مواضيع الخطبة:
الخطبة الأولى: الإنسان بين الحرية والعبودية

الخطبة الثانية:
حكم البرحين ليس حكم طائفة – مسيرة اليوم 9 مارس

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي لا رحمة تعمُّ الخلائق إلا رحمتُه، ولا قدرة تُمسك بكلّ شيء قائم، وتوجِد كلّ ممكن إلاّ قدرته، ولا كَرَمَ يَسَعُ الأوّلين والآخرين وكلَّ شيء إلاَّ كرمُه، ولا جود يفي بحاجة العالَمين إلاَّ جوده، ولا علم لا تخفى عليه خافية أبداً إلاّ علمه. له الأسماء الحسنى وهو العليّ العظيم.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي الأمَّارة بالسوء بتقوى الله العزيز الجبّار الذي يُجير من كلِّ شيء، ولا يُجير منه شيء، ويُغني عن كلِّ شيء، ولا يُغني عنه شيء، فطالب النجاة من الشرِّ لا يجد من غيره النجاة، وطالب النجاح لا ينال لدى مَنْ سواه النجاح، ولا يُردُّ سائله، ولا يُخيَّب آمله. ولا سبيل لنيل الخير من عنده بمدافعة، ولا ملجأ من عقابه بممانعةً.
مَلِكٌ قهّار جبّار لا يجور، ورحيم غفور لا يُخدع، جلَّ وعلا وهو العزيز الحكيم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعل قصدنا إليك، وتوكّلنا عليك، وأملنا بك، ورجاءنا فيك، وعُمْرَنا مصروفاً في طاعتك، ومنتهانا إلى رضاك يا رحيم يا جواد يا كريم.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فإلى هذ الحديث:

الإنسان بين الحرية والعبودية:

ما أكثر ما نُحب أن نتعرف عليه من الأشياء والأمور من حولنا، ونلمّ به علماً عن الغير، ونستقصيَه من أحداث كبيرة أو صغيرة ذات شأن وغير ذات شأن، مما ينبغي أن ينال الاهتمام بدرجة ما، أو أن يُهمل.
وكان على الإنسان كلّ إنسان أن يكون أشدَّ ما يكون عليه اهتمامه هو معرفته بنفسه، وعلاقته بربّه المبتنية على معرفة عظمته لما في ذلك من المعرفة الأساس لما ينبغي أن تكون عليه حياته، وتعامله مع ذاته، ومع كلِّ شيء غيره.
أنا في نفسي، وفي علاقتي التكوينية مع ربّي الله؛ إمَّا حرٌّ مطلق، وإما عبد مطلق، ولا يجتمعان.
وصِدْقُ أحد الفرضين يُنتج صورة من التعامل مع الحياة والنّاس والأشياء مغايرة جدّاً لما يُنتجه صِدْقُ الأخرى.
وكما يفترقان في ذلك يفترقان في تحقيق أو عدم تحقيق ما أُريد من كلِّ ما تحدّثني به نفسي (1).
وعلى مستوى النّظرة السَّطحية، والنظر المخدوع يتراءى لي كذباً في المساحة التي خُيِّرت فيها بقدر من الله سبحانه أني أملك الاستقلال في التصرُّف، وأني أتمتع بالحرية التاّمة غير المحكومة على الإطلاق.
والصحيح في شأن هذه الحرية أمران:
الأول: أنها حرية معطاةٌ من عند الله، مقيّدة بإرادته باقية ما شاء، منتهية لو شاء، ولا يملك منها العبدُ بقاء ولا زوالاً من نفسه(2).
الثاني: أنَّ من عرف مملوكيته لله عزَّ وجلَّ خَلْقاً ابتداءً واستمراراً كان عليه ألا يخرج بإرادته عن إرادة مالكه وسيِّده شرعاً.
ويبقى السؤال الأساس هل أنا حرّ مطلقاً أو في شيء من أمري تكويناً؟ هل أنا مملوك مطلقاً أو في شيء من أمري لغير الله سبحانه؟ قبل ذلك هل جئت من ظلمة العدم بلا موجِد؟
أعلم أنّي لم أخلق نفسي، ولم أُوجدها من العدم إلى الوجود. لا أشكُّ في ذلك أدنى شك.
لا أحد غير الله عزّ وجلّ أتى عنه أنّه خلقني أو خلق أيّ شيء آخر.
وكل من عدا الله إذا كان محتاجاً في وجوده إلى غيره، فلا يمكن أن يكون هو المرجع الأول في وجود أي شيء آخر.
وما يجعلني محتاجاً في وجودي لموجد يشترك فيه معي كلّ من عدا الله سبحانه، وما عداه من شيء.
وما هو الأمر الذي يجعل كلَّ الأشياء عدا الله سبحانه محتاجة في وجودها إلى موجد؟(3) ذلك هو كونها ليست غنية بالوجود في ذاتها، وإنما هي فقيرة بالذات، وبلحاظها في ذاتها(4).
ولولا الغنيُّ بالوجود بذاته، غيرُ المفتقر في وجوده لغيره لأنه حقُّ الوجود وخالص الوجود لما وُجِد شيء على الإطلاق من كلّ الأشياء المحتاجة في وجودها إلى من يُعطيها الوجود، ويُخرجها من عدمها.
وحتّى نقول بأن شيئا ما قد خرج من عدمه بقوّة من عدمه، أو من غير علّة على الإطلاق فلا بد لنا أن نتخلَّى عن عقولنا التي لا يقبل شيء منها هذا الهراء والزيف.
ولابد أن تتعطَّل الحركة العلميَّة، ويُلغى العلم، وتنقلب موازين الحياة، وتسقط أكبر ضابطة للفكر البشري في مساحة السياسة والاجتماع والاقتصاد والصناعة والزراعة وكلّ المساحات بالتخلّي عن قانون العليّة والمعلولية الصارم الذي يُمثّل قاعدة صلبة، ومنطلقاً واضحاً للفكر البشري.
إننا مدفوعون بمنطق العقل، ويَقَظَة الضمير، وصوت الوجدان، ولغة الفطرة أن نؤمن بخالقية ومالكية وربوبية الله سبحانه الوجود الحقّ، وأصل الوجود لكلّ شيء، والغنيّ بذاته، والفيّاض بالوجود.
وحينئذٍ فنحن عبيد تكويناً لا أحرار أمام مالكية الله وربوبيته. نعم نحن أحرار أمام كلّ شيء بَعْدَ عبوديتنا لله وحده.
ومن كان تنزُّل وجوده، ورزقه، وكلّ خيره من الله سبحانه، وكان تدبيره وقدره، ومصيره بيده، ومرجعه إليه -وهذا هو شأن كلِّ من خلق الله- فالعقل قاضٍ بأنَّ عليه ألا يخرج بإرادته في المساحة الاختيارية الموهوبة له من الله عن إرادة خالقه ومالكه. فكما نحن عبيدٌ لله تكويناً لابد أن نكون عبيده تشريعاً، فلا يكون لنا تشريع غير تشريعه، ولا خروجٌ عمليٌّ عمّا شرَّع، ولا موقفٌ على خلاف ما أمر، ونهى شرعه.
أيها الإنسان أكبر وأثمن ما فيك عقلك، وهو هاديك ودليلك في حياتك، وكلّ أمرك. سل نفسك هل هو هبتها لذاتها؟(5) سله(6) هل هو هبة ذاته لذاته؟ هل أوجدته قدرة وإرادة من داخله؟ هل هو الذي وضع قواعد ونظام تفكيره؟ هل إذا بدأ التفكيرَ في قضية من القضايا يعلم ابتداءً إلى أين سينتهي بها تفكيره؟ هل هو الذي اختار بنفسه مقدار فهمه؟ هل يضمن ألاّ تتحوّل أفكاره؟ ألاّ يتحوّل مسار تفكيره؟ هل له من نفسه ما يضمن بقاءه؟ وهل قرر العدمُ يوماً أن يمنحك العقل، وهل قررت قدرة من داخل عقلك، وإرادة من داخل نفسك أن تهبك العقل؟
وإذا كان جوابك على كل هذه الأسئلة بالنفي، ولا أجدك وأنت تريد أن تعطي جواباً جادّاً من وحي عقلك تجيب بغيره(7) فكيف لا تُذعن للعلي القدير الغني بذاته، ولا تعترف بالمملوكية والعبودية له؟!(8)
وإذا كنت المخلوقَ المملوك العبد لله سبحانه، فكيف لك أن تستقلَّ بإرادتك المعطاة منه إليك، والتي لو شاء سلبها عنك، كيف تستقل والحال هذه عن إرادته، فتشرّع لنفسك ولغيرك على خلاف تشريعه، وتُخالف أمره ونهيه؟!
وكلُّ أمر من أوامره، وكلّ نهي من نواهيه لا منطلق له إلا رأفتُه بك، ورعايته لمصلحتك، وتفضّله بإيصال الهداية إليك، بلا حاجة له في طاعتك، ولا خشية منه لمعصيتك، وتمرّدك فأنت المملوك له في كل حال، المأسور لقدرته على كل تقدير.
عُدُولُك عن شرع الله لأنك أعلم، أخبر بمصلحتك؟! لك إحاطة بالكون، وما مضى وما يأتي وما هو قائم أكبر من إحاطته؟! أأتهمه بالحاجة إليك في تشريعه؟! أتتهمه بغشٍّ أو بعبثية، بنقص ٍفي حكمته؟! تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
عنادك له لقوة تعتمد عليها في مواجهته؟! لغيابٍ في علمه عما أنت عليه من معاندته؟! ألمساواته بين أهل طاعته ومعصيته؟!
جلّ الله العليُّ القدير عن هذه الظنون السّاقطة والأوهام المهلكة.
وهل يجوز شيء من هذا على من لا علم، ولا قوة، ولا هدى، ولا نور، ولا حكمة، ولا خير إلا من عنده، وبتقديره، وفيضه؟!
ألا لا سبيل لأحد يرجع إلى العقل في صفائه ونقائه، وإلى وجدانه، وفطرته أن ينكر الله سبحانه، أو شيئاً من أسمائه الحسنى، أو يختار معصيته.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا لك من العابدين، ولنعمائك من الشاكرين، ولآلائك من الذاكرين، واجعلنا من أخشى من يخشاك، وأحبّ من يحبّك، وأرضى من رضي بقضائك وقدرك، واستجاب لأمرك ونهيك يا حنّان، يا منّان، يا كريم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(9).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي خَلق الخلق ليعرفوه، وَيَسَّر لهم معرفته ليعبدوه، وهداهم لعبادته ليكملوا بالتقرّب إليه، ويستضيئوا بأسماء جلاله وجماله بقدر ما تتسع له معرفتهم، وتبلغه أقدارهم من حظوظ متفاوتة محدودة من أنوار كماله غير المحدود.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله ألا فلنتّق الله فلا نُقِمْ على ذنب، ولا ندخلْ في معصية له سبحانه، ولا نستخفَّ بإثم، ولا نقرب من حرام، ولا نتخلف عن واجب، ولا نتهاون في مستحب.
فمن أخذ على نفسه التخلّي عما نهى الله تبارك وتعالى، والالتزام بما أمر، وراعى التقوى في كلّ ذلك وجد في قلبه هدى، وفي نفسه اطمئناناً، وفي حياة روحه مستوى جديداً راقياً، وكان من أهل عناية الله ورأفته الخاصَّة ورحمته، وكان له من تقواه شفيعٌ عند ربّه في الدنيا والآخرة.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعل لنا من خوفك ورجائك ما يجعلنا لا نفارق طاعتك، ولا ندنو من شيء من معصيتك، ولا نستهين بشيء من دينك، ولا تثقل علينا عبادتك، ولا تَقِرُّ عيوننا بغير رضاك يا واسع العطاء، يا جواد يا كريم، يا رحمان، يا رحيم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً مقيماً دائماً.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات أجمعين فإلى عنوانين:

حكم البحرين ليس حكم طائفة:

كون الحكم في البحرين يستخدم الورقة الطائفية بأكثر من أسلوب لتثبيت نفسه، وتمرير مشاريعه المطلوبة له، وإضعافاً للشعب، وتفتيتاً لكلمته لا يعني أن طائفة تحكم طائفة أخرى. الطائفتان محكومتان ومقهورتان، ومظلومتان، وغير معترف بإرادتهما، ومصادرة الكلمة تشملهما، والثورة المنهوبة هي ثروتهما، والسياسة الفوقية المفروضة سارية عليهما، والكلمة الدينية الحرّة الصادقة مضيّق عليها بما يعمّهما. مسجد من مساجد الأخوة السنّة يُوقف أذانه من أجل حفل غنائي وقت الصلاة(10).
الطائفة السنية الكريمة لا ترسم سياسة البلد، ولم تضع دستوره، ولم تختر بصورة حرَّة مجلسه النيابي، وليست هي التي تُشكّل مجلس الشورى، ولا تقوم بتعيين السلطة القضائية ولا التنفيذية. كل ذلك خارج عن يدها، مفروض عليها كما هو مفروض على الطائفة الشيعية على حدٍّ سواء(11).
الحكم في البحرين اليوم كما هو ليس من حكم الشعب للشعب، فكذلك ليس من حكم طائفة لطائفة أخرى. ولا يصح أن يفكر أحد أن تحكم طائفة من الطائفتين الكريمتين الأخرى مستقبلاً، ففي حكم أيّ طائفة لطائفة أخرى هو الجور، والظلم، والشقاق والفتنة والاحتراب، والخسارة المشتركة، والقضاء على مصلحة الوطن(12). وكل ذلك مما لا يُقدم عليه عاقل يحب دينه أو وطنه أو يحمل شيئا من احترام الإنسان للإنسان.
وكذلك لا يمكن فرض مذهب على مذهب في سياسة أو غيرها في بلد مشترك يجب على أهله أن يحترم بعضهم بعضا، ويقدّر له مكانة رأيه المذهبي في نفسه، واعتزازه به، وتعبّده في ضوئه.
ولا تستقيم حياة مشتركة بين أهل مذهبين يراد لها أن تقوم على الودِّ، والتعاون، ورعاية مصلحة الإسلام العامّة أن يَفرِضَ هذا المذهب أو ذاك نفسه على الآخر اليوم وفي أي يوم من الأيام.
وكما لا مورد لأن يُفكِّر أحد في أن تحكم طائفة أخرى مستقبلاً لا مورد كذلك للاستئثار مطلقاً لأنه قريب في جوره، وفيما يؤدي إليه من هدم العلائق من حكم طائفة لأخرى(13).
ليس أمام هذا الشعب بكل مكوّناته إلاَّ أن ينظر إلى كلِّ أبنائه بعين واحدة هي عين المواطنة المتساوية، وأن يُصِرّ على مرجعيته في الحكم، وكونه مصدر السلطات الثلاث متحمِّلاً مسؤولية أمام ربّه سبحانه فيما يختار في هذه المسألة المصيرية الكبرى التي تُؤثِّر تأثيراً هائلا جدّاً على دينه ودنياه وآخرته.
وخيارنا الثابت هو هذا الخيار(14)، ولا نجد بديلاً مناسباً عنه، ولا يوجد ما يوفِّق بين المواطنين، ويمكن أن يُجمعوا عليه ما يتقدم على هذا الخيار أو يكون بمستواه.

مسيرة اليوم:

أكرِّر من جديد أنّ مسيرة اليوم مسيرة الشعب لا مسيرة جمعية ولا جمعيات معدودة من جمعياته فحسب؛ ولا مسيرةُ توجّهٍ من توجّهاته السياسية، ولا طائفة دون أخرى.
مشاركتي في هذه المسيرة ودعوتي إليها لا تجعل لي خُصوصيّةً فيها، ولا تجعل رأيي الخاص هو منطلقَها.
أنا واحد من الشعب الذي يشارك في مسيرتكم الجماهيرية الواسعة اليوم وعلى حدّ أي مشارك آخر حتى الطفل.
مسيرة اليوم مسيرة شعب لابد أن يظهر فيها أكبرُ إجماع ممكن من الشعب ذوداً عن مطالبه السياسية والحقوقيّة مُعلناً دفاعه عنها، وإصراره عليها، وعدم تخلّيه عنها، أو مغادرته الساحات دون تحقيقها(15).
كلُّ ذلك في سلمية أخذ الشعب على نفسه الالتزام بها بعيداً عن كلّ العصبيات الجاهلية، وما يضرُّ بوحدة الأمّة والمجتمع، وما يسيء لمصلحة الوطن، وما يؤثر سلباً على حقِّ هذا الشعب، ووجاهة مطالبه.
مسيرة إمَّا أن تبرهن على أنّ قلّة معزولة هي التي تقف وراء المطالب السياسية والحقوقية التي نادى بها أو أن يبرهن على أن هذه المطالب مطالب جماهير شعبية عريضة واسعة، وغالبية عظمى من أبناء الوطن ضحّت من أجلها(16).
تُبرهنون اليوم إن شاء الله على أن مسيرتكم مسيرة جماهير هذا الشعب على اختلاف انماءاتهم، وتوجّهاتهم، وقياداتهم، وشرائحهم لتقول هذه الجماهير بأنه لا تراجع عن المطالب، ولا مساومة عليها، ولا تفريط بها، ولن نغادر الساحات بدون تحقيقها.
المسيرة اليوم وحدوية تتسامى على كل النزعات الفئوية والحزبية والطبقية والطائفية وكل عصبية أخرى تمتّ إلى الجاهلية بأي سبب من الأسباب.
تحتشد جماهير الشعب اليوم من أجل قضية وطن، قضية شعب، قضية حاضر ومستقبل، من أجل معالجة سياسية وحقوقية منقِذة تعترف للشعب بمكانته، وتنتشل الوطن من محنته، وتجنّب المجتمع من خطر التفتت والاحتراب.
تحتشدون اليوم من أجل السجون المليئة بأحراركم، من أجل المفصولين، من أجل المعذّبين، من أجل كلّ الظلامات التي تعانون منها، من أجل مخرج سياسي كفيل بإعطائكم مكانتكم، ومرجعيتكم المغتصبة منكم.
تحتشد جماهير شعبنا اليوم إحقاقاً للحقّ، وانتصاراً للعدل، وتشديداً على المساواة، وتمسُّكاً بالحريَّة والعزِّة والكرامة.
تحتشدون اليوم لإبلاغ رسالة شعب أخذ على نفسه ألاَّ يردَّه عن مطالبه العادلة شيء، ولا يُزحزحه عن حقِّه شيء، وأنّ له إرادة على هذا الطريق لا تنكسر، ووعياً لا يُستغفل، وتلاحُماً لا يُفلُّ، وتضامناً لا يَقبل الالتفاف عليه(17).
تحتشدون اليوم مسارعين لإنجاح احتشادكم المبارك الكبير لتقولوا للعالم كلّه نحن هنا من أجل مطالبنا العادلة التي لا تنازل عنها، وسنبقى معها، ونذود عنها، ونُلِحُّ عليها، وقد ضحّينا من أجلها كثيراً، واستعدادُنا قائم ودائم للتضحية من أجلها(18).
أرى من المهمِّ جدّاً أن نحتشد من أجل مطالبنا بأكبر صورة، وأوسع صورة، وأكثر صورة تمثيلاً لشرائح الشعب وأطيافه وتلوّناته واتجاهاته لنؤكِّد بقوة وأشدَّ من كلّ مرة بأنَّ مطالبنا مطالب شعب وليست مطالب شِرذمة قليلة ليقتنع بذلك كلّ من كان قابلاً للاقتناع إذا تجلّت الحقيقة صارخة، وارتفعت شمس نهارها إلى كبد السماء، وتعامدت على الرؤوس.
تحتشدون اليوم محقّين غيرَ مبطلين، مصلحين غير مفسدين انتصاراً للحق، للعدل، وتقويماً للمعوَّج، وتصحيحاً للوضع، وإنقاذاً للوطن، وحماية لوحدة المجتمع، وإبقاءا على أخوَّة أبنائه، وطلباً لمرضاة الله الذي لا يرضى بالجور، ولا السكوت عليه، ولا بالفساد والتغاضي عنه.
أنتم تحتشدون اليوم في مسيرة “لبيك يا بحرين” وكل تلبية من المسلم إنما هي تلبية من وحي تلبيته لنداء الله سبحانه وتعالى، فالبحرين التي تنادي حاجتها بالعدل، وبالمساواة، وباحترام الدين، وباحترام الإنسان هي البحرين التي نقول لها لبيك يا بحرين(19).
ونحن نقول “لبيك يا بحرين” استجابة لنداء الله بالعدل، والحق، واستجابة للتركيز الإسلامي على كرامة الإنسان.
“لبيك يابحرين” يأتي منسجما مع هذه الصرخة:
لا نركع إلا لله(20).
علّمنا الإسلام من أوّل يوم فهمناه، وعلّمنا إمام الإسلام حسين كربلاء أن نرفع عقيرتنا بالقول هيهات منا الذلة(21).
وعلّمنا فهمنا الإسلامي الأصيل، ومدرسة الإسلام الحقّة أن يحمل المسلم همّ المسلم، وأن يعيش المسلم الأخوّة الصادقة للمسلم، ومن هنا ننطلق لنقول: إخوان سنّة وشيعة. (22)
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم إنّا نرغب إليك في دولة كريمة تعزّ بها الإسلام وأهله، وتذلّ بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة. اللهم ما عرّفتنا من الحقّ فحمّلناه، وما قصرنا عنه فبلّغناه.
اللهم ارحم الشهداء الأبرار، والموتى المؤمنين، واشف المرضى والجرحى والمعلولين من أهل طاعتك، وفك الأسرى والمسجونين في سبيلك يا عليّ يا قدير، يا رحمان يا رحيم.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (23).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – ذلك بغض النظر عن الموجودات الأخرى.
2 – الحرية في مسألة الصلاة أن أصلي أولا أصلي، أن أقوم، أن أقعد، أولا أقوم أو أقعد، أن أصادق، أن أعادي، أن أترك، أن أأكل، أن لا أأكل. هذه حرية متاحة، هنا مساحة اختيارية أُعطيت إياها من الله سبحانه وتعالى.
3 – ما الذي يجعلنا كلنا محتاجين إلى موجود من خارجنا.
4 – إذا لاحظت كل شيء في ذاته غير الله سبحانه وجدته لا يملك الوجود لنفسه.
5 – ذاتك وهبتك عقلك؟!.
6 – عقلك ونفسك.
7 – أي بغير النفي.
8 – كونوا عبيداً لله كما أنتم أيها الناس.
9 – سورة التوحيد.
10 – هتاف جموع المصلين بـ(هيهات منا الذلة).
11 – هتاف جموع المصلين بـ(أخوان سنة وشيعة، هذا الوطن ما نبيعه).
12 – هذا مما لا ينبغي أن يدخل في تفكير أحد.
13 – هذا قريب من ذاك.
14 – خيار المساواة بين كل المواطنين، خيار النظر إلى كل المواطنين بنظرة وطنية واحدة.
هتاف جموع المصلين بـ(كلا كلا للتمييز).
15 – هتاف جموع المصلين بـ(لبيك يا بحرين).
16 – ماذا ستقولون؟ ماذا ستقول مسيرتكم؟ هل ستقول مسيرتكم أنها مسيرة قلّة معزولة، أم ستقول مسيرتكم أنها مسيرة جماهير عريضة تمثّل هذا الشعب.
هتاف جموع المصلين بـ(الله أكبر، النصر للإسلام)، (هيهات من الذلة).
17 – هتاف جموع المصلين بـ(هذا الشعب ما تنداس كرامته).
18- هتاف جموع المصلين بـ(هيهات منا الذلة)..
19- هتاف جموع المصلين بـ(لبيك يا بحرين).
20- هتاف جموع المصلين بـ(لن نركع إلا لله).
21- هتاف جموع المصلين بـ(هيهات منا الذلة).
22- هتاف جموع المصلين بـ(أخوان سنّة وشيعة، هذا الوطن ما نبيعه).
23- 90/ النحل.