تعالى .
اترك بقية الأسئلة لأسابيع قادمة إنشاء الله ..
اللهم أبدلنا عن ضعفنا قوة ، واجعلها في رضاك ، وعن وهننا عزماً ، واجعله عوناًً على طاعتك ، ومن ذلنا عزاً ، واجعله بك وفي سبيلك ، وعن فرقتنا اجتماعاً واجعله على موائد تقواك ومحبتك ونصرتك ، يا أكرم الأكرمين ، وأرحم الراحمين ..أستغفر الله لي ولكم ولوالدي ووالديكم وللمؤمنين والمؤمنات أجمعين ..اللهم انصر الإسلام والمسلمين ، وأذل النفاق واهله ، اللهم اجعلنا في حماك واجعلنا على سبيل مرضاتك واجعلنا من القادة إلى سبيك ..

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون}

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .